“أستاذ رامي” سقى دفاتر تلاميذه بالحب فأزهرت

2 مارس , 2018

 

أدهشني انفجار وسائل “التواصل الاجتماعي” بــ صنيعي

 

“فاكهة الصف أنت.. فاتحُ شهيةٍ للتدريس يا مالك”.

“ستكون شخصًا مهمًا يا يوسف في المستقبل.. شكرًا لك على هذا الجمال”.

“تستطيع أن تحصل على العلامة الكاملة إذا استمعت بتركيز وكبّرت الخط قليلاً”.

“أنا مبسوط منك يا وسام؛ أحسنت أحسنت.. تحسن كبير يا بطل”.

 

تعليقاتٌ تفوح منها رائحة الحب على دفاتر الإملاء خطَّها لطلابه أستاذٌ يبدو كأنه خُلق للبهجة، اسمه رامي السايس.

 

 

ولن يُدخِل رامي الضحكة عبثًا على كل من سيقرأ قصته؛ ذلك أن كلَّ مقطعٍ فيها يقف خلفه مغزًى؛ كمشهدٍ من هذا القبيل:

“ذات مرةٍ شرحتُ آية (لنسفعًا بالناصية) والتي وضَّحتُ فيها أن ملائكة العذاب ستجرُّ الكافر من ناصيته (مقدمة رأسه)، وكان لا بد من تبسيط الفكرة للصغار فقلت: “ملائكة العذاب ستجر الكافر من (غُـرَّته) وترميه في نار جهنم”، فورًا أحدهم بكل براءة سأل: “يعني إنت يا أستاذ ما بتدخل النار؟ أجبت: “يا رب كلنا نكون من أهل الجنة.. بس ليش بتسأل؟” فقال: “لأنك أصلع يا أستاذ”؛ وحينها ضجَّ الصف بقهقهاتهم.

 

 

سنواتٍ طويلة من عمله في التدريس امتدت نحو ستة عشر عامًا لم يكلّ من أسلوب يستحق التكريم؛ على تلاميذ المرحلة الابتدائية في أحد مدارس وكالة الغوث بمدينة الزرقاء الأردنية؛ ولكن مؤخرًا فقط فاضت وسائل التواصل الاجتماعي بلفتاته السحرية في التعليم بعد أن جذبت أنظار كبار المسؤولين، فـ”الأستاذ رامي” لا يكتفِ بتصحيح الإملاء بل مع كل “صحٍ” يضع قطعة من قلبه في الدفتر، ولحسن الحظ أن قلبه كبير إلى درجة اتساعه لصفوف يكتظ كل منها بما يتجاوز 50 طالب، فقد أيقن أن تصويب الاخطاء بالتشجيع أنجع من أي وسيلة أخرى، وبفضله صار يكبر الأطفال بنقاط قوتهم.

 

 

ضحك ولعب وشواء

يستهلُّ المعلِّمُ الأردني حاملُ الهوية الفلسطينية حديثَه لــمراسلة “شبكة زدني”: “في طفولتي كنتُ كثيرَ الحركة محبًّا للاستكتشاف ومجتهدًا في دراستي؛ ومنذ صغري تميزْتُ بين إخوتي بجمال الخط، ذلك أن والدي كان معلمي في بداية المرحلة الابتدائية، ومنه تعلمت إتقان خطي”.

ويحلو لـ رامي أن يعرِّف نفسه بمزيج من المرح والبساطة:

“أنا معلم عادي جدًّا، وليس لدي ما هو خارق للعادة أبدًا، أغضب أحيانًا من طلابي، ولكن لعلني أجيد الغضب بحب؛ فالطفل بحاجة للحنان في أي حال؛ لستُ مثاليًّا مما يسهِّل علي الاعتراف أن الملل والروتين صاحباني أحيانًا في هذه المهنة، حتى أني وصلت إلى مرحلة الاكتئاب، فكرتُ لسنين طويلة أن أترك مهنة التدريس، لكني أدركت أني لن أجد نفسي في مكان آخر؛ وحينها بادرت إلى تغيير الظروف عن طريق ابتكار طرق خاصة بي لتشجيع نفسي أولًا وتحفيز صغاري”.

 

سألته بفضول: “هل لك أن تغشِّشَ بعض الأساتذة هذه الطرق؟”.. يضحك الأستاذ رامي ثم يفصح: “أتعمد الدخول على الصف أحيانًا بشكل مختلف؛ كارتداء قبعة ملونة أو شعر مستعار؛ أغني مع الأطفال بحركات تعبيرية مضحكة؛ وأشغِّل أفلام كرتون على التلفاز الخاص بغرفة الصف وأتابعها معهم بنفس الحماسة وأشاركهم الضحك في حصص ما يعرف بــ “النشاط الحر الصفي”؛ اشتريتُ “عصا سِلْفِي” خاصة للصف، وأصبح التصوير معهم متعة عظيمة كفيلة بتغيير مزاجي ليوم كامل؛ وبالمناسبة هذا من أكثر الأشكال حبًّا لدى الأطفال؛ كما أني أرتب رحلة مدرسية سنويًّا وأحسن مرافقتهم فأشاركهم اللعب والطعام؛ ولو تعرفين كم أستمتع بالشواء وإعداد الكباب للجميع؛ وأقدم الهدايا الجماعية والطالب له أن يختار الهدية التي يحبها”.

 

ويتحدث بصراحة لا حاجة له فيها إلى التجمل؛ قائلًا:

“لم أختر مهنة التعليم أبدًا ولم يخطر ببالي أنني سأصبح معلمًا، إلا أن الظروف المادية الصعبة كان لها الدور الأكبر في اختيار تخصصي الجامعي (معلم صف)؛ ومع ذلك كنت فعَّالًا في المرحلة الجامعية؛ حيث ترأستُ مجلس الطلبة لثلاث سنوات متتالية قدمت فيها الكثير من الأنشطة على صعيد المواد الدراسية وعلى صعيد الجانب الاجتماعي؛ كنت (نمرودًا) حسب وصف زملائي؛ فلا أتردد في تنفيذ اعتصام او إضراب في حال سلب حقٍ لأي طالب أو طالبة أو المساس بمشاعرنا الوطنية”.

 

وعرفانًا بالجميل يذكر أستاذه د. ميشيل عطا الله؛ وهذه خلاصة ما تعلمه منه: “كان أبًا حقيقيًّا لنا.. لديه خفة ظل “ما حصلتش”؛ ويستخدم أساليب قريبة من العقل والقلب؛ وأرى نفسي فيه الآن مع طلبتي، كان مثالًا للالتزام بالمحاضرة يأتي في كامل استعداده مُحضرًا معه الوسائل اللازمة لتثبيت المعلومات”.

 

ويتذكر نفسه بوضوح في أثناء مرحلة التدريب؛ موضحًا: “أعتز بكوني خريج كلية العلوم التربوية والآداب التابعة لوكالة الغوث الدولية والتي تتميز بحسن النتائج وتميز خريجيها في مواقع عملهم، المشرفون في كُلِّيتي كانوا مصدر إلهام رئيس وموجِّهًا حقيقيًّا للمعلم المتدرب؛ وكم من الجميل اكتشافي لاحقًا أنني بت قادرًا على رسم طريق حياةٍ لكل طفل أعلِّمه فزادت المسؤولية منذ تولدت تلك القناعة:

“تستطيع أن تكون ملهِمًا حقيقيًا إن كنت معلمًا- إن أردتَ ذلك –”.

 

غيَّرتهم الكلمات

 

يتابع الحديث بـ طاقةٍ إيجابية تملؤه من رأسه حتى أخمص قدميه: “أدرِّس الصفوف الثلاثة الأساسية الأولى فقط (الأول والثاني والثالث) الابتدائي منذ بداية مشواري في المهنة، تدريس هذه المرحلة يتطلب الكثير الكثير، أولها مخافة الله ثم الصبر والرغبة في تعليمٍ حقيقي للأطفال، ومتابعة كل ما هو جديد من حيث الوسائل الحديثة وابتكارها وتوظيفها”.

أن يخبرك شخصٌ أن أهم ما نَضَج في داخله في سنواتٍ مضتْ “حب الغير وحب الخير للغير”؛ فلن يكون غريبًا أن يمنح الحب بــ كلمات لها مفعول السحر؛ وها هو يطلق العِنان للكلام دون أن تفارقه البسمة: “كتابة الملاحظات على الدفاتر عادةٌ قديمة لدي منذ سنوات طويلة، لكن التعديل الذي أجريته على التعليقات ليصبح أقرب إلى نفس الطالب وأرفع مستوى بشكلٍ أنا راضٍ عنه بدأ منذ سبع سنوات؛ وإني مندهش من هذا الانفجار العجيب في تناقل صور الدفاتر رغم أنها كانت صورًا عادية كمثلها من المرات الماضية؛ أسعدني الأمر بكل تأكيد”.

ويتدفق الإحساس من المشهد؛ محاولًا وصفه لــ “زدني”: “أحد الطلاب عندما قرأت له عبارته أمام زملائه بكى مع ابتسامة ساحرة؛ وأحدهم همس لي: “أنا بدي أصير دكتور” لأنك حكيت لي “الدكتور عُبادة”؛ وإجمالًا أحاول قراءة العبارات للجميع من باب زيادة الحماسة والدافعية؛ أما أصعب سؤال تلقيته: “أستاذ بترضى أحبك أكتر من بابا؟!”.

 

 

 

ويمتد الأمر لطفلَيْه مجد وجود؛ فهو يكتب لهما على دفاتر التدريب المنزلية عبارات تشجيعية مشابهة.

“هل أصبح المعلم المحفِّز عملةً نادرة؟”.. أسأل رامي؛ فيجيب:

“مع الأسف نعم، الأمر بسيط ولكن لمستُ أثره العظيم؛ فعباراتي المكتوبة على دفاتر الطلبة خلَقَتْ شعورًا بالسعادة لدى الأب والأم لا تَقِلُّ عن فرح الصغير نفسه الذي صار ينتظر وقت تسلم دفتره بكل شغف ليرى ما كتبتُه له، لقد غيَّرَتِ الكلماتُ الكثير في شخصياتهم ورفعت من درجة حبهم للدراسة ورغبتهم في رفع مستواهم التحصيلي”.

 

يا لها من مفارقة!! ها هو اليوم يشعر بالامتنان لتواجده في عالمٍ كبير اسمه “الأطفال”، ويستشهد على ذلك بموقف: “ذات مرة دخلتُ غرفة الصف وكان أثر المرض واضحًا عليَّ، وفي أثناء شرح الحصة خرج أحد الصغار من مقعده وتقدَّم إلي هامسًا: “ليش داومت يا أستاذ وإنت مريض.. عشاني روَّح اشرب الدوا وتعال بكرة”.

 

وعن أهم نصيحة تلقاها في أثناء مشواره المهني:

“اعرف كيف تضبط طلابك حتى يحققوا الاستفادة المرجوة”

 

وبكل تواضع هذا هو سر نجاح معلم الصفوف الأساسية، القدرة على ضبط الصف وإدارة الطلبة؛ مما يضفي أجواء الانضباط وحسن الانتباه؛ ناهيك عن أني أعكف على الاستعداد الجيد للدرس التالي على صعيد تحضير الأوراق أو الوسائل المناسبة التي أنوّعها ما بين التقليدي والحديث، أما خطوات الدرس فأتركها لوقت الحصة وخبرتي السابقة، وأحيانًا تخطر فكرة جديدة لحظية في أثنائه؛ ولا أبخل على طلابي بأي معلومة مهما كانت بسيطة”.

 

وحول الحصص الأكثر تميزًا في تاريخه؛ يفرك جَبينه مستذكرًا هذا: “إنها تلك التي يتم فيها تنفيذ اختبار مفاجئ من قِبل الخبراء التربويين ويحصل الطلبة جميعهم على علامات إتقان مرتفعة؛ إحدى هذه الاختبارات تم تطبيقها على صفي الذي يتكون من 59 طالبًا”.

 

ويرى أن العملية التربوية تفوق في صعوبتها تقديم المادة العلمية؛ لأن الأُولى حسب رأيه تتطلب من المعلم إدراكًا لخصائص وظروف كل طالب؛ وقدرة على التعامل مع بعض الحالات الخاصة في أثناء المواقف التعليمية.

 

ويلفت إلى ضرورة احتضان الطالب الموهوب؛ “أقوم بتحضير أنشطة خاصة له لينفذها أمامي أولًا، وبعد التأكد من موهبته أتواصل مع الأهل وأقدم النصح اللازم؛ وأحث الإدارة المدرسية على متابعته وإشراكه في الأنشطة المناسبة له على مستوى المدرسة أو المنطقة التعليمية.

 

 

ملِكاً في غرفة صفية

 

“برأيك ما أهم المبررات التي تجعل معلمين كُثُرًا لا يحاولون التدريس بحب؟”.. يقول: “ظروف العمل الصعبة في قطاع التعليم؛ وعدم قدرة الكثير من المعلمات والمعلمين على إدارة صفوفهم مما يجبرهم على اللجوء إلى الغضب والعنف أحيانًا؛ ووقوف القوانين في وجه المعلم وعدم إعطائه الصلاحيات المناسبة؛ ومع ذلك فهي مبررات غير مقبولة أبدًا لتعليم الطلبة بــ “جفاء”.

 

ويبدي أسفه إزاء الظروف الراهنة التي تكتنف أحوال المعلمين؛ شارحًا مقصده: “هناك نظرة دونية عند بعض الناس للمعلم؛ كما أن الرواتب غير مجزية؛ علاوة على القوانين؛ كل ذلك  أفقد أكثر المعلمين سلطتهم وقدراتهم؛ لطالما تمنيتُ أن نأخذ شيئًا من مدارس اليابان التي تمنح للعلم والمعلم قدسية جميلة؛ إنها أنموذج يُحتذى به في الأنشطة اللامنهجية وحصص الأخلاق”.

 

ويتوجه بمطلب إلى وزير التربية والتعليم فحواه:

“أتمنى سَنَّ قانون خاص بمعلمي المرحلة الأساسية مفاده أن ليس كلُّ من حصل على شهادة جامعية مؤهلًا لتعليم الصفوف الثلاثة الأولى؛ ذلك أن مشكلة ضعف النتائج والتحصيل المتدني في المرحلة الابتدائية يتحمل مسؤوليتها معلمات ومعلمو هذه المرحلة؛ وبالتالي كل من يثبت أنه غير قادر على التعليم فيها يمكن تحويله لتدريس مادة أخرى في مراحل أخرى؛ وإعطاء فرصة للجديرين؛ كما لا بد من متابعةٍ حثيثة لنتائج الطلبة وأساليب المعلمين”.

 

ولدى ضيفنا قصة نجاح خاصة يفخر بمعايشتها؛ “علَّمت ثلاثة توائم (مأمون ومؤنس ومحمد) لعامين متتاليين؛ لم يكونوا متشابهين قط؛ والآن هم على مقاعد التخرج من كلية الهندسة في ثلاث تخصصات مختلفة”.

 

ومن يحالفه الحظ بأن يكون تلميذًا لــ “أستاذ رامي” سيحظى بأيام ذات نكهةٍ خاصة لا سيما اليوم الأول؛ وفي ذلك يقول: “أسعى أن يكون يومًا استثنائيًّا ولا أقبل أن يغادر الطفل مدرسته في اليوم الأول إلا وهو يحمل ابتسامة وسعادة ومحبة للمدرسة”.

 

“برأيك أن التعليم بـحب يؤتي ثماره مع الصغار فحسْب؟”؛ تسبق الجواب ابتسامة: “بل حتى مع الشباب والكبار؛ أعتقد أن غرس مفهوم الحب بين المعلم والطالب، وبين الطلاب أنفسهم له مردود عظيم”.

 

أخيرًا ماذا بشأن ما تطمح إليه؟ .. يشرد بعيدًا محاولًا استجماع أحلامه:

“لا أتطلع لأي ترقية، أتمنى أن أبقى مَلِكًا في غرفة صفية مع مجموعة من الأطفال، ولا أتخيل نفسي في أي موقع إداري؛ كل ما هنالك أني أود متابعة تعليمهم بالحب؛ لكن دعيني أقول أني آمل إكمال الدراسات العليا إلا أن الظروف الحالية لا تسمح”.

 

 

 

 

 



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك