الأمية و البطالة و أشياء أخري

11 أبريل , 2015

جرت العادة في المقابلات أن تكون مع طلبة متفوقين، أو أساتذة وتربويين مهتمين بميدان التعليم والمشاكل التي يعانيها هذا القطاع في وطننا العربي، لكن القدر ساق إلي ما لم أكن أتوقعه.

يوم شاركت في الإحصاء العام للسكان والسكنى بالمملكة المغربية، كان عملي كباحث يحتم علي زيارة منازل المواطنين وطرح الأسئلة وجمع المعلومات وملأ الإستمارات التي تعطي فكرة ما عن ظروف معيشة السكان وتعليمهم وعملهم.

كان الموقع الذي تم تكليفي بإحصائه غريبًا بعض الشيء، فهو يضم خليطًا من المنازل التي يمكن اعتبار قاطنيها من أبناء الطبقة المتوسطة، ومنطقة كبيرة تتمركز بها دور صفيح أو ما يعرف بالعشوائيات.

رغم طبيعة هذا العمل المتعبة، إلا أن المواقف والمناظر التي عايشتها طيلة هذه الأيام عديدة ومتنوعة ومليئة بالمعاني، ولولا خشيتي من الإبتعاد عن صلب اهتماماتنا عن التعليم لرويت لكم بعضها.

بدأت زيارة منطقة العشوائيات، و حتى لا أطيل عليكم، سأنقل لكم أطوار مقابلتي مع مواطنة عادية تدعى “الضاوية”، كشف الحوار معها الكثير عن واقع الأمية وبطالة حملة الشواهد الجامعية العليا في بلدنا العزيز :

– السلام عليكم…

– و عليكم السلام، ” ياك نتا ديال” الإحصاء، دخل آ وليدي دخل مرحبًا بيك.

(و عليكم السلام، أنت المكلف بعملية الإحصاء، تفضل يا ولدي، مرحبا بك)

– سمحي لينا آ الحاجة، ماغاديش ندي من وقتك بزاف…

(أعتذر يا حاجة على الإزعاج، لن أضيع من وقتك الكثير)

– الدنيا هانية آ وليدي، غير دير خدمتك الله يعاونك.

(لا مشكلة يا ولدي، أعانك الله في عملك)

– شحال فعمرك آ الحاجة ؟

(كم سنك يا حاجة ؟)

– الله أعلم، ما عارفاش آ وليدي، عايشين وصافي، ولكن هاك الكارني شوف فيه وقيد دكشي.

(الله أعلم، لا أدري يا ولدي، نحن نعيش فحسب، تفضل هذا دفتر الحالة المدنية، طالعه وأكتب ما تريد)

– قارية آ الحاجة ؟

(هل تعرفين القراءة والكتابة ؟)

– آ شمن قراية آ وليدي، حنا ملي كنا فالعروبية صغار، ماكانتش عندنا المدرسة، وحتى إذا كانت مبنية، ماغاديش يخليونا واليدينا نمشيو حيت عيب البنت تخرج من الدار.

(عن أي تعلم تتحدث، عندما كنا صغارًا في البادية لم تكن المدرسة قد بنيت بعد، وحتى لو تم بناؤها في ذلك الوقت، لم يكن ليسمح لنا نحن الفتيات بالذهاب إليها، من العيب حينها خروج الفتاة من البيت)

– والدرارى قاريين ؟ خدامين ؟

(والأبناء ؟ هل هم متعلمون ؟ هل يزاولون عملًا ما ؟)

– إيه يا وليدي، ندمنا أنا وباهم اللي ماقريناهومش، تاواحد ما قرا، الخدمة ماخدامينش، مرة مرة فالموقف ولا يديرو كروصة يبيعو فيها الديسير، هاد البنيتة الصغيرة هي اللي قريناها راها طالعة للبيت الثاني.

(آه يا ولدي، لقد ندمت أنا ووالدهم أشد الندم، لم يتعلم منهم أحد، عاطلون عن العمل، بعض الأحيان يبحثون عن عمل في موقف السيارات، أو يتدبرون أنفسهم ببيع الفواكه في السوق، هذه الفتاة الصغيرة التي أمامك هي الوحيدة التي أدخلناها المدرسة وهي في القسم الثاني الإبتدائي الآن).

بعد أخذ المعلومات المتبقية، تبادلنا الأدوار، وأصبحت “الضاوية” هي من تطرح الأسئلة وأنا أجيب.

– دابا نتا خدام معهم آ وليدي ؟

(هل تشغل حاليًا منصبًا حكوميًا ؟)

– أنا خدام معهم غير هاد الشهر وصافي.

(لا، هذه مهمة مدتها شهر واحد فقط)

– أواه، نتا قاري وماخدامش !

(يا إلهي، أنت متعلم وعاطل !)

– هدشي اللي عطا الله…

(هذه مشيئة الله)

– يااااه، دابا نتا وصلتي لداك اللي سميتو الباك و ماخدامش ؟

(ياه، وصلت للباكالوريا –الثانوية العامة- ومع ذلك لم تشتغل بعد ؟)

– الماستر آ الحاجة…

(الماجستير يا حاجة…)

– هاد الماستر قبل الباك ولا من بعدو ؟

(هذا الماجستير يدرس قبل الثانوية العامة أو بعدها ؟)

– 5 سنوات بعد الباك…

– آ وييييييييلي، ومالهم ماخدموكش ؟

(يا ويلتاه،ولماذا لم يقوموا بتوظيفك ؟)

أجبتها بسخرية مريرة :

– سوليهم هوما آ الحاجة…

(إسأليهم هم يا حاجة…)

صحيح أنني قابلت عددًا آخر كبيرًا من المواطنين، لكل واحد منهم معاناته ومشاكله، لكنني لم أنس أبدا هذا الحوار، فهو يعطي لمحة عن واقع الأمية المتفشية بشكل كبير في أوساط بعض المغاربة، وأيضًا البطالة التي ضربت حملة الشواهد العليا في مقتل، رغم الحديث المتكرر عن خلق مناصب الشغل وما إلى ذلك من كلام فارغ.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك