بــ مرحٍ وحرية ومرونة… بَانة أم جريئة نجحت في خيار التعليم المنزلي

3 مايو , 2018

 

أضفت قيمةً لأطفالي أعلى من تلك التي تمنحها المدرسة..

 

تقديم نماذج ناجحة سيؤثر بقوة في انتشار الفكرة

 

أتعامل مع الأمر على أنه فرصةٌ رَبَّانِيَّة لا عبئًا

 

يُعرف التعليم المنزلي على أنه أسلوب يختار فيه الوالدانِ تعليم أبنائهم في البيت وعدم إرسالهم للمدارس؛ لأسبابٍ تحول دون التحاقهم بمقاعد الدراسة التقليدية؛ وقِلَّةِ مَن يميلون إلى هذا الخِيار في العالَم العربي؛ بل إن كثيرًا من الناس لا يعرفون بهذا الخيار ابتداءً.

 

هناك من يتخوَّف من مسألةِ مدى كونِه معتمَدًا بشأن الشهادات الدراسية، وآخرون تُرهبهم المسؤوليةُ أو الجهلُ بمتطلبات التعليم المنزلي. كما ترى العديد من الأمهات أيضًا أن مدرسة الأبناء ترتبط بالمستوى الاجتماعي “البرستيج” بالقول “أولادي في مدرسة كذا!” وهذا يحول دون تفكير الأم في موضوع التعليم المنزلي، حتى لو اقتنعت بالمزايا أو كانت مؤهلة أكاديميًّا ونفسيًّا للقيام به.

 

بانة بشير بيري – مدرِّبة في مجال تنمية الذات وتطوير المهارات الشخصية؛ تحب مشاركة الناسَ بتجرِبتها في الحياة مع الآخرين؛ كما يحلو لها أن تعرِّف نفسها؛ هذه الأم السورية التي تعيش حاليًّا في قَطَر؛ اتخذت قرارًا جريئًا بسحب أبنائِها من المدارس لتعتمد على نظام التعليم المنزلي؛ ونجحَتْ بجدارة في ذلك؛ حول هذه التجرِبة بكل حيثياتها تحاورها مراسلة “شبكة زدني للتعليم” على النحو التالي:

المعلومات لا تهمني

 

دعينا سيدة بانة نعود إلى طفولتك.. ماذا تحملين من ذكريات عن المدرسة؛ وما مدى اهتمام والديك بالإشراف على تدريسك في ذلك الوقت؟

بدأت الحكاية قبل المدرسة؛ كان أبي، بارك الله فيه، يشتري لي قصصًا في عمر باكر؛ وكان يقول لوالدتي: “اتركيها تعتاد الوَرَقَ وتَقليبَه والنظرَ للرسوم حتى لو مَزَّقَتْه” بالفعل، بعد فترة لم أَعُدْ أُمَزِّق الورقَ وكنتُ أحب القصص والكتب حتى قبل إتقان الكلام.

 

سجلني والدي في مدرسة خاصة في مدينة حَلَب؛ لأنه كان يريدنا أن نركز على اللغة الإنجليزية، وكان عندما يسافر يُسجِّل لنا دروس الإنجليزية على كاسيت لكي يبقى لدينا مرجعٌ صوتي مع الكتاب؛ أما والدتي فقد اهتمت بنا كثيرًا من الناحية الدراسية؛ كانت تشجعنا وتشتري لنا هدايا لها علاقة بالكتابة والقراءة؛ وتخصص لنا دفترًا لتحسين الخط وعندما يمتلئُ تهدينا أشياءَ قيَّمة، لكن والدي كان حريصًا على ألا يتحول اهتمامها ومساعدتها لنا إلى اعتماد عليها من قِبَلنا؛ ولطالما قال لها: “لا تكوني عكَّازًا لهم، يجب أن يعتمدوا على أنفسهم”.

 

لاحقًا لم يكن والدي يتدخل في دراستنا مع أنه مُجاز في الرياضيات والفيزياء، لكن إذا كان لدينا سؤال أو تطلب الأمر مساعدة كان يجيب.

 

هل شعرتِ بأنه ثمة ما تفتقده المناهج والنظام التعليمي “على أيامك”؟

انتابني هذا الشعور عندما افتتح والدي معهدًا للغات في حلب وانتقلنا من المدرسة الخاصة للحكومية، باعتبار أنه تم توفير فرصة تعلم اللغة في المركز لديه. هنا شعرت باختلاف كبير المستوى من حيث عددُ الطلاب والاهتمام والأنشطة التعليمية ونوعية المناهج وحداثتها، لكن بشكل عام كنت متفاعلة ومتفوقة في أغلب السنوات.

 

بعد أن ألحقتِ أبناءك بالمدارس.. ما أهم الملاحظات التي كانت تستوقفك في أثناء تدريسهم؟

من البداية كان لدي تصوُّرٌ واضح نوعًا ما. أذكر أنني في أول لقاء مع مديرة المدرسة عندما كانت تخبرني عن جودة مناهجهم، وأنها تضم آخر وأحدث معلومات في عصرنا؛ قلت لها أنا مهتمة جدًّا بالمهارات؛ اليوم نحن في تطور متسارع جدًّا؛ المعلومات بحد ذاتها لا تهمني، لأن حتى قوانين الفيزياء (قد) تتغير عندما يكبَر الطفل. هناك مفاهيم تعلمناها الآن اختفت تمامًا. أريد لابني أن يتعلم كيفية البحث عن المعلومة ومناقشتها ومهارات التحليل والتركيب والفهم والنقاش. أذكر أنها عبرت عن دهشتها بالقول: “أنت أول أم تقول لي هذا الكلام”.

 

سجلت ابني الأكبر في مدرسة دولية كانت قد فتحت أبوابها حديثًا لأول سنة. زرت المدرسة وأعجبتني طريقتهم التي اعتمدت على تدريس الطلبة في مجموعات من ٥ أطفال ثم تغادر المجموعة إلى مساعِدة المعلمة التي تساعدهم على تطبيق المعلومة؛ لتكمل معلمة الصف تعليم البقية في مجموعات متلاحقة.

 

العدد كان صغيرًا والقاعات كبيرة، وفيها جزء من مكتبة داخلية؛ كان كل شيء نموذجيًّا في البداية، لكن مع الوقت تغيرت الإدارة وأصبح التعليم تقليديًّا جدًّا؛ ولم أعد راضية عن القيمة التي كنا نحصل عليها مقارنة بالرسوم المالية التي كنا ندفعها. واعتبرْ أنها تجرِبة جيدة.. لكن لو اخترتُ التعليم المنزلي من البداية لربما كنتُ سوف أشك إذا ما كانت المدرسة أفضل لهم..

 

في المدرسة الاهتمام ليس محوريًّا لكونه يتوزع على البقية، من الممكن أن يتم القفز لدرس آخر رغم عدم إتقان الطفل للمفاهيم، وهنا ينبغي أن تضعي مدرسًا خاصًّا أو تسجلي بمركز خاص؛ وهو الأمر الذي يضاعف التكلفة ويهدر الجهد والوقت؛ التقارير لم تكن تعكس حقيقة المستوى الفعلي للأولاد؛ أحيانًا تكون علاماتهم في مادة غيرَ جيدة، وأنا أعرف أن الطفل أفضل من هذه العلامة؛ وأحيانًا تكون نتيجة الاختبار جيدة، وأنا أعرف أنهم بحاجةٍ للمزيد من التدريب لترسيخ المعلومات.

 

ما الظروف التي أدت بك إلى هذا الخيار؟

ظروف عائلية مرتبطة بالإقامة والسفر؛ بعد أن سحبت الأطفال من المدرسة، ولم يتم السفر قررت عدم إعادتهم إليها.

 

في العالم العربي ما مدى الاقتناع بتوجه من هذا النوع لدى الأهالي؟ وما الظروف العامة التي تدفع إليه؟

 

 

تتنوع أسباب اللجوء للتعليم المنزلي، هناك أشخاص غير راضِين عن مستوى التعليم المقدم لهم، وآخرون لدى أطفالهم إعاقات أو صعوبات في التعلم أو أشخاص عندهم صعوبات مالية ربما، أو يعيشون في بلدان لا يتوافر فيها التعليم المجاني.

 

وبالمناسبة أحيانًا تقوم الأم بتعليم طفل واحد فقط تعليمًا منزليًّا، وأنا شاهدت مثل هذه الحالات حيث كانت ابنة صديقتي متفوقة، وتتعرض للتنمُّر بالمدرسة، وهي حساسة جدًا؛ فتولت الأم تعليمها في المنزل، وكانت النتائج رائعة.

 

هناك أيضًا من يدورون حول ذواتهم تمامًا، ووجود الأطفال في حياتهم مجرد “كادر” يكمل صورتهم كأشخاص تزوجوا وكونوا أسرة. في مثل هذه الحالات تجدين الشغل الشاغل للأم هي كيفية التخلص من الأطفال بشكل مستمر صيفًا وشتاءً وحتى بعد المدرسة.

 

للأسف، هي فقط لم تمتلك المعلومات الكافية ولم تتدرب على كيفية التربية والتعامل مع الطفل والاستمتاع بهذه الهبة الجميلة من الله.

 

ما القيمة التي ارتأيتِ أنك بوسعك تقديمها لأطفالك إلى درجة أنها تفوق تلك التي تقدمها المدرسة؟

حددت قيم التعليم مع أطفالي من البداية وكانت المرح والحرية والمرونة. يجب أن يكون اكتساب المعلومة ممتزجًا بالمرح واللعب؛ لأن المعلومة عندما يتم اكتسابها في حالة شعورية جيدة تثبت تمامًا وفورًا.

 

أما عن قيمة الحرية؛ ففي بعض الأحيان نقضي اليوم الدراسي في المكتبة العامة أو الحديقة أو المتحف بمعنى ألا نتقيد بمكان أو زمان. أحيانًا نقرأ درس القراءة خلال انتظارنا لطلب في مطعم أو ريثما يتم غسيل السيارة.

 

وعن المرونة أحيانًا أشعر بأن ابني لا يركز معي في درس الرياضيات؛ فأغيِّر الجدول، وابدأ بشيء ثانٍ سهل له. وأقول لنفسي في بعض الأحيان نحن الكبار لا نجد أنفسنا جاهزين لنقاش موضوع ما في كل وقت. والمرونة أيضًا في تجاوز فصل معين بسرعة أو الاستمرار بالتدريب عليه وفق احتياج الطفل نفسِه؛ فكل طفل يختلف باستيعابه

 

هناك توفير للكثير من الوقت الخاص بالمواصلات التي كنا نحتاجها للوصول للمدرسة واستثماره في أشياء أرى أنها مهمة كالبرمجة والطباعة على الكمبيوتر والمهارات الشخصية؛ بالإضافة لتعزيز الترابط والتواصل بيني وبين الأطفال بشكل إيجابي جدًا؛ فقد صرنا أقرب.

 

بين التحديات والاستمتاع بالأمومة

ألا تشعرين بأن أبناءك قد يفوتهم شيء مهم ضمن النظام المدرسي لا سيما أن كل معلم فيها متخصص في مادة معينة؛ ناهيك عما توفره أجواء المدرسة من انضباط ونظام ؟

المدرسة نظريًّا نظام جميل جدًّا. أكرر.. نظريًّا! هناك معلم مؤهل ومتدرِّب يتعامل مع عدد من الطلبة ولديه سعة صدر، ويشرح للطالب ويكرر تدريبه ليصقل له المعلومة، يجد نقاط القوة لديها ويعززها ويشجعه وينتبه لنقاط الضعف لديه ويتم تغطيتها. لكن هل هذا ما يحدث فعلًا؟ هل جميع المعلمين مؤهلين بالدرجة المطلوبة فعلًا؟ أنا كنت أجد رياض أطفال تعيِّن معلمين صف بشهادة ثانوية في مرحلة يمكن اعتبارها من أخطر مراحل تعليم الطفل؛ هل هم فعلًا بمزاج جيد غالب الوقت (لم أقل كل الوقت). مَن يعرف أصدقاء معلمين يعرف أنهم تحت ضغط كبير طوال الوقت بسبب عمليات التحضير والتوثيق الخاصة بالمدرسة والوزارة. بالإضافة إلى أن الموضوع أصبح تجاريًّا وأحيانًا ميزانية المدرسة و”الربحية المطلوبة” تؤثر في استقطاب ذوي الخبرة.

 

عدد الطلاب في الصف له أثر أيضًا؛ أحيانا يكون التعليم مملًّا للطفل لو كان مستواه متقدمًّا في مادة ما وأحيانًا فيه تحدٍّ إذا لم يُراعَ تأخرُه في فهم فكرةٍ ما، وهنا تكمن الخطورة فقد تتشكل فجوة في تعليمه، تؤثر على تمكنه من المعلومات التي سيكتسبها لاحقًا.

 

من جهة أخرى التنوع الاجتماعي والاختلاط ليس بالضرورة دومًا إيجابي، الكثير من الأمهات يشتكين من تعلم أبنائهن لمفاهيم تتضارب مع قيم البيت، أو تقول لك ما أربيه عليه في البيت يضيع نتيجة ما يكتسبه في المدرسة ممن حوله.

 

قد يراه بعض الناس جزءًا من الحياة، وهو التعرف على نماذج طيبة وشريرة، لكن بالنسبة لي لا أرى أن الطفل مُهّيَّأٌ لتشكيل موقف أو الدفاع عن نفسه في عمر مبكر. أما بالنسبة للنظام والانضباط، اليوم في بيتنا النوم باكرًا هو جيد للصحة، وهو جزء من نظام الحياة؛ ولم يعد مرتبطًا بالعبارة الشهيرة: “نام بكير بكرة في مدرسة”. وهذا رائع.

 

 

ما التحديات التي واجَهَتْكِ في هذه الرحلة؟

نعم، كان عندي تخوُّف من القدرة على ضبط الأمور، وفيما إذا كنتُ سأنجح في التطبيق والتنظيم وإدارة عملية التعليم بالشكل الصحيح. وهذا خوف عند الجميع في التعليم المنزلي، هل ما أعطيه لهم كافٍ ومناسب؟ ولكن أدركت لاحقًا أن هذه الأمور طبيعية جدًّا؛ في أثناء هذه العملية أتعلم وأكتسب خبرة أنا أيضًا.

 

بالنسبة للانتقادات، طبعًا، بعض الأشخاص صُدموا في البداية لكوني إنسانة مثقفة ومتعلمة فأخذوا الموضوع وكأنه تهاوُن بمستقبل أطفالي.

 

والدعم الكبير الذي أقدره في زوجي هو سماحُه لي بخوض هذه التجرِبة؛ وإذا كنت مشغولة قد أطلب منه قراءة القصص أو تدريبهم على الخط العربي؛ وقد عبَّر لي لاحقًا أنه بالبداية كان لديه تخوُّف لعدم درايته بكيفية تطبيق الفكرة، ولكن بعد فترة بسيطة تبددت مخاوفه، وهو ممتن جدًّا للنُّقْلة التي تمت في حياتنا.

 

أَدْخَلتِ مادة التفكير النقدي ومهارات الحياة؛ والبرمجة؛ ما مدى تفاعل أطفالك مع هذه المدخلات الجديدة.. ألا ينتابهم الملل أحيانًا؟ 

على العكس تمامًا، تدريبات التفكير النقدي هي عبارة عن أنشطة أسبوعية بسيطة أشبه بالألغاز والمسابقات التي يمكن أن أجعلهم يحلونها حتى مع أبناء الجيران على سبيل المثال.

 

أسس التفكير النقدي قد يتم ترسيخها بنقاش في سياق حياتنا العملية أو المواقف المختلفة التي يتعرضون لها؛ ومثله مهارات الاستماع أو التعاطف مع الآخرين أو نقد ما لا يعجبهم.

 

بالنسبة للبرمجة، بدأنا بالجاڤا، واخترت موقعًا تعليميًّا فيه فيديوهات ودعم مباشر من معلم ومرتبط بلعبة (ماين كرافت) التي يحبها أطفال هذا الجيل كثيرًا، وبذلك لم يشعر أساسًا أن هناك شيئًا مفروضًا عليه، ويجب تعلمه، بل هو يتعلم لغة برمجة لأحبِّ لعبة إلى قلبه، وهذا ما جعله مهتمًّا، ومستمتعًا جدًّا.

 

آلية تقديم الاختبارات.. لو أنك توضحها لنا؟

الاختبارات مستمرة تقريبًا ولها نوعان. منها ما هو إلكتروني على موقع المناهج التي اخترتها والبقية تتم عن طريقي. إلكترونيًّا على سبيل المثال أنا أحدد أن علامة النجاح في الرياضيات هي ٨٠؛ فإذا كانت نتيجة اختبار الطفل أقل فلن ينجح في الدرس. أما بالطريقة التقليدية أقوم بإعداد ورقة الاختبار أو إعطائهم أوراق اختبار جاهزة تأتي مع المنهج. ثم يتم إبلاغ “الأكاديمية” التي تسجِّل معي النتائج مع العلم أن هذه الأكاديمية لا تقبل نتائج اختبارات متدنية؛ لأنها بالنسبة لهم غير مقبولة ولا مبرِّر لها.

 

إذا كنتِ تدرِّسين طفلًا لوحده فيجب أن يفهم ويجيب بشكل جيد؛ وإذا كانت العلامة متدنية قد يقدموا لكِ الدعم لتعيدي شرح المعلومة، وينجح الطفل بعلامة جيدة.

 

ما التحديات التي يجب أن تستعد لها الأم في حال اتخذت هذا القرار؟ وهل من مهارات يتعين التحلي بها؟

الحاجة لاعتماد هذا النوع من التعليم من الجهات الرسمية هو التحدي الرئيس. بالإضافة لتحديات أخرى؛ منها انضباط الأم وقدرتها على التنظيم والالتزام، وتشجيع الأطفال على الالتزام؛ ومواجهة الضغط النفسي الناتج أحيانًا عن المجتمع ورغبتها بإثبات أن أبناءها لا يفوتهم شيء، بالإضافة للجانب الاجتماعي والتفاعل مع أطفال آخرين.

 

بالنسبة لمهارات الأم، من المهم التنظيم والانضباط وسعة الصدر والتخفيف من نبرة الوعظ وفهم آلية التعلم وبناء العادات التي تستغرق وقتًا.

 

والأهم من كل شيء الاستمتاع بأمومتها وأخذ موضوع التعليم بصدر رحب وبشكل تلقائي، وليس كعبء أو ضغط نفسي أو واجب ثقيل كل يوم تعيشه مع أطفالها هو فرصة ونعمة ربانية.

 

ماذا لو كانت الأم عاملةً أو حتى ثقافتها عادية؛ برأيك سيكون الأمر صعبًا؟

لو كان عملها دوامًا كاملًا؛ فالموضوع صعب، ولكن ليس مستحيلًا خصوصًا إذا كان الوالد يشارك في التعليم. أما بالنسبة لموضوع الثقافة فالأم معلمة بالأصل. هي تقوم بالتعليم بشكل دائم، وبترسيخ وزرع قيمها وأفكارها، وتوجِّه الطفل، وتُكَرِّر التوجيهات وتضرب الأمثلة.

 

هي معلمة بفطرتها وأعتقد أن الكثير من الأمهات سوف تستفيد أصلًا من موضوع التعليم؛ لأنها ستتعلم أيضًا معهم خصوصًا إذا بدأت من المستويات الأقل.

 

الأطفال بطبيعتهم يحبون الانطلاق وفي مجتمع المدرسة يبدأ تكوين العلاقات؛ ألا يحدُّ التعليم المنزلي من المهارات الاجتماعية؟

التعليم المنزلي يعتمد أيضًا على تكوين علاقات اجتماعية ضمن مجتمع التعليم المنزلي نفسه فيما يتوقف الأمر على نشاط الأهل. عندما لا يكون الطفل بالمدرسة وخلال العطلة الصيفية هل ينعزل الطفل بالضرورة عن المجتمع! هذا الموضوع مرتبط بالأهل أكثر.

 

ما الأنشطة التي تتشاركين فيها مع الأمهات اللاتي اخترن هذا التوجه؟

هناك أنشطة رياضية أو حتى القيام بعملية التعليم خارج البيت أو في المكتبة أو التجمُّع من أجل اللعب في الهواء الطلق. بعض الأمهات ينظمن نشاطات للبنات فيها طبخ وخياطة وتطريز أنا أجد ذلك رائعًا جدًّا؛ الأم ليست بحاجة لكَمٍّ كبير من التأهيل. هذا التأهيل ضروري للمعلمة؛ لأنها تتعامل مع أنماط تعلم مختلفة وأعداد كبيرة من الطلاب.

 

في البيت الموضوع أبسط فقد تتفاجئي أن الدروس لا تحتاج لوقت كبير؛ أحيانًا تشرحي بعض المفاهيم في المطبخ أو في السيارة.

 

حلٌّ متاح بمزايا حقيقية

ما أنماط التعليم المنزلي الشائعة، وكيف تتوزع على المراحل العمرية؟

هناك فلسفات للتعليم المنزلي أشهرها التعليم المنزلي الكلاسيكي، اللامدرسة، والدروف؛ “شارلوت ميسون”، منها ما يركز على القراءة أكثر مما يسمى الكتب الحية أو التفاعل خارج البيت؛ بعضها يركز على الأنشطة وبعضها يركز على أهمية تحميل الأطفال المسؤولية والمراحل العمرية مشابهة للتوزيع؛ لكن يختلف تطور الطفل؛ فبعضهم قد يتقدم أكثر ليتميز في مادة معينة دون غيرها مثلا.

 

هل وجدتِ مقاومة من أطفالك في بداية الأمر؟

لا، حدث الأمر بشكل تلقائي. أحدهم كان يطلب مني التعليم المنزلي مسبقًا؛ لكوني تحدثت عنه عدة مرات أمامهم في السنوات السابقة. توقعت مقاومة أكبر بصراحة، ولكن ما إن لمسوا الفرق في مستواهم والحرية في حياتهم حتى تحمسوا له؛ والآن فكرة العودة للمدرسة مرفوضة تمامًا ومجرد الحديث عنها يمكن أن يعتبروه تهديدًا.

 

هل من جدول محدد للتعليم كل يوم؟

 

 

 

هناك جدول إلكتروني يمكن للأطفال الدخول إليه؛ وغالبًا ما أفرد فترة الصباح للمواد الأساسية؛ العربية والإنجليزية والرياضيات؛ وكي أتجنب أن يكون التعلم لفترة طويلة قسمت المواد.

 

ندرس ٤ أيام في الأسبوع العلوم دومًا بعد العصر مع شرب الشاي.

التاريخ والجغرافيا هي قصص ما قبل النوم غالبًا وأحيانًا تكون خلال اليوم فقط إذا كان هناك رسم خرائط أو متابعة فيديوهات يوتيوب ذات صلة.

يوم الخميس فيه فقط البرمجة والتفكير النقدي ومهارات الحياة والإملاء.

 

عندما يكون لدي عمل يمكن للأطفال الدخول للجدول الإلكتروني وتطبيق مهام اليوم التي يمكنهم إنجازها لوحدهم. وكما ذكرتُ المرونة هي إحدى قيمنا، أعتبر نفسي في طور الاختبار لما هو أكثر كفاءة؛ لأن هذا النظام جديد علينا؛ مؤخرًا قررنا بدء الدراسة بعد صلاة الفجر، حتى الضحى فهذه أوقات إنجاز؛ وسوف نرى إن كانت ستنجح كما أتوقع.

 

بالتأكيد صادفتِ قصص نجاح رائعة في هذا المجال تمنيتِ أن تسيري حذوها؛ وقد تكون لنماذج غربية؛ أليس كذلك؟

لدي صديقة بريطانية من أصول عربية. هي معلمة وتعلمت بدورها ضمن منظومة التعليم المنزلي، ابنتها الآن بعمر ١٤ سنة، وسوف تختبر للجزء الأول من الثانوية العامة وفق نظام ” IGCSE”.

 

في هذا الشهر وفي العام المقبل ستنهي الجزء الثاني من الثانوية؛ البنت تكتب شعرًا وقصصًا قصيرة، ركزت معها والدتها على ما تحب، مع تدريسها المواد الأخرى بالحد الأدنى.

 

وأتابع الكثير من السيدات الغربيات، وانبهرتُ بهن؛ لأنك تجدين أحيانًا أمهات لأربعة أو خمسة أطفال، وتجدينها صاحبة مدونة وتقوم بإعداد مواد تعليمية، ثم تبيعها لاحقًا ولديها عشرات الآلاف من المتابعين على يوتيوب. مع العلم أنهن ليس لديهم خدم. لكن أسلوب التربية والتفويض للطفل وتحمُّل المسؤولية في البيت ومشاركتها في العمل وتقليل الاهتمام بالمطبخ (الوجبات التي تستهلك وقتها) وترتيب أولوياتها في الحياة ونشاطاتها الاجتماعية كلها أمور من الجميل أن نتعلمها منهم ونطبقها أيضًا. أحرص على متابعة قصص النجاح مع تقديري لاختلافاتنا في الثقافة وأجدني أميل للتركيز على كونها ملهمة وتَشْحَذُ همتي؛ وفي الوقت نفسه أنتبه ألا أقع في فخ المقارنة أو الشعور بالتقصير.

 

في أي حال يمكن أن تتراجعي عن الأمر وتعيدي الأطفال إلى المدرسة؟

لو أتيحت لي فرصة الهجرة للغرب فهناك بلدين فقط قد أجرِّب إعادة الأطفال للمدرسة فيهما؛ كندا وفنلندا.

 

ما مدى مواكبة التعليم المنزلي لتطورات العصر لا سيما على المستوى التكنولوجي؟

أجدها كبيرة جدًّا، ومن غير المجدي فصل الأطفال عن التكنولوجيا واعتبارها مشكلة فهذا جزء من عصرهم وحياتهم ومستقبلهم.

 

ما هي بصمتك الخاصة التي استطعتِ وضعها في هذه التجرِبة؟

لكل أم بصمة مميزة عندما تختار مناهج متنوعة وفلسفة إيصال المعلومة أيضًا والأنشطة التي تختارها مع أطفالها ووفقًا لرغباتهم.

 

بالنسبة لي اللغة الإنجليزية نتعلمها بمعايير بريطانية (عدا الإملاء منهج أمريكي لأنه ممتع جدًا ويستخدم مختلف الحواس) والرياضيات بمعايير أمريكية، والتاريخ والجغرافيا واللغة العربية من دار الفكر في لبنان؛ والتربية الإسلامية من جمعية المحافظة على القرآن الكريم في الأردن.

 

ولم أحاول من قبل إقناع أمهات أخريات بالأمر؛ فذلك ليس من أولوياتي. كل ما يمكن أن أفعله هو أن أتحدث عن تجربتي في بعض الأحيان أو ألفت نظر بعض الناس إلى هذا الحل المتاح فهناك الكثير من الأمهات، كما سبق أن قلت، يحتاجون لهذا الحل، ولا يعرفون بوجوده أو مزاياه الحقيقية.

 

شكرًا جزيلًا لك.. هل ما تودين قوله في ختام هذا الحديث الممتع؟

علينا أن نعيد التفكير في قبولنا للنظام المدرسي بطريقة إبداعية ونفكر خارج الصندوق. لو أتيت أنا من زمن آخر خارج هذا الزمن تمامًا، ونظرت للتعليم بشكله الحالي هل سوف أقبل به لطفلي؟ غرفة فيها عدد كبير من الطلاب بينما تحدث عملية تعليمية عن الحياة وقوانينها بين هذه الجدران. الكلام ممنوع والأكل ممنوع خلال التعلم طبعًا والخروج ممنوع وكل شيء بإذن. هل التعلم يجب أن يحدث بالضرورة بهذه الصورة؟ مع زيادة الوعي عالميًّا إذا لم يتغير شكل التعليم فهو إلى زوال، برأيي.

 

في عالمنا العربي هناك قابلية لتطبيق التعليم المنزلي؛ فإن كثيرًا من الأمهات أكاديميات، وبلا عمل، ويشعرن بالملل والمدارس الخاصة غالية، ولا تقدم دومًا ما تريد الأم. هناك الكثيرات من المغتربات أيضًا يمكنهن توفير تعليم بقيم إسلامية أو بقيمهن الاجتماعية خارج نظام المدرسة؛ لكن تقديم نماذج جيدة وناجحة سيؤثر بلا شك في انتشار الفكرة أكثر.

 

بانة بيري تجيب عن الأسئلة حول التعليم المنزلي



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك