“العِرق الأخضر” يحتاج أكثر من أن تدرس الهندسة الزراعية

23 أكتوبر , 2017

 

في الحدائق المنزلية أمل القيمري تبذر الجهد وتحصد الحب

حين كانت أمل القيمري صغيرة لم يخطر ببالها أنها ستقضي حياتها بين الجنائن؛ كانت كلما زارت بيت جدها تستمتع باللهو في حديقته الكبيرة؛ وكلما سنحت لها الفرصة بالذهاب إلى قطعة الأرض التي يملكها والدها تبادر ببراءة إلى الإمساك بمقص الشجر كي تقدم المساعدة؛ في ملامح وجهها طيبةٌ تشربّتها من الأرض؛ يحدث ذلك حين يشعر المرء أنها قطعة من روحه؛ لم تعرف أنها ستكون محظوظة بأن يوفقها الله لاختيار الهندسة الزراعية لاحقًا؛ والآن يشار لها بالبنان في إنشاء الحدائق المنزلية بالأردن.

عندما أنهت أمل الثانوية العامة اختارت الزراعة كخيارٍ ثاني وفق معدلها الذي حصلت عليه في القسم العلمي؛ أي أنه كان اختيارٌ احتكم لمعدلها لا أكثر؛ ولحسن الحظ أن تقاطع دربها مع مجالٍ لا روتين فيه؛ بل أنه يتعامل مع النبات “أرق الكائنات الحياة على الإطلاق”؛ إضافة إلى الاحتكاك بمختلف أنواع الناس.

 

الفرق بينهما

تبدأ م.أمل الحديث عن أجمل مراحل الدراسة الجامعية؛ لتقول: “من أمتع وأهم المساقات بالنسبة لي مادة التدريب العملي؛ ذهبنا حينها إلى الغور في الأردن؛ تحديدًا إلى مزرعة تابعة للجامعة تتيح تطبيق كل شيء؛ واشتملت على سكن للطلاب بالإضافة إلى الأبقار والدواجن؛ كان الأمر يعتمد على العمل بيدينا؛ في ذلك الفصل الدراسي حصلتُ على أعلى معدل لأني انغمستُ في الجانب العملي الذي يفوق المعلومات النظرية على أهميتها؛ كما دربّني خال والدي وهو خبير زراعي؛ في تلك المرحلة اكتشفتُ أن ممارسة الزراعة توقعني باستمرار في حبها؛ لأن دائمًا هناك جديد؛ فالنباتات لا تكف عن مفاجئتي”.

وترى أن المجتمع العربي بحكم أنه زراعي فإن الجميع لديه تجربة في هذا الجانب مما قد يجعل البعض لا يعير اهتمامًا لدور المهندس الزراعي؛ وهذا من أبرز الصعوبات التي يجب على طالب هذه الكلية أن يكون متأهبًا لها.

مرت سنواتٌ طويلة دون أن تتوقف المهندسة أمل عن التعلم؛ لكنها لم تنسى أبدًا ما قاله أستاذها لهم ذات مرة؛ كان يدرّسها في السنة الثانية مساقَ الإنتاج الحيواني؛ تبتسم بتواضع: “لم أكن من المتفوقين؛ ولكن ذلك الأستاذ قال:

“من الجميل أن يكون التفوق حليفكم لكن برأيّ الأولوية للمهارة في الحياة العملية؛ لدي طلاب حصلوا على أعلى العلامات لم يستطيعوا أن ينجحوا في حياتهم العملية؛ كطالب تخرج من عندي بتقديرٍ جيد أو مقبول”.

 

وعن الفرق بين دوري المزارع والمهندس الزراعي؛ تعقد مقارنةً بينهما موضحةً أن الأول له خبرةٌ تحترم لكن غالبًا ما تنحصر خبرته في جانب واحد إما خضار أو فاكهة أو فيما يعمل بزراعته؛ كما أنه على الصعيد العلمي قد لا يمتلك معلومات تخص التربة والجو واحتياجات النبات؛ أما الثاني فإنه يعمل في أكثر من جانب ووفق أساس علمي.

وتؤكد أن أول ما يواجهه الخريج هو عدم القدرة على ربط المعلومات ببعضها البعض التي ما تلبث أن تتأتى بالتطبيق العملي؛ موجهةً نصيحة لكل من يلتحق بهذا التخصص: ” نصيحتي ألا تغترّ بلقب مهندس؛ عليك أن تعطي حتى يتسنى لك الأخذ فيما بعد؛ في باديء الأمر أنت لا تملك الخبرة لذا عليك أن تتواضع لا سيما أن فرص العمل قليلة؛ فمن يحب أن يكون شيئاً يُذكر في هذا المجال عليه أن يبذل جهداً ليطور نفسه عبر التعلم المستمر؛ لأن الجانب الأكاديمي يضع قاعدة للانطلاق؛ لكن الاجتهاد في مواكبة كل التطورات التي تطرأ والاحتكاك بأهل الخبرة هو ما يصنع النجاح”.

 

الوضع المادي ليس معيارًا

في حديثها الشيق لــ “شبكة زدني للتعليم” تركز كثيرًا على نتائج التكامل الجميل بين الدراسة الأكاديمية والتطبيق؛ وتشرح مقصدها: “الدراسة ليست كل شيء ولكنها تُحدث فرقًا واضحًا؛ فالزراعة عملٌ كله خبرة؛ لكن معلومات من قبيل خلطة التربة لأي نبتة؛ والحموضة للنباتات؛ وآلية التعامل معها؛ كلها معلومات قد لا يعرفها المزارع وربما لا يراها مهمة لكنها عمليًا شيء مهم”.

أما الشق الآخر من المعادلة؛ ترى أنه:

 “إذا لم يكن هناك حب فإن التعليم الأكاديمي لا يكفي؛ لو كان لدينا علم الدنيا دون أن نحب عملنا فيما نحن متميزون أكاديميًا فلا جدوى؛ لأن الإبداع سيغيب؛ لذا نجد أن بعض الناس يبدعون في اختصاص لكنهم لم يدرسوه؛ لذا حتى يبدعوا أكثر فإنهم يلجأون للدراسة؛ أقولها بوضوح الحب أساس كل شيء بما في ذلك مهنة المستقبل”.

 

تتذكر نفسها بعد شهرين من التخرج؛ حينها عملت في مشروع تحت إشراف مهندس يفيض بالخبرة؛ منه تعلمت كيف تشتري الأشتال من السوق؛ وكيف تحدد عدد العمال وأمور ذات صلة؛ وبعدها بدأت الالتحاق بمشاريع صغيرة.

وعن سبب حبها للحدائق؛ تصفو ابتسامتها أكثر وهي تجيب: “أحببتُ كثيرًا عمل الحدائق المنزلية لأن البيوت حين تُبنى لا تُبعث فيها الحياة بدون العرق الأخضر؛ أتذكر جيدًا أول بيتٍ قمت بزراعته لوحدي؛ كم تأثرتُ حين رأيت البيت بعد انتهاء مهمتي؛ صار حقًا جميلاً؛ اعتقد أن المرأة بلمستها يمكن أن تحقق أداءًا أفضل في إنشاء الحديقة المنزلية بحكم طبيعتها الأنثوية”.

“العِرق الأخضر” الإسم الذي يحلو لضيفتنا أن تطلقه على النبات؛ إنه “الحياة” و أكثر ما يريح نفسها مهما عاشت من ضغوط في الحياة؛ وليس غريبًا أن يخلق أجواءًا لطيفة في محيطها؛ يتسع ثغرها ببسمةٍ دافئة وهي تعترف: “في عملي مع الأرض تعلمتُ العطاء؛ لأنها تعطي بلا مقابل؛ إذا كنت طيبًا معها فإنها تمنحك بسخاء؛ لذا أشعر أنها قطعة مني”.

وبفضل هذه المهنة هي ممتنة لأمرٍ آخر هو أن غالبية زبائنها يصبحون أصدقاءها؛ مما بنى لديها شبكة علاقاتٍ تعتز بها.

وتضيف: “أتعامل مع طبقات مختلفة؛ و الناس عامةً في بلاد الشام يميلون كثيرًا للزراعة كونها مهنة البسطاء؛ وبالمناسبة الاهتمام بمسألة الحديقة المنزلية لا علاقة لها بالوضع المادي؛ هناك أناس لا يملكون المال ولكنهم يهتمون لأبعد حد بالزراعة ولو في قوارير بسيطة أو حتى بــ “براميل الدهان” كما تفعل سيدة تشرفت بلقائها مؤخرًا؛ وهناك أغنياء مهتمون؛ وآخرون غير مهتمين؛ وقد تكون “برستيج اجتماعي” لدى بعض؛ وهناك من روحهم مُعلقة بالحديقة يخافون على النباتات من الموت؛ ولا ينفكون عن التجديد”.

 

كتابٌ مرتقب

وتحب أمل أن تعلم الأطفال واليافعين الزراعة؛ وتذكر السبب: “نحن كبلد زراعي يعنينا أن يدرك الطفل قيمة الأرض؛ أن يمسك التراب ويستمتع بالخضار؛ أن يتعلم خلق الصبر؛ ويرى بأم عينيه أنه على قدر ما تعطي الأرض ستعطيك”.

وتتعجب من غرائب سلوك النبات حين مثلًا تزهر نبتة في غير موعدها؛ أو أن تحدث إصابة غريبة لها؛ أو أن تأخذ الثمرة شكلاً مختلفًا عن المعهود.

وبتشبيه لطيف تقول أن النبات يجب معاملته كما الطفل حين يكون بحاجة لمساعدة أمه؛ إذ يأتي إلى بيئة غريبة ليس معتادًا عليها؛ وحين يكبر ويصبح جذره أقوى ويقدر على امتصاص المواد الحيوية؛ حينها يغدو كالإنسان الناضج؛ لكن ثمة أشياء معنية لا تستطيع النبتة وحدها فعلها؛ مما يقتضي من صاحبها الرعاية والمتابعة.

وتقدم فقرة خاصة في برنامج صباحي في تلفزيون رؤيا الأردني؛ فقد ساعدها الإعلام أن تصنع قفزة سريعة أكثر مما لو كانت تعمل بدون أضواء؛ لما يملك من ميزة سرعة نشر المعلومة؛ مما زاد من المسؤولية الملقاة على عاتقها بسبب ثقة المتابعين لها التي تتزايد يومًا بعد يوم؛ لافتةً إلى أن المهندسة الزراعية على وجه الخصوص حين تكون صاحبة القرار وتتولى الإدارة على زميلها الرجل فإن حساسية لا لزوم لها تنشأ –  مع الأسف- وهذا ما تعاني منه حتى اللحظة.

وتعمل بجد على كتابة المضامين التي تأمل أن يحويها كتابٌ تأمل أن يخرج إلى النور؛ الصيانة وليس الزراعة فحسب من أبرز محاوره؛ ستركز على النباتات التي تعيش في أجواء بلاد الشام؛ وقد يكون هناك قسم يتناول نباتات الخليج العربي ومدى ملائمتها لأجوائه.

أسماء نباتات لا حصر لها يمكن أن تحل ضيفات على البيوت مثل: بتونيا؛ غار؛ توكريوم؛ لفندر؛ حصالبان؛ بوليجالا؛ كوريوبسس؛ جزانيا، كريز؛ وكم جميل أن نستأنس بالنعناع والزعتر والميرمية على عتبات الدار لتكون من أحلى الرفيقات؛ فهي رخيصة ومن السهل زراعتها في “قِوّار”؛ علاوةً على فائدتها؛ وأنها ليست “حولية” أي بإمكانها العيش ما بين عامٍ وعامين؛ نصيحة تختم بها وتقدمها هذه المرة لــ ربّة بيتٍ معطاءة.

 



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك