الطب بين الأحلام والواقع

11 نوفمبر , 2014

منذ بداية معرفتي بأصدقاء من كلية الطب، أصبحت أرى الدراسة فيها بشكل مختلف تمام، الأمر بعيد كل البعد عن الذي نشاهده في التلفاز أو نسمعه من الطلبة الذي يمنعهم كبريائهم من الاعتراف بأن دراسة الطب ربما هي من أصعب التجارب التي يمر بها الإنسان حتى لا يشمت بهم الشامتون لأنهم قد لا يستطيعون تحقيق النجاح المتوقع كما حدث في مرحلة الثانوية العامة وحصولهم على أعلى الدرجات التي تؤهلهم للدراسة التي يحسدهم عليها الجميع، أحد أهم هؤلاء الأصدقاء الذين تعرفت عليهم في السنوات الماضية هو الطبيب “أحمد التهامي” الذي يشتهر بكتابته الساخرة الدائمة عن كلية الطب والدراسة بها مما يؤهله لصناعة كتاب كامل عن تجربته وليس فقط مجرد ملاحظات أو كتابات بسيطة على مواقع التواصل، طلبت منه إجراء حوار لصالح شبكة زدني وكان هذا نصه:
– بداية ما السبب الذي دفعك لدخول كلية الطب؟ وما السبب الذي قد يدفعك الآن لدخول الكلية مرة أخرى إذا أتيح لك الاختيار مرة أخرى؟
– بعد انتهائي من مرحلة الثانوية حصلت على مجموع 99.9%، كل الكليات كانت متاحة أمامي، ولم أكن شغوفا بدراسة الطب، فقط أثرت التفكير العقلاني، مهنة مناسبة اجتماعياً وتحقق ربحاً جيداً.
السبب الذي يدفعني لدراسة الطب مرة أخرى هو أصدقائي، رفقاء السلاح، المجموعة التي تعرفت عليها عند دخولي الكلية، لسبب ما دراسة الطب تفجر مواهب مختلفة في كل طالب فيها، وهذا شيء جميل، كل شخص تعرفت عليه هو شخصية مميزة، كنت سأفقد ميزة التعرف على كل هؤلاء الأشخاص بدخولي لكلية ثانية.
– بعد دخولك للكلية كيف رأيت شكل دراسة الطب في مصر، وهل كانت متوافقة مع توقعاتك أم لا؟
– الدراسة إلى حد كبير تصدم توقعات كل الطلاب، خاصة الثلاث سنين الأوائل التي تصبح فيها الدراسة أكاديمية فقط، وعلى الرغم من أن هذا يحدث في جميع دول العالم تقريباً، ولكن الجميع يتوقع أنه سيتعامل مع المرضى منذ البداية.
المرضى نفسهم الذين نتعامل معهم فيما بعد يسمون بالمرضى المحترفين، فهم أناس لديهم أمراض مزمنة ويتقاضون أجراً مقابل مشاركتهم في العملية التعليمية للطلبة، والكثير منهم يرفض العلاج حتى لا يفقد مصدر رزقه، الغريب أيضاً أنهم من كثرة التعامل مع الطلبة والمعيدين في كلية الطب أصبحوا قادرين على شرح مرضهم بدقة عالية وبالإنجليزية حتى وإن لم ينالوا تعليماً جيداً.
يبقى أيضا المناهج في كلية الطب، المناهج عتيقة وطريقة الدراسة تعتمد بشكل كبير على الحفظ وليس الفهم.
– بالنسبة لكون هناك العديد من المشاكل التي تحدث للمرضى في مصر بسبب إهمال الأطباء وزادت مؤخراً في الفترة الماضية بشكل أثار الرأي العام، هل تعتقد أن المشكلة تكمن في أن الدراسة لا تمنحكم القدر الكافي من العلم، أم المشكلة في الخريجين أنفسهم؟
– هذا الموضوع يطول شرحه، ولكن المشكلة الرئيسية في التعلم بعد التخرج، خريج كلية الطب هو ممارس عام، بمعنى إنه ليس متخصص، والتخصص يحتاج 5 سنوات بعد التخرج في نظام يسمى النيابة، تصبح طبيب مقيم في مستشفى لتتدرب وتتعلم من الأطباء الأقدم منك، المشكلة في النيابة إنها إما تكون في مستشفيات الجامعة وهذه التدريب والتعلم فيها مستواه جيد ولكنه متاح لحوالي 300 فقط من أوائل الدفعة، والنيابة الثانية تصبح في مستشفيات وزارة الصحة، والأخيرة التعليم فيها مستواه سيء، إلا إذا كان الشخص الدارس يرغب في الاستفادة والتعلم بحق فيضطر لبذل مجهود أكبر من زملاءه ليحصل على ما يريد، وبعيدا عن العنصر البشري، الموارد قليلة ومستوى أطقم التمريض يكون ضعيفاً بالإضافة للعمال، هناك مشكلة في ميزانية الصحة في مصر للأسف فهي هزيلة جداً.
– قضيت جزء من تدريبك في ألمانيا للتدريب هناك، ما الفارق بين ممارسة وتدريب الطب في مصر وألمانيا؟
– الفترة التي قضيتها كانت قصيرة، شهرين تحديداً، ولكن ما اكتشفته إنهم ليسوا بكائنات فضائية أو يملكون قوات خارقة، فقط يملكون نظاماً صارماً الكل ملتزم بيه، لأن هناك آلية لتنفيذ الثواب والعقاب وهو ما نفتقده في مصر للأسف، فهناك إن خرجت عن النظام النظام سيلفظك، بينما هنا كونك فاسداً أو فاشلاً لا يعني بالضرورة خروجك من منصبك، بل على العكس، أحيانا هو ضرورة لبقائك في منصبك.
– ما أكبر مشكلة تواجهكم عند دراسة الطب و التخرج لممارسته؟
–  ضخامة المناهج بكل تأكيد واضطرارنا في أخر سنتين للدراسة المتواصلة لمدة حوالي 13 شهرا مما يعزلنا اجتماعياً عن المحيطين بنا.
– هل تستطيع من خلال تجربتك والتعامل مع عدد كبير من طلاب الطب في مصر تحديد نسبة الذين يصلحوا حقاً للممارسة هذه المهنة بدافع الحب والشغف للمجال بعيداً عن أي أسباب اجتماعية ومادية؟
– تقريبا 5 %.
– ماذا عن معايير اختيار دراسة الطب في سن صغيرة، تقريباً في مصر طلاب الثانوية العامة تتراوح أعمارهم ما بين الـ 17 عاماً إلى 19، هل أنت متفق مع فكرة إن الطلاب في هذا السن مؤهلين لاختيار مجال صعب كالطب؟ حتى وإن كان بدافع الحب والشغف فقط؟
– غير حب الطب يجب أن يعرف الطالب أن دراسة الطب ممتدة طوال الحياة، وأعتقد إن الاختيار في هذا السن حتمي لأنه لا تستطيع الانتظار أكثر من هذا الوقت لبدء رحلتك في مجال الطب، ولكن المهم أن يكون الاختيار بناء على معلومات حقيقية وواقعية بعيداً عن السمعة المأخوذة عن الكلية في المجتمع.
– ما الذي يجبر الطلاب على الاستمرار في دراسة الطب؟ لماذا لا تتركون الكلية عند شعوركم بإن هذا المجال ليس المناسب لكم؟
– بصفة عامة قليل من يمتلك شجاعة اتخاذ قرار مثل هذا، ترك مجال أخذ فيه مسافات طويلة أو سنوات عديدة، ولكن بعيداً عن مساوئ الطب في مصر لا يزال في النهاية مهنة جيدة، توفر لك فرص عمل خارج البلاد، ومركز اجتماعي مناسب، بالإضافة لمدخل كبير إلى حد ما في المستقبل، هذا غير لحظات السعادة التي تنتابك عند تشخصيك حالة مرضية صعبة، أو التعامل على المستوى الإنساني مع المرضى.
– أخيرا يا أحمد، ما الذي ينقص دراسة الطب في مصر؟ ربما أنت لا تعلم كل شيء ولكن في النهاية لديك متطلبات ووجهة نظر.
– المناهج يتم تغييرها وهذا ما يحدث فعلاً، الطلبة الحاليين لا يدرسون بنفس الطريقة التي درسنا بها، ولكن سننتظر لنرى هل كانت أفضل في تخريج أطباء أكفاء أم لا، بالإضافة طبعاً لزيادة المرتبات، مرتب طبيب الامتياز 240 جنية، لا يعقل أن يتخرج طالب بعد 6 سنوات ليقبض مبلغ مثل هذا، فيضطر للعمل في المستوصفات والمستشفيات الخاصة بدل من التفرغ للدراسة.
معلمة رياضيات
مدرسة خاصة
73246bb54aa97063e262afe567039cf8.jpg


شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك