“الاعتقال المتكرر لا يعني اليأس” هكذا يسرق الاحتلال “العمر” من الطلبة الجامعيين

9 أكتوبر , 2018

طالما كان العلمُ وسيلةَ مقاومةٍ يُشهرها الفِلَسطينيون في وجه الاحتلال، لكن في أرضٍ محتلة يكون من الطبيعي أن يضع العدو بصمته في كل تفاصيل حياة صاحب الأرض، ومن ذلك التعليم، وتحديدًا التعليم الجامعي، فبعض الطلبة الفلسطينيون قد تتعثر دراستهم، فيقضوا في البكالوريوس وحده ما يقضيه آخرون فيه وفي الماجستير والدكتوراه معًا، ذلك بسبب تعرضهم للاعتقال المتكرر في سجون الاحتلال خلال سنوات دراسته.

في هذه الحالة الاعتقال ليس المشكلة الوحيدة، فثمَّةَ ظروف أخرى ترافقه أو تنتج عنه تُسهم في المزيد من التأخير، وهذا التأخير لا يتوقف عند المعنى المجرد للكلمة، وإنما يمتد ليشمل تفاصيل كثيرة تعني أن التأخير يمسُّ كل ماجَرَيَات الحياة، إنه تأخير في العمر بأكمله.

حتى الأسير الذي يحاول أن يدرس من داخل سجنه، يواجه عقبات قد تنهي مسيرته التعليمية قبل الحصول على الشهادة.

ليس السجن فقط

الاعتقال والملاحقة والظروف التابعة لهما، كانوا سببًا في قضاء الباحث والكاتب ساري عرابي 11 سنة في مرحلة البكالوريوس.

اعتقله الاحتلال لأول مرة عندما كان طالبًا في الثانوية العامة، وتحديدًا في الفصل الدراسي الثاني، أتمَّ دراسة التوجيهي داخل السجن، وفور خروجه منه التحق بقسم اللغة العربية بكلية الآداب في جامعة بير زيت، وقد تأخر عن أقرانه فصلًا دراسيًا واحدًا.

بعد عامين من التحاقه بالجامعة، تعرَّض عرابي لاعتقال ثانٍ، تلاه ثالث، ثم رابع، وقد بلغ مجموع مدة الاعتقالات الأربعة خمس سنوات، هذا عدا فترات الملاحقة التي كان يتحرك فيها بحذر؛ ليكون بعيدًا عن أعين الاحتلال.

لكل تجرِبةِ اعتقال ظروفٌ زادت من صعوبتها، يقول عرابي: كل الاعتقالات كانت صعبة، فالاعتقال الأول خلال الدراسة الجامعية كان قاسيًا وهو أطول اعتقالاتي، وعندما اعتقلت في 2004، كان اعتقالي إداريًا، أي لا أفق للخروج والعودة للدراسة.

الاعتقال على قضية واضحة يعني وجود حكم محدد يقضيه الأسير خلف القضبان، بينما الاعتقال الإداري يقوم على أساس إخفاء التهمة، وبالتالي لا يعرف الأسير المدة التي سيقضيها في السجن.

ويبين كذلك: أما قسوة آخر اعتقال فتمثلت في كونه جاء في أثناء الفصل الدراسي الأخير، وبسببه تأخر تخرجي 20 شهرًا، 16 منها قضيتها في السجن، والأربعة الأخرى أعدت فيها الدراسة مجددا إذ كان لزامًا عليّ أن ألتحق بالفصل الدراسي من بدايته.

ويوضح: الاعتقال ليس العقبة الوحيدة؛ فالطالب إن كان مطلوبًا للاحتلال، يضطر للاختفاء، وهذا يعني عدم قدرته على الوصول لجامعته بسهولة، وقد يتحرر بعد انتهاء التسجيل للفصل الدراسي، أو في فترة الإجازة الصيفية؛ فيُمضي شهورًا من حريته دون الالتحاق بجامعته، وثمة أسباب أخرى تؤدي لتأخير الدراسة أكثر، وهي مرتبطة بتجاوز الطالب لسن التخرج، كأن يضطر للعمل فلا يتمكن من الدراسة بصفته طالبًا متفرغًا، وربما يتزوج؛ فتزداد مسؤولياته.

ويلفت إلى أنه كان مُلاحقًا في انتفاضة الأقصى، لمدة ستة أشهر قبل الاعتقال الثاني، ما حال دون توجهه للجامعة بشكل منتظم بسبب حواجز الاحتلال المنصوبة بين مكان سكنه وجامعته، وكان بين الحين والآخر يقصدها، بصعوبة شديدة، لحضور بعض المحاضرات أو لتقديم الاختبارات، حتى تم اعتقاله عند حاجز طيّار نُصِبَ له خصيصًا.

خلال فترة الدراسة عمل في مجال الصحافة في مؤسسات محسوبة على العمل الوطني، ولم يكن حصوله على عمل سهلًا ألبتة، لكونه لا يحمل شهادة جامعية.

عرابي الذي أنهى البكالوريوس وهو بعمر التاسعة والعشرين، يقول: الظرف النفسي المحيط بالطالب الذي يتعرض للاعتقال أكثر من مرة بالغ الصعوبة، فما بين الثامنة عشر والثلاثين أعوامٌ مهمة للإنسان، خلالها يدرس، ويعمل، ويشق طريقه في الحياة بشكل طبيعي، وهذا ما لم يكن متاحًا لي.

ويضيف: الاعتقال المتكرر في هذه الفترة يرهق الإنسان، إذ يَكبَر بشكل غير طبيعي، ولا يدرك أنه كَبِر، ويفقد الإحساس بالزمن، يعود لجامعته مع أجيال أصغر منه، ولا يشعر بالاستقرار مطلقًا، فهو يدرس بينما ينتظر الاعتقال التالي.

ويتابع: لا فرصة أمام هذا الطالب لبناء أرضية يؤسس عليها حياته فيما بعد، فأنا أنهيت دراستي وعمري 29 عامًا، ثم اعتُقلت في سجون السلطة الفلسطينية، وخرجت منها في سن الثانية والثلاثين، فكيف أبدأ حياة بعد هذا العمر؟!”.

ويواصل: هي معاناة مركبة، وكبيرة جدًا بحيث لا يمكن اختزالها في نقاط، يعاني منها الطلبة الناشطون المحسوبون على تيارات دينية بشكل خاص، وبسببها لا يشعر الطالب بالانتماء للجامعة، ويتراجع مستواه إن كان متفوقًا، وتصبح حياته الجامعية عبئًا ينتظر الخلاص منه، وبالطبع يتأخر على دخول سوق العمل، وعندما يقرر الزواج، قد يُواجه بالرفض، وغالبًا ما يمنعه الاحتلال من السفر، وبذلك تضيع فرص مواصلة الدراسة في الخارج، وهذا المنع ينتهي أو يستمر، فمثلا أنا ما أزال ممنوعًا منذ عام 1998 حتى الآن، ناهيك عن حرمان الأهل من السعادة بنيل ابنهم شهادته الجامعية.

ويزيد الأمر أَلَمًا بقوله: الاحتلال يستغل هذه المعاناة للضغط على الأسير، تمامًا كما يستغل الظروف الإنسانية والصحية والعائلية، وأحيانًا يضغط بها على أسرى آخرين، فأنا كنت مضرِبَ مثلٍ لمن بعدي من الطلبة الأسرى.

هذا الكم من التعثر لا يعني اليأس، يؤكد عرابي: لم أفكر مطلقًا بالتوقف عن الدراسة، فأنا أدرك أني لست أول من يمر بهذه المعاناة، وأعرف أشخاصًا سبقوني في التجربة واجتازوها بنجاح، وساعدني على ذلك اعتبارات شخصية متعلقة بالفكر والشخصية مع الاستناد للدراسة والمعرفة.

كما يعترف أيضًا: استمددت الصبر من أمي، حملت العبء كله في متابعة أوضاعي داخل السجن والتواصل مع المحامين، كانت قوية رغم حاجتها الماسة لأن تفرح بتخرجي، فأنا ابنها البِكر، وأنا يتيم الأب، واستمرت بتحمل المسؤولية إلى أن تزوجتُ؛ فتحمّلت زوجتي قسطًا منها.

بعد كل هذه المعاناة، كيف يكون طعم التخرج؟ يجيب عرابي: سير الأمور في غير مسارها المحدد، تسلب الإحساس الطبيعي المرافق لها، فأنا لم أشعر بفرحة التخرج كشابٍ أنهى دراسته في الثانية والعشرين، لأن الجامعة كانت قد صارت عبئًا لا بد من التخلص منه، حتى أنني لم أشارك في حفل التخرج، وما شعرت به هو النجاح بعد اجتياز العقبات، ولاحقًا تذوقت حلاوة التخرج عندما حصلت على درجة الماجستير.

حتى الماجستير لم يمرّ بشكل طبيعي، وإنما قضى فيه عرابي ست سنوات، بسبب اعتقاله ثلاث سنوات في سجون السلطة الفلسطينية.

ويشير عرابي إلى أن جامعته كانت تساند طلبتها عند تعرضهم للاعتقال، وتوفر لهم محاميًا، فهو لم يتحمل تكلفة المحامين طوال فترات اعتقاله أثناء البكالوريوس، بالإضافة إلى التفهم الكبير في التسجيل ودفع الرسوم، لافتًا إلى أن الغالبية العظمى من الأساتذة يتعاونون مع الطلبة لتعويضهم ما فاتهم في أثناء وجودهم خلف القضبان.

لأجل من!

محمود عصيدة (٣٠ عامًا) مدرس لغة عربية، درس البكالوريوس في ست سنوات بسبب الاعتقال المتكرر، لم ييأس وقرر أن يدرس الماجستير، لكنه لم يتمكن من إتمامه منذ أربع سنوات.

عام 2012، اعتقله الاحتلال، وكان حينها في النصف الثاني من مرحلة الجامعة، تكررت الاعتقالات حتى بلغت أربعةً في مرحلتي البكالوريوس والماجستير.

يقول: جاءت الاعتقالات في توقيتات صعبة، كأن تسبق الاختبارات النهائية، أو بعد قطع شوط كبير في الفصل الدراسي، وهذا ما يعني البدء بالفصل من جديد بعد التحرر.

ويضيف: الاحتلال يضغط على الأسير بدراسته، فهو يدري مدى الضرر الواقع على الطالب المتأخر عن الجامعة من النواحي المادية والاجتماعية والأكاديمية والنفسية، وأحيانًا يتعمد اعتقال الطالب في أوقات حرجة ليضيع جهده طوال الفصل، ويبتزه في التحقيق، خاصة في المراحل الأولى منه، إذ يذكره بالجامعة بعبارات مختلفة، مثل (لأجل من تتأخر؟!)، و(أبناء جيلك صاروا موظفين)، و(زملاؤك درسوا الماجستير والدكتوراه)”.

ويتابع: جرَّبت الاعتقال الإداري، والاعتقال على قضية، وبالنسبة لي فإن الاعتقال الإداري أصعب بكثير، فالأسير يبقى معلقًا لا يعرف شيئًا عن مصيره، بينما في الاعتقال على قضية يكون للأسير حكمٌ محدد يتحرر بعده، وبالتالي قد ينسق مع ذويه ليتولوا أمور التسجيل في الجامعة، فيخرج من السجن للدراسة دون ضياع الوقت.

ويوضح: الدراسة الجامعية تمثل مرحلة مَفصِلية في حياة الإنسان، وهو يسمع بها ويتشوق لها منذ كان طفلًا، لذا من يقضيها بشكلها الطبيعي يستمتع فيها، لكن الاعتقال المتكرر خلالها يسلبها جمالها.

الوضع النفسي للطالب عند عودته للجامعة بعد الأسر يكون صعبًا للغاية وفقًا لما نص عليه عصيدة، وذلك لكونه يدرس مع أجيال تصغره، بينما أبناء جيله تخرجوا وقطعوا شوطًا في الحياة، وصاروا موظفين وآباء.

يوضح: يحتاج الطالب لإعادة شحن لطاقته ومعنوياته عند العودة للدراسة، فهو في السجن يعاني متاعب لا حصر لها، ومنه يخرج لمعاناة التسجيل للجامعة ومحاولة مواصلة ما بدأه بدلا من تكرار الدراسة، وبذلك يبدأ الدراسة وهو منهك.

ويلفت إلى الطالب المتأخر عن دراسته بسبب الاحتلال يعاني من الضغط المادي الناتج عن دفع الرسوم للفصل الواحد أكثر من مرة، بسبب إعادته بعد التحرر، فيضطر للعمل لتأمين مصاريف الجامعة، وهذا يمثل عبئا إضافيًا عليه.

هذه المعاناة لم تُثنِ عصيدة عن السعي لنيل لدرجة الماجستير، يقول: قبل البَدء بهذه الخطوة، فكرتُ كثيرًا، والمحيطون بي كانوا يقولون لي (إن كنت درستَ البكالوريوس في ست سنوات، فستحتاج عشر سنوات للماجستير)، ومع ذلك صممتُ، وبدأتُ الدراسة.

ويضيف: المخاوف كانت في محلها، فقد تكرر اعتقالي، ولم أتمكن من إنهاء الماجستير حتى اليوم، رغم مرور أربع سنوات.

لا تَراجُع:

المقدسي جهاد عبيدي (51 عامًا) نموذج للمعاناة في الدراسة، ولكن من داخل السجن، قضى في سجون الاحتلال 25 سنة، خلال فترة حكمه بذل جهودًا كثيرة للحصول على شهادة جامعية، إلا أن عراقيل الاحتلال العديدة والمقصودة حالت دون ذلك، ولكنه حقق مراده بعد الإفراج عنه.

يوضح: اعتقلني الاحتلال في بداية الانتفاضة الأولى على خلفية المشاركة في نشاطات عسكرية، وتنقلت بين عدَّة سجون، لكن الفترة الأطول قضيتها في سجن نفحة، الذي كان له أثر عميق في تكوين شخصيتي، حيث أجواء الحياة الوطنية، والقوة التنظيمية التي اعتمدت على فعل نضالي موحد.

عام 1992 خاض الأسرى الفلسطينيون في سجون الاحتلال إضرابًا عن الطعام، للحصول على بعض حقوقهم، ومن بينها التعليم الجامعي في جامعات فلسطينية وعربية ودولية، وحينها تم التوصل لاتفاق يقضي بالسماح للأسرى بالدراسة في جامعات تابعة للاحتلال.

بعد هذا الإضراب، فكّر العبيدي في الدراسة الجامعية، لكنه انتظر طويلًا حتى يتمكن من الالتحاق بجامعة فلسطينية، وأخيرًا اضطر للانتساب للجامعة العبرية، في أواخر عام 2009، في تخصص شرق أوسط ودراسات مجتمعية.

يقول: اختياري لهذا التخصص لم يكن نابعًا عن رغبة مني، خاصة مع علمي بأن المنهاج الإسرائيلي يحرّف التاريخ، ولكن التخصصات التي يسمح الاحتلال للأسرى الفلسطينيين بدراستها محدودة، وقد كان هدفي حينها هو الحصول على الشهادة الجامعية، وهذا الأمر مهم جدًا للجانب النفسي والمعنوي عند الأسير، بالإضافة إلى ما قد يستفيده من معلومات وثقافة بفضل الدراسة.

ويضيف: الدراسة الجامعية داخل السجن ليست كما هي خارجه؛ فظروف السجن تفرض نفسها بقوة، حيث التفتيش المتكرر للزنازين، والتنقل من سجن لآخر، وغير ذلك من ظروف قد تؤدي إلى تعطيل الدراسة أو ربما التوقف عنها تمامًا لفصلٍ دراسي أو أكثر.

ويتابع: هذا عدا المتطلبات الأساسية للدراسة التي لا تتوفر خلف القضبان، كالهدوء، وترتيب الوقت وفقًا لرغبة الطالب.

من أبرز العقبات التي يضعها الاحتلال أمام الطلبة الجامعيين في سجونه، استخدام دراستهم وسيلةً للضغط، كما قال عبيدي؛ إذ يوضح: مديرية السجون تبتز الطالب بدراسته، وتتخذ منها وسيلة لمنعه من ممارسة أي نشاط فردي أو جماعي كالإضراب عن الطعام.

ويبين: الطالب المُعتقل يكون عرضة للحرمان من الدراسة لفصل دراسي، أو عام كامل إن مارس أي نشاط، وهو ما حيّد بعض الأسرى عن تلك النشاطات.

تلك الظروف تلاها منع الاحتلال الدراسة الجامعية للأسرى الفلسطينيين، وحينها لم يكن عبيدي قد أنهى دراسته.

بعد انتهاء حكمه ونيله الحرية، لم يتمكن من العودة للدراسة لظروفه العائلية، لكنه كان مصممًا على انتزاع الشهادة يومًا ما، وهو ما حدث بالفعل، إذ تخرّج منها العام الماضي.

يقول عبيدي: منذ أن بدأت الدراسة، قررت ألا تراجع، وساعدني أخي كثيرا، إذ كان يتابع مراسلاتي مع الجامعة، وهذه المتابعة من خارج السجن ضرورية للغاية، فرسائل الأسرى للجامعة كانت تُهمل عن قصد.

ويضيف: أن أشق طريقي من داخل السجن، متجاوزًا شراسة مديرية السجون لهو مصدر فخر، وهذا ما ضاعف فرحتي وفرحة أهلي حينما نلت الشهادة الجامعية.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك