البحث العلمي في الرياضيات: تحديات وعوائق

3 يوليو , 2015

في رحلتي الدراسية منذ الطفولة وحتى تخرجي من الجامعة، عدد قليل من الأساتذة  نالوا احترامي وتقديري لهم ولمجهودهم الوفير في توفير علم حقيقي لي ولزملائي، عند دخولك الجامعة قليلًا أو نادراً ما تقابل أحد المعيدين الذين يتعاملون بطريقة لائقة مع الطلاب دون تكبر أو تعالي، كان اللقب الذي نخاطب به كافة المعيدين هو لقب “دكتور”، على الرغم من عدم حصولهم على الدرجة العلمية وحتى بعضهم كان لا يزال خريج حديث الفارق العمري بيننا وبينه لا يتعدى الأربع سنوات، ولكن دكتورة “إيناس” كانت مختلفة بالنسبة لي، كنت دوماً أناديها بهذا اللقب وأنا أشعر باستحقاقها له، وهي التي لا تتواني في مساعدة أي طالب في قسم الرياضيات بدون أي عائد مادي، كبعض المعيدين الذين يقومون بإعطاء الدروس الخصوصية للطلاب، أتذكر مساعدتها لي في مراجعة أحد المواد التي رسبت بها وكنت أعيدها وقامت بشرحها كاملاً لي، وهي ليست مضطرة لذلك، إلا إنها رغبت في مساعدتي عندما طلبت منها ذلك.
بعد تخرجي ظللت على علاقة طيبة بها، وهي تمثل لي قدوة في علاقتي بطلابي بقيامها بدور المعلم الصديق لي، وهذا ما أردت فعله لاحقاً مع طلابي كنوع من رد الجميل لها ولكافة المعلمين الحقيقيين، الذين نحتاجهم بحق لتطوير وتنمية التعليم في بلادنا وتصحيح صورة المعلم في نظر الطلاب، تشرفت هذا الشهر بإجراء حوار معها عن علِمنا المفضل وهو علم الرياضيات، والتي تقوم بتدريسه حالياً بجانب دورها كباحثة وطالبة دراسات عليا في الجامعة، عن البحث العلمي في الرياضيات والتحديات والعوائق التي تمنعه من الازدهار في بلادنا كان هذا الحوار مع أستاذتي “إيناس الكردي”.

في البداية أود أن أعرف سبب اختيارك لقسم الرياضيات للدراسة والتخصص؟
– اختياري تم بناءً على ميول شخصية، و القدرة على الإبداع في علم الرياضيات بشكل عام، و الرياضيات البحتة (التخصص) بوجه خاص و ذلك طبعاً مع وجود بعض من الاساتذة الأكفاء الذين على درجة من الفهم، و الوعي القادرين على صقل الموهبة الشخصية لي و توجيهها في مسارها الصحيح.

هل يوجد الفرق بين المعيد المعين من قبل الجامعة، و الباحث الحر في اختيار موضوع استكمال الدراسات العليا، و في دعم الجامعة و الأساتذة المقدم لهم؟
– بالطبع يوجد فرق واضح بين المعيد المعين، و الباحث الحر في اختيار موضوعاتهم حيث أن المعيد المعين تكون له الأفضلية في كل شيء من حيث الاختيار، و مساعدة القسم له في اختيار المشرفين على دراساته العليا، ومخاطبة أساتذة من الجامعات الأخرى للإشراف على رسالته، و له مميزات في مصاريف الدراسات العليا عن الباحث الحر حيث أن الجامعة تقوم بدعمه بجزء من المصروفات في حين أن الباحث الحر غير مقدم له هذا الدعم، ولكن في رأيي أن الباحث سواءً معيد أو حر هو من له القدرة الشخصية على مواصلة البحث العلمي بعد مرحلة البكالوريوس حيث يوجد أكثر من نموذج باحث حر على أرض الواقع أنشط بكثير من المعين المعيد، مما يجعل له الأفضلية، و الأولوية لدي المشرفين في المتابعة، والتحفيز على مواصلة البحث و التقدم الملحوظ فيه حتى عن المعيدين المعيين من قبل الجامعة.

ما هي المعوقات التي تواجه طلبة البحث العلمي في مصر بشكل عام و طلبة الرياضيات بشكل خاص؟

– البحث العلمي بشكل عام في مصر للأسف ليس في طريقه السليم ولا في المكانة التي تليق ببراعة الموارد البشرية في مصر، وذلك لأسباب كثيرة ومنها ظروف الدولة السياسية والاقتصادية من حيث توفير الموارد المناسبة لخلق مناخ بحث علمي جيد من مراكز بحثية وأجهزة وخامات وقبل كل ذلك توفير موارد مالية ملائمة للإنفاق على الدراسات العليا للباحثين وعيش حياة كريمة تليق بهم كأساتذة جامعة وكعلماء وباحثين.

بالنسبة لمجال الرياضيات بشكل خاص توجد معوقات للأسف لا تشجع الكثيرين على الإقبال على استكمال الدراسات العليا فيه، و هي أن اغلب البحث العلمي قائم على مدى سرعة إنجاز البحوث العلمية والتسابق على نشرها في المجلات العالمية المختلفة وفقط، بدون وجود أي اهتمام أو إتاحة مجالات لتطبيق هذه البحوث داخل الدولة في حين أن الأساتذة في الدول المختلفة و منهم فرنسا، اتجهوا للمجال التطبيقي فعلاً لهذه الأبحاث حيث أدخلوا بحوثهم في مجال الصناعة والإنتاج ونظم المعلومات والشبكات وغيرها بشكل مشوق جداً ومحفز على مواصلة الإبداع، واستكمال البحث العلمي.

بالحديث عن الدول المختلفة، ما مدى إتاحة المعلومات المحدثة بشكل دوري للباحثين عن المنح والبعثات لخارج الدولة من قبل الجامعة؟

 قامت الجامعة بإنشاء قاعدة بيانات للبيانات الشخصية للسادة أعضاء هيئة التدريس بالجامعة متضمنة البريد الإلكتروني الخاص بهم، ويتم إرسال رسائل إلكترونية لهم بشكل يومي تشمل كل أخبار المنح والبعثات المتاحة لهم كل في تخصصه وهذا بالنسبة للجامعة، أما بالنسبة للباحثين العلميين من خارج الجامعة، في رأيي يجب أن يتم إعلامهم بالمنح والبعثات عن طريق النقابات المختلفة التي ينتمون إليها حيث إنها الخيار الأفضل لعمل قاعدة بيانات من خلالها يتم إخطار الباحثين بكل ما هو متعلق بمجالاتهم البحثية.

أثناء دراستي كنت دائما أتساءل مع زملائي عن التطبيقات العملية لعلوم الرياضيات التي ندرسها، هل تعتقدين بأنه أصبح من الضروري تطوير أنظمة التدريس والمناهج في قسم الرياضيات وتفعيل فكرة التعلم بصنع المشروعات، والتطبيقات به، والتكامل مع فروع العلم الأخرى من الأقسام المختلفة بالكلية؟

– بما أن الرياضيات عامة شريك رئيسي في كل فروع العلوم المختلفة، فهي تعتبر أم العلوم وأساس كل المعادلات الفيزيائية والكيميائية وحتى الأنظمة البيولوجية التي يتم دراسة ظواهرها باستخدام المنطق الرياضي والمعادلات الرياضية، ولكن بالرغم من ذلك فإن قسم الرياضيات ينظر للجزء البحت أو النظري فقط للظاهرة الكونية. بالتالي خرجت المناهج التي تدرس بالقسم بحتة وجامدة وخالية من أي تطبيق فعلي وملموس يمكن الطالب من استيعابها أو حتى العمل بها بشكل تطبيقي وهو ما أدى بالطلاب إلى الحصول على درجة البكالوريوس وهم يسألون أنفسهم سؤال منطقي جداً: ما فائدة كل ما درسناه؟ ماهي تطبيقاته؟ و هو ما يحمل على القائمين على تدريس الرياضيات عبأً كبير في تطوير المناهج الدراسية في مراحل التعليم المختلفة وليس في المرحلة الجامعية فقط.
أما بالنسبة لفكرة التكامل ما بين الأقسام العلمية المختلفة بالكلية للوصول بالطلاب لأقصى استفادة من المناهج التي يدرسونها، فهي فكرة رائعة تحتاج لتنسيق و دعم كبير من قيادات الكلية وقيادات الأقسام و بحكم خبرتي الشخصية في التعامل مع قيادات أقسام الكلية المختلفة عن قسم الرياضيات فإنني لا أجد ما يمنع ذلك حيث أنهم بالفعل متعاونون معنا بشكل مرضي، و أعتقد بأنهم على استعداد جيد لهذه الفكرة.

كثيراً ما كنا نشعر بكون المعيد الذي يقوم بتدريس المواد غير مؤهل لهذا الدور على الرغم من معلوماته الغزيرة، هل تعتقدين بأن تنمية المهارات التدريسية والتربوية أمر ضروري للمعيد؟ أم ستشكل عليه عبأً كباحث؟

– ليس من المنطقي و البديهي أن المعيد أصبح مؤهلاً للقيام بعملية التدريس بمجرد أن يتم ترشيحه لشغل منصبه هذا من قبل إدارة الجامعة، بل- في رأيي – هو يحتاج إلى دورات تدريبية، وتأهيلية لشرح عملية التواصل مع الطلاب سواء على المستوى الشخصي أو على المستوى المهني، و كذلك دورات تأهيلية له كباحث علمي قادر على استقصاء الأفكار وإعادة صياغتها بشكل يلائم طبيعة مجال بحثه، وذلك بالطبع بجانب الخبرات التي يكتسبها من العمل مع زملائه الباحثين من هُم أكثر خبرة منه، فيصبح بذلك مؤهلاً ليصبح عضو فريق بحثي أو كباحث صغير و حتى يصل لمرحلة يصبح فيها قادراً فيها على قيادة فريقه البحثي.

قرأت منذ فترة تصريحاً عنصرياً لأحد العلماء الفائزين بجائزة نوبل ضد الباحثات النساء، في رأيك هل هناك فارق بين الباحثين الرجال والباحثات من النساء، وهل هناك ممارسات عنصرية وعدم مراعاة لظروف الباحثات وضرورة قيامهم بمهام أخرى في حياتهم بحكم دورهم كزوجة وأم؟

في رأيي الشخصي كون المرأة خرجت لتلقي العلم أو للعمل، فإنه لا يوجد فرق بينها، و بين زميلها الرجل في الكفاءة أو الأداء حيث أن كل منا مهيأ لما خلق له وذلك أخذاً في الاعتبار وجود الظروف الخارجة عن إرادتنا، و المتعلقة بحياتنا الشخصية التي ما إن استقرت، ستقر معها اتزان الباحث النفسي و أصبح أكثر فاعلية في مجاله البحثي.
لكن للأسف توجد بعض القيادات التي لا تقدر ظروف المرأة الاجتماعية كأم و تتعنت معها في أمور إجازاتها الخاصة بالطفل وينتج عن ذلك وجود بعض الخلافات التي تصل لمرحلة الشخصنة داخل محيط العمل مما يسبب توتر الجو العام وعرقلة الأداء الوظيفي أو البحثي.

سؤالي الأخير، قد تختلف القدرات الشخصية للأساتذة الكبار والتي قد لا تؤهلهم جميعاً للقيام بالإشراف على الرسائل العلمية، في رأيك ما مدى صحة هذه الفكرة، وما مدى تأثير ذلك على مصالحهم الشخصية من ترقيات أو ما شابه؟

– عامل الخبرة الكبير الموجود لدى أساتذتنا الكبار بالإضافة إلى مهارتهم الشخصية المصقولة عبر السنوات الطويلة جعلوا من معظمهم منارات للبحث العلمي ينهل منها طلاب العلم ما يشاؤون من العلم، و الخبرة التي تفيدهم في حياتهم العلمية بشكل خاص، وفي حياتهم العملية بشكل عام، و ذلك بجانب اجتيازهم العديد من دورات تنمية المهارات الشخصية لهم داخل الجامعة للحصول على الترقية تلو الأخرى، مما كان له عظيم الأثر في ارتقائهم لمرتبة العلماء وقدرتهم على الإشراف على الرسائل العلمية بشكل يخرج من تحت إيديّهم أساتذة صغار يشابهونهم حتى في تفاصيل الحديث.
ولكن لكل قاعدة شواذ، فهناك للأسف من الاساتذة الكبار من لا يدركون حجم المكانة العظيمة التي خصهم الله سبحانه وتعالى بها، فجعلوا من مناصبهم و سلطاتهم سبيلاً لتحقيق مكاسب، وأغراض شخصية، مما يؤثر سلباً على كل جوانب المنظومة التي يتبعونها من احترام تلاميذهم لهم، ومن قدرتهم على إفادة البحث العلمي بالشكل اللائق بمكانتهم العلمية.
نسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يجعلنا ممن قال عنهم في كتابه العظيم إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ.

في النهاية أتوجه بالشكر لأستاذتي العزيزة، وأتمنى أن أكون استطعت نقل صورة بسيطة عن طبيعة حياة الباحث في مجال الرياضيات في مصر، والتي يحتاج بالتأكيد كل الدعم لمنح البلاد مكانة أفضل مما هي عليه الآن.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك