أنصِت إلى نفسك حين تُحدّثُك عنك

11 أكتوبر , 2016

أرسلتُ إلى صديقتي أسماء بن حسن التي التقيتها على هامش منتدى الشرق  أسألها عن تجربتها التعليمية بعد أن حدثتني ونحن عائدون إلى تونس على متن نفس الطائرة عن اهتمامها بمجال التعليم وشغفها بالتدريس ورحلتها من العلوم إلى الآداب. تَمنّعتْ بداية عن الكتابة لي بتعلة أنها غير أهل لذلك، فحاولت إقناعها بأن التجارب الشخصية التي يستعرضها الطلبة أنفسهم قد تكون أنفع وأكثر إفادة من الأبحاث والدراسات التي على أهميتها، غالبا ما لا يلقي لها أغلب الشباب بالًا.

فكتبت إلي رسالة أبدعت فيها، كنت أنتظر منها رؤوس أقلام واستنتاجات فما كان منها إلا أن فتحت قلبها ليُزهِر بالآتي:

“العزيزة آية كيف حالك بداية؟ عسى أن تكوني بخير وعافية و استقرار. قرأت رسالتك على عجل ثم تحدثنا قليلًا وجلست أفكر فيما يصلح لأكتبه إليك. قلتُ لنفسي لا تجربة لدي تستحق أن تُروى. وكان علي أن أعتذر ثم تداركت لأني كنت قد قطعت لك وعدًا بالرد اليوم و قررت أن أكتب ما مررت به فقط بدون زيادة أو نقصان واستحضرت ما قالته رضوى عاشور “إن الرضا بالنسبي أفضل من التعلق بالمطلق”.

في الأثناء انتهبت إلى أنها المرة الأولى تقريبا التي أتحدث فيها لنفسي عن تجربتي. حسنًا يحدث كثيرًا أن يمر شريط حياتك أمام عينيك قبل النوم أو في أوقات الأزمات أو عند الإمتحان و لكن أن تجلس و تكتب كل ذلك دفعة واحدة صعب قليلًا.  ربما لأن الإنسان يجنحُ بطبعه إلى الهروب من نفسه بالانشغال الدائم.

تحصلت على بكلوريا رياضيات بتقدير جيد. الرياضيات كانت اختيار الأهل الذي لم أستطع مواصلة دراسته في الجامعة، أي أن أختارها توجهًا جامعيًا علميًا بسبب ميلي إلى الآداب. وبعد تعقيدات كثيرة وجدت نفسي أعد ماجستير الحضارة والأدب الفرنسي عن “أدب ما بعد الكولونيالية” ومرسمة في ماجستير ثانٍ في معهد الصحافة.

%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%af%d8%a8-%d8%a7%d9%84%d9%81%d8%b1%d9%86%d8%b3%d9%8a

في السنوات الأولى لم أكن أبذل مجهودًا كبيرًا وكنت أنجح بسهولة لا أدري هل لفشل النظام التعليمي عندنا أم لأنني كنت أطلق العنان لنفسي أثناء الامتحانات، أقرأ الموضوع وأنهمك في الكتابة تاركة لنفسي الحرية التامة، ملتزمة ألا أردد ما أملاه الأستاذ  أثناء الدرس، فأبدعُ في ذلك؟

بالتوازي دفعتني بعض الظروف للعمل مع الدراسة فبدأت بالتدريس و كان ذلك من أجمل ما حدث معي. ذلك اللقاء الأول مع التلاميذ و الشعور بالمسؤولية تجاههم والقرب منهم. أن تُعطي من روحك و أن تراقب تفتحهم كالزهر في صمت و كل صباح. أن تلاحظ ألق المعرفة في عينيهم، ارتباك اليدين الصغيرتين عند جهل  الإجابة ولحظات الفرح الممزوجة بالملل، الأسئلة الحارقة التي يضُجّون بها، عالمهم المجنون الذي يجثم فوق صدورنا جميعًا. وكنت على الصعيد الشخصي أمر بلحظات عصيبة، لحظات الشك والعجز. كيف أحدثهم عن سحر الأدب و عن روايات فلوبير وزولا و عن شعر رامبو وهيغو ومسرح موليار والعالم من حولنا يشتعل؟ كيف أقنعهم بجمال النفس البشرية حتى وإن حادت عن الطريق أحيانًا؟ وكيف أجعلهم متمسكين بالغد حتى وإن أضحى الطريق مدججًا باليأس؟ كيف تقاوم النظام الذي يحاصرك من كل الجهات ويفرض عليك خناقًا وكيف تفر منه حتى لا يبتلعك؟

كان ذلك فعلا تحديًا حقيقيًا يستنزف طاقتي. لا شيء أضيفه غير بعض محاولات الكتابة والعمل مع شركة للترجمة والخدمات الإعلامية. أنا ممتنة لعملي ذاك. مضت أربع سنوات أو أكثر من التقلب هنا وهناك والتعب والاستغلال ولكنها سنوات طويلة من التعلم والواقعية التي تنقلك من رومانسيات الجامعة إلى قسوة سوق الشغل، ومن جلسات الجامعة الحالمة إلى جشع رأس المال، ومن ترقب نتيجة الامتحان إلى انتظار المرتب نهاية كل شهر. بين هذا و ذاك الكثير من الضبابية و الخوف بشأن المستقبل. سوق الشغل تلك التي لا  تعترف بغير الوساطة  والرشاوي والعلاقات والمحسوبية. في الحقيقة لم تكن هذه المشاكل حكرًا عليّ فكل أصدقائي مرّوا من هنا أو هم على الطريق.

في النهاية أؤمن بفعل المقاومة و هذا ما أنصح به تلامذتي. مقاومة التنميط والهرسلة وسلطة القبيلة والحزب والدولة وإملاءات المعلم أيضا. أن تقاوم و أن يكون لك رأي و ألا تتنازل عن كونك أنت. إذا كانت الشهادات العلمية ستحولك إلى مجرد آلة في نظام شديد الركاكة والرتابة، فسلام على الدنيا وما فيها. أُبذُل ما في وسعك واجتهد فقط، محتفظًا بالأمل.”



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك