“أم مبارك” تروي حكايتها مع الدراسة الجامعية على أعتاب الستين

24 يناير , 2018

“بعد ما شَاب ودّوه الكُتَّاب” قالوها لــ أم مبارك فابتسمت

 

 الأسر المحافظة آمنت أنه “لو وصلت البنت للمريخ مصيرها الطبيخ”  

 

كرّمتُ أبناء وبنات صفي في الثانوية بــ كُتيبٍ أحيا الذكريات

 

في قريتها التاريخية “كفر كنا” الواقعة في الجليل المحتلة؛ عاشت فتحية خطيب طفولةً دافئة ضمن العائلة الكبيرة؛ حين كانت المجتمعات وادعة تحيا في أجواءٍ طليقة حيث البيوت المتلاصقة والرزق قليل الموارد إذ يكاد ينحصر في الأرض؛ كانت نساء ذلك الزمان تنجبن بكثرة حتى يجعلن لرجالهن عزوة؛ في ظل حمائل عائلية سادت على مر السنين بفضل السند الذي توفره.

“شبكة زدني” تحدثت مع الباحثة في التراث الفلسطيني والشهيرة بكنية “أم مبارك” لتروي قصة امرأة طموحة عادت إلى مقاعد الدراسة الجامعية بعد منتصف الخمسين وعما قريب ستنال شهادة البكالوريوس بعد أن شارف عمرها على الستين؛ لنتناول معها تجربة حافلة بالعديد من محطات الكفاح والنجاح.

 

مشاهِدُ يحفظها القلب

تعود أم مبارك بنا إلى الماضي لتبدأ كلامها الذي يقطر عذوبة؛ بالقول: ” في قريتي “كفر كنا” قبل ستة عقود أنشئت مدارس ابتدائية وثانوية؛ ولم تكن هناك المرحلة الإعدادية؛ ومعدودات على الأصابع هن الفتيات اللاتي كن يسمح لهن بالالتحاق بالتعليم؛ فيما تتجه غالبيتهن إلى تعلم الطهي والتطريز برفقة أمهاتهن؛ أتذكر أن أخواتي الكبيرات كن يصلن لمرحلة “فك الحرف” ودرسن آنذاك حتى الصف الرابع الابتدائي؛ ومن كانت تنهي الابتدائية على زمانهن وكأنها قد حازت على مكانة البروفسور”.

 

وفي تلك الحقبة تصف المجتمع الفلسطيني بــ الذكورية على صعيد التعليم؛ موضحة: “جرت العادة في المجتمعات الشعبية القديمة أن الصبي يرسله أبوه للكُتاب عند شيخ القرية؛ وبسبب “العصبية القبلية كانت هناك كثيراتٌ لا يُسمح لهن بالدراسة خاصة في العائلات المحافظة؛ التي كانت بالكاد ترسل بناتها إلى امرأةٍ تعلم الفنون اليدوية؛ مثل حياكة الصوف و”التقشيش” أي جمع القشّ من البيادر في موسم الحصاد؛ ليضعوا بصماتهم الإبداعية في أثاث المنزل”.

 

وتؤكد الناشطة النسوية أن نظرة البعض للفتاة التي تتلقى التعليم في ذلك الحين؛ كان يملؤها فخرٌ واعتزاز ليقال: “والله صارت بنت فلان تفك الحرف”؛ لكن الأسر المحافظة لطالما اقتنعت أن:

“البنت لو وصلت للمريخ مصيرها للطبيخ”؛ مؤمنة أن التعليم يجب أن يقتصر على الأولاد”.

 

كانت ضيفتنا في صغرها فتاة ذكية؛ تتحدث عن تلك المرحلة بحيوية تتقافز من عينيها: “كان أساتذتي ينادونني بــ “سيبويه” من شدة إبداعي في اللغة العربية؛ أتذكر أننا كنا نعلق مواضيع الإنشاء على الحائط أو ما يسمى “جريدة الصف” وحين تأتي المفتشة تسأل عمن كتبَ القطعة الأكثر جمالاً، سرعان ما تشير إليّ الأصابع؛ حتى أنه كان يقع علي الاختيار في إلقاء كلمة الترحيب نيابة عن الصف إذا ما جاء المدرسة زائر”.

 

تلك الفتاة السمراء كم كانت مُحبة للدعابة والنكات مما جعلها تستميل قلوب الجميع؛ تضحك بصفاء معقبة: “أحيانًا التقى بزميلاتي القدامى فيقولون لي: “ساق الله يا أم مبارك على نغاشتك وفتاحتك- أي خفة ظلك وسرعة بديهتك -“.

 

تتذكر نفسها وتتنهد بحنين: “كان لدى أمي رحمها الله “فرن طابون”؛ وعندما أخرج إلى المدرسة تُحمّلني بــ زوادة تتكون من رغيف خبز ساخن مدهون بــ لبنة شهية مع بندورة وخيارة؛ فكانت معلمتي المسيحية تقترح علي ممازحة: “ما رأيك يا فتحية ان تبدلينا بزوادتك”؛ وكلما تقابلتُ معها أرجعتني إلى ذلك الموقف”.

 

وتورد تفاصيلًا أخرى عن تلك الحقبة: “كنا في الحارة نتبادل الكتب نظرًا لضيق ذات اليد؛ ذلك أن المحصول الزراعي بالكاد يطعم العائلة الكبيرة؛ ويوفر دخلًا لتعليم الأبناء؛ على مدار السنين لم تكن تتغير طَبعة الكتب؛ نتبادله حتى تهترىء أوراقه؛ أما الدفاتر فكنا نرصّ فيها الكلمات لأنه ليس لدينا قدرة على شراء غيرها؛ بخلاف هذه الأيام في كل عام يصدر منهاج جديد؛ أما المعلمات الإناث كن لهن مركز مرموق في المجتمع آنذاك؛ فمن يحالفها الحظ تتجه نحو مجال التدريس لأنه الأنسب من نواحٍ عدة”.

 

والصفوف وفقًا لفتحية؛ كانت عبارة عن غرف متفرقة تتوزع فيها طاولات ومقاعد بسيطة للغاية؛ تعقّب:

“لم تكن الصفوف كافية أحيانًا لذا كنا نتعلم في الحواكير؛ وكثيراً ما درسنا تحت شجرة زيتون أو كينا”.

 

تخرجت هذه المثابرة من أول فوجٍ في ثانوية “كفر كنا” عام 1975م؛ ومع مرور السنين بقيت علاقتها قائمة مع أبناء وبنات صفها؛ تبتسم حين عرجنّا على هذه الصفحة المضيئة: “يدعونني إلى أفراح أبنائهم وكذلك أنا أفعل؛ وفي لفتةٍ لم يفعلها أحد قبلي قمت بتكريمهم عبر إصدار كتيب يتحدث عن كل واحدٍ منهم؛ مرفقًا ببعض خواطري وأشعاري؛ قمت بزيارتهم فردًا فردًا وقدمت لهم الكتيب هدية؛ وفي مدرستنا القديمة نفسها أقيم لي حفل ولاقت الفكرة استحسانًا؛ فقد تطلبت مني جهدًا مضنيًا لمدة شهر؛ ونشدت فيهم: أبناء صفي لكم حنيني لكم فؤادي لكم عيوني.. ما كنت أنسى تلك العهود مرت كحلم ولن تعود؛ الآن أصبحوا أجدادًا وبعضهم انتقلوا إلى رحمة الله؛ ومؤخرًا تواصل معنا أحد أبناء صفي ولديه مطعم مشهور في عكا؛ ليوجه دعوة لنا كي نعيد الذكريات”.

 

 مع “الزملاء الصغار”

كل من يجلس قُبالة أم مبارك يبقى مشدودًا إلى ثقافتها الواسعة وفصاحتها المذهلة؛ هي التي نشأت على يد أمها بعد أن مات والدها في عمر باكر؛ تتحدث عنها ببرٍ جميل: “استطاعت أمي من عملها في الأرض أن تعلّم أخواتي وإخواني فصار منهم المهندس والطبيب ومفتش الآثار والممرضة؛ وإني مهما دعوت لها الله فلن أوّفيها حقها؛ كانت توفر لنا البيئة الهادئة حتى ننجح رغمًا عن شظف العيش”.

 

تزوجت المرأة التي لا يتوقف هاتفها عن الرنين في عمر السادسة عشر؛ فقد كانت الأسر تفضل تزويج البنات عوضًا عن استئناف دراستهن؛ بثقة عالية تفتح هذه الصفحة من حياتها: “حين تزوجتُ وعدني زوجي أن يسمح لي بإكمال تعليمي؛ وقد وفّى وعده؛ ففي مطلع الشهر القادم إن شاء الله أحصل على شهادتي الجامعية في “علم الأدب والاجتماع”؛ ولو عدنا للبداية فقد قضيت خمسة عشر عامًا انتظر خبر حملي إلى أن منّ الله علي بتوأم.

لم أهدر وقتي في فترة الانتظار تلك، بل التحقتُ بعدة كورسات منها إدارة الأعمال والأعشاب الطبية واللغة الإنجليزية والعبرية والسكرتارية وفي الحاسوب وحول النساء القيادات؛ كما نشطت في تقديم برامج إذاعية؛ ناهيك عن أني تعلمت التراث من مدرسة الحياة وبذلت جهدي من أجل حمايته من الاندثار في ظل العولمة؛ وأعمل الآن على إصدار ديوان تراثي؛ كما أقدم فقرة في هذا الجانب في تلفزيون مساواة”.

 

وبالانتقال إلى القرار الذي اتخذته الخالة أم مبارك بشأن دخول الجامعة قبل أربع سنوات؛ تحدثني ببشاشة وجهٍ لا يعرف التكشير:

“كنت وقتها قد أتممت من عمري 55 عام؛ الجميع دعمني؛ وإن كان البعض عبر عن استغرابه بقوله لي: “وأنتِ شو ناقصك ما أنت متعلمة يا أم مبارك”!؛ أما أمي المرحومة فقد رددّت علي كثيرًا المثل الشعبي: “بعد ما شاب ودّوه ع الكتاب”؛ كانت تريديني دائمًا بجانبها وحين أهمّ بالخروج تخاطبني بعفوية تضحكني: “يا فتحية يمّا ما أنتِ شاطرة شو بدك بالتعليم”؛ لكن الإرادة جعلتني أمضي قدمًا في طريقي؛ حتى أن أعضاء عرب من الكنيست يقولون لي: “أنت لديكِ درجة بروفيسور في المعلومات وما هذه الشهادة إلا ورقة؛ ولكني أبيتُ إلا أن أحقق هدفي”.

 

وتتذكر أيامها الأولى حين دخلت الجامعة: “لاقيت ترحيبًا أجمل مما توقعت من زملائي وأساتذتي واعتبرتني “الصحافة” نموذجًا مشرفًا؛ كل الطلاب الذين من المفترض أنهم في عمر أحفادي ينادونني بــ “عميدة الطلبة”؛ ومشهودُ لي بالتميز في أدائي الدراسي؛ حتى أنهم إذا ما صعب عليهم شيء يتصلون بي وبدوري لا أبخل بالمساعدة كوني أتحلى بالخبرة؛ وكثيرًا ما يستعينون بي لأداء واجباتهم خاصة ما يتعلق بالنساء والتراث والأمثال الشعبية فألبي طلبهم بكل سرور؛ وفي المقابل من لا يشكر الناس لا يشكر الله؛ فأنا كثيرًا ما كنت استعين بالطالبات في طباعة الواجبات؛ لكن الآن ابني وزوجته يتوليان الأمر”.

 

وتضفي على قاعة المحاضرة أجواءً من المرح؛ عندما تجلب حلواها البيتية في بعض الصباحات؛ في حين يكّن لها الأكاديميون كل تقدير واحترام؛ ولا ينزعجون منها إذا ما خرجت عن سياق المحاضرة التي قد تتحول إلى حديث ذو شجون؛ أو تأخذ جانبًا لطيفًا؛ عندما يطلب منها زملائها الصغار أن تحكي لهم عن لقائها بالضيوف الذين تجتمع بهم في برامجها؛ مثل حدّاءٍ أو مغني شعبي أو شاعر.

مضيفة: “أما المدرسون يرتكزون علي في دعم معلوماتهم بشأن حقبة زمنية معينة يتطرق لها الدرس؛ كوننا من “جيل واحد”؛ وأنا بدوري أتفاعل معهم فلدي إلمام بتاريخ الدولة العثمانية ومنطقة الشرق الأوسط؛ وعلاوةً على ذلك فإن مديرة الجامعة لا تنفك عن مطالبة الجميع بأن يسيروا على حذوي”.

 

“علّمني تكَبر.. علمني تَموت”

” الدراسة في الجامعة المفتوحة بمدينة الناصرة ماذا أضفت على تجربتك؟”..تجيب على وجه السرعة: “أشعر بالحماس في كل مرةٍ أقود سيارتي متجهةً إلى الجامعة مُستغرقة عشر دقائق للوصول؛ فيها تعرفتُ على ثقافات الشعوب التي تزيدني شغفًا للاستزادة منها؛ وفي موضوع “المسرح الفلسطيني” لمست مدى تجسيده للواقع الشعبي؛ وتبين لي أن تراثنا هو الأغنى بين كل الحضارات؛ لذا أمضيت عمري في ممارسة هوايتي “مُجالِسة كبار السن “الخَتايرة” لفهم مدرسة الحياة؛ وكما يقول المثل: “اللي ما عندوش كبير يشتريله كبير”.

 

وبدون أن يجف ريقها؛ تابعت : “صحيح أن لدي ثقافة و خبرة لكني تعرفت على عادات وتقاليد طوائف أخرى في الجامعة مما صقل من شخصيتي؛ هم استفادوا مني وأنا كذلك؛ والمَثل يقول “الناس أجناس”.

 

وعن النهج الذي تتبعه في تحقيق التوازن بين مسؤولياتها الاجتماعية ودراستها؛ بــ أناةٍ وتسلسل تخبرني التالي: “أقدم أمسياتٍ وبرامج؛ وأتطوع لإلقاء المحاضرات في المدارس والنوادي؛ لأني نذرت نفسي “لعلمٍ يُنتفع به”؛ ولولا دعم عائلتي لم أكن لأقدر على الانطلاق والإبداع؛ ولا شك أني واجهتُ صعوباتٍ جسام أثناء إكمال الدراسة؛ انطلاقًا من إيماني بقول الشاعر: (من طلب العلا سهر الليالي ومن رامَ العلا من غير كدٍ أضاع العمر في طلب المحال)؛ صحيح أن لدي سرعة بديهة في الحفظ؛ إلا أن الجامعة ليست مثل الثانوية؛ إنها تتطلب جهدًا أكبر لأن المساقات في حجمها أدسم؛ ولطالما سهرت الليالي استعدادًا للامتحانات لأن من لا يدرس لا ينجح والأمر “مش هِوّين”- أي ليس يسيرًا- ؛ وبفضل الله حافظت على التوازن”.

 

وتشير إلى أن التزاماتها الكثيرة ألقت على عاتقها مهام مزدحمة خلال وقت قصير؛ موضحة: “في النهار الواحد قد تتوزع نشاطاتي الإعلامية بين ثلاثة  بلدان في غضون ست ساعات؛ وأحيانًا أخرى أدعى إلى أعراسٍ لأغني فيها أغانٍ شعبية؛ مما يضطر أهل البيت إلى تدبر أمرهم بشأن احتياجاته حين أتغيّب”.

 

ولن تتوقف أم مبارك عند هذه النقطة؛ بل تتطلع الآن إلى إكمال الدراسات العليا؛ مؤكدةً حبها العميق للعلم بمجموعة من الاستشهادات: “إن الملائكة لتضع أجنحتها على طالب العلم”.. كما في الحديث الشريف؛ والمثل الشعبي يقول: “علّمني تكَبر علمني تَموت”- أي علّمني حتى الموت- ؛ ويقول ابن الوردي: “اطلب العلم ولا تكسل فما أبعد الخيرات عن اهل الكسل”.

“لذلك طالما أن قلبي ينبض لن أتوقف عن الدراسة”

 

وفي خاتمة حديث لا يُمّل توجه نصيحة من الأعماق لكل إنسان كان رجلاً أم إمراة : “العمر لا يقاس بالفترة الزمنية بل بالوقفات والإنجازات في الحياة؛ علينا أن نتذكر الأشخاص الذين بلغوا الشيخوخة ولحقوا بقطار العلم وفي المقابل هناك صغار ليس لديهم قابلية للتعليم؛ وهؤلاء أقول لهم:

اغتنموا الشباب قبل الهرم؛ لا تضيعوا دقيقة من حياتكم عبثاً؛ أما الكبار: أرجوكم صدّقوا أن تقدم السن ليس عائقاً وكما يقال: تجدد كي لا تتبدد؛ لأن العلم يجدد الشباب والطاقات”.

 



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك