بهية “مُعلمة الدين” التي “أدغمت” طالباتها ونامت مُبتسِمة

14 فبراير , 2018

هل تساءلتُم عن مُعلِّم انضمَّ إلى سِلكِ التعليم حديثًا؛ وأثبتَ منذ اليومِ مقدرتَه على الإبداع في مادةٍ دَرَجَتِ العادةُ أنْ تَتَّسمَ بالجمودِ، وهي مادة التربية الإسلامية؛ المعلمة الفِلَسطينية بهيَّة النتشة هي من ذلك النوع؛ لذا ارتأت مراسِلة “شبكة زدني” أن تصحبكم معها في رحلة ممتعة برفقة تلميذات المرحلة الابتدائية.

 

بهية ابنة مدينة الخليل البالغة من العمر (29 ربيعًا) وزوجة الأسير ماهر الهشلمون المحكوم عليه بـمؤبدين؛ تحاول أن تحقق هدفَها في الحياة من خلال مهنة خلَّاقة؛ ويا لَجمال البصمة التي تحاول تركها؛ تقولُها ببراءة وصدق؛ فتخرُج عبارتُها من القلب: “لو أن طالبةً واحدة في كل المدرسة تغيَّرَتْ حياتُها بسببي نحوَ الأفضل؛ فكان لديها هدفٌ راسخ والتزام بالأخلاق، ورَبَّتْ أبناءها على ما علمتُها إياه؛ فإن هذا يكفي أن أقابل به الله عز وجل؛ لو أني بالفعل استطعتُ أن أغيِّرَ في المجتمع ولو بنسبة 1% ؛ سأكون سعيدةً بأن تركْتُ بعد خروجي من الصف أثرًا في طالباتي للأبد”.

 

مع طلابٍ خياليِّين

تستهل حديثَها لــ مراسلة “زدني” بالقول: “حين كنتُ صغيرةً تمنيتُ أن أصبحَ معلمةَ دينٍ أو إنجليزي؛ كان طموحي أيضًا يذهب باتجاه أن أكون داعيةً؛ وبمرور الوقت صار هاجسي ألا أغادر الدنيا إلا بعد أن أترك أثرًا طيبًا فيها”.

 

وتحمل بهية الكثيرَ من مشاعر الوفاء نحو مرحلة الثانوية العامة التي قَضَتْهَا في المدرسة الشرعية للبنات في الخليل؛ تقول عنها: “هذه المدرسة للأيتام وأبناء الأسرى؛ نشأْتُ فيها مع أناس من كلِّ الطبقات؛ أما معلماتي فكنَّ إما زوجات شهداء أو بناتهم أو أمهاتهم؛ كانت هناك أجواء إيمانية عالية من قِبل كل المعلمات؛ حتى أن جنود الاحتلال عندما يعرفون أني درستُ فيها يهزُّون برأسهم”.

 

“الست نادية” هي واحدة من أكثر المعلمات اللاتي تأثَّرَتْ بهن بهية؛ وهذا هو السبب: “حتى الآن حين أقابلها فإنني أناديها بــ “الست نادية” كان يعجبني في معلمتي قوة إيمانها؛ فهي أم لشهيدين؛ ولطالما حكَتْ لنا عنهما باستمرار؛ إنني فخورة أنني نشأت على يد معلمة عظيمة مثلِها”.

 

ولا تنسى أبدًا معلمةً لم تدرس لها، ولكنها كانت مثارَ إعجابٍ من الطالبات في ذلك الوقت؛ تقول عنها: “كانت خطيبة أسير ومحكوم عليه بسنواتٍ طويلة؛ كم غريب أن تنتظره كل تلك السنوات.. هذا ما كنا نقوله لبعضنا؛ وبعد خروجه بثلاث سنوات استشهد؛ حتى الآن كلما رأيتها أشعر بالإجلال”.

 

حين سُئِلَتْ: “تُرَيْنَ ما مدى إيمانك في السابق أن لديك روح المعلمة” تضحك بهية التي تتمتع بطاقة إيجابية فريدة، وتقول: “كانت لديَّ طريقة معينة في الدراسة؛ أتخيل فيها أني أقف أمام مجموعة من الطلبة وأقوم بتدريسهم؛ كنتُ دائمًا أضع هدفًا نُصبَ عيني أني لا أدْرُس لمجرد تحصيل العلامات بل لكَسْب العِلم؛ الجميل في الأمر أني لطالما استشعرت قدرتي على توصيل المعلومة للطلاب الخياليين؛ أبي وأمي كانا يدعماني؛ لكن لم يَتَنَبَّهَا لقدراتي؛ والمفارقة أنه بعد العملية التي نفذها زوجي تفاجأ الجميع بالشخصية التي امتلكها؛ أما أنا فكنتُ أؤمن بنفسي وما زلت؛ وموقنة أن ثمة قدرات لدي لم تتكشَّف بعد”.

 

بعد انتهاء بهية من الثانوية العامة؛ ومع أنها كانت من المتفوقات إلا أن صاحب الحظ السعيد ماهر أقنعها أن يعيشا الفرح معًا في عُمْر باكر؛ فبدأَ مسير حياتها يتغير؛ تبتسم في حضرة الحكاية: “كنتُ في البداية تائهةً؛ لأني حمَلْتُ المسؤولية باكرًا؛ وددت الالتحاق بكلية اللغة الإنجليزية التي تستحوذ على اهتمامي حتى اللحظة؛ لكن الجميع نصحني بأن أعباء الدراسة فيها كبيرة؛ فاخترت كلية التربية الإسلامية لا سيما أن دراستي في المدرسة الشرعية جعلني ملمَّةً أكثر؛ وفي المرحلة الجامعية تأثرت كثيرًا بأستاذ يدعى “أيمن بدارين” إلى درجة أني اقتديتُ به؛ فقد كان أسلوبه ملهِمًا يرتكز على النقاش؛ وجعلني لاحقًا أشارك المعلومة مع الطالب ولا أكون مصدرها فقط”.

 

ننتقل إلى مرحلة أخرى مفصلية في مسيرة ضيفتنا المهنية؛ إنها “مرحلة التدريب” في المدارس؛ تتذكر ذلك بكثيرٍ من الامتنان: “لا أنسى فضل معلمة رائعة تلقيتُ التدريب على يدها؛ فقد أعطتني خلاصة تجربتها بكل مصداقية؛ وفي المقابل هناك معلمات يتخلصن من أعبائهن بإعطائها للمتدرب؛ أما هذه المعلمة منحتني الأسرار والنصائح؛ وشجعتني على الشرح حتى تقوِّمَني وترشدَني”.

 

ولا تنسى موقفًا محرجًا تعرضَتْ له في أثناء التدريب: “ذات يوم قررَتْ مديرةُ المدرسة أن تشاهد أدائي؛ حضَّرْتُ للدرس جيدًا مستخدمة الــ “باور بوينت”- برنامج العرض التقديمي للشرائح-  واستخدمتُ مقاطعَ فيديو وأعددت لكل التفاصيل بشكلٍ رائع؛ غير أني لم أضع بعد كلمة الرسول “صلى الله عليه وسلم”؛ فإذ بالمديرة تترك الحصة؛ أُقِرُّ أنه كان خطأً مني، وبما أني معلمة تربية إسلامية كان يتوجب أن أركز على الصلاة على رسول الله؛ انزعَجْتُ من الموقف، ولكني بفضل الله تجاوزته؛ حتى أن المعلمات المتواجدات أَثْنَيْنَ على أسلوبي”.

 

من قال إنها مَهمة سهلَة!

“هناك من يظن أن تدريسَ منهاج التربية الإسلامية أمرٌ سهل إلى درجة أنه في الماضي كان أيُّ مدرِّس من التخصصات الأخرى يتولى الْمَهمَّة”.. عند هذه النقطة تقف المعلمة بهية ابنةُ العامين في خبرتها؛ وتستفيض فيها معقبةً: “إنها أمانة كبيرة يجب إيصالها بطريقة صحيحة؛ أرى أن أي خطإ في مسألة العقائد أو الفقه مصيبةٌ بمعنى الكلمة، خاصةً في الصفوف العليا؛ إنها مَهمَّة ليست باليسيرة؛ وإن كان سابقًا معلمُ اللغة العربية أو التاريخ أو الرياضيات يُكلَّف بتدريس مادة الدين؛ فإنه مهما كان لديه بعض الإلمام والثقافة الدينية فإنه لن يكون بمقدوره أن يعطي التلاوة والتجويد وأن يشبع الطالب في هذه المسألة؛ إذ لا بد من إتقانهما على خير وجه؛ والسؤال: هل يقبل هذا المعلم أن يتخرج على يديه جيلٌ لا يعرف أن يقرأ قرآنه بطريقة صحيحة مُتْقَنَة؛ لا سيما أن التلاوة والتجويد فرض عين على كل مسلم؛ لذا عادةً ما أُعاني حين أتسلم صفًّا كان يدرِّس له من قبلُ معلمٌ ليس مختصًّا في التربية الإسلامية؛ وأبسط مثال أن لا يجيدوا الإدغام والغنة بشكلٍ سليم”.

 

وعن نهجها الذي تتبعه في التدريس؛ تؤكد المعلمة بهية أنها تحرص على إيصال المعلومة بطريقة جميلة بعيدًا عن التقليدية؛ موضحة مقصدها: “دائمًا أضع نفسي مكان الطرف الآخر؛ و لو أن أحدًا تحدث معي في الدين بطريقة متميزة سأتجاوب أكثر؛ لذا أبذل قصارى جهدي في التنويع، وهنا أنوِّه أني في دراستي الجامعية قمتُ بالتحويل من كلية أصول الدين التي تتسم بالجمود إلى أساليب تدريس التربية الإسلامية؛ مما أفادني إلى حدٍّ كبير؛ وجعلني قادرةً على ضبط الصف والتعامل مع الفروق الفردية؛ حتى بِتُّ أعرف مفتاحَ كلِّ طالب والأسلوبَ المناسب لإيصال المعلومة له”.

 

وتُعدد الأدوات التي تستخدمها: “جهاز “إل سي دي”؛ واللوحة التفاعلية؛ والبطاقات؛ والدراما والتمثيل؛ والكرسي الساخن؛ وتشرح الأداة الأخيرة: “إنه استراتيجية جديدة وجميلة رَاقَ لي استخدامها مؤخرًا؛ ففي نهاية الحصة أختار أي طالبة بشكلٍ مفاجئ، وأدعوها للجلوس على الكرسي أمام السبورة لتقدم التغذية الراجعة؛ وأطلب من البنات أن يوجِّهوا لها الأسئلة، ومن المفترض أن تجيب عنها الطالبة بشكلٍ صحيح؛ وهكذا يراجِعْنَ الدرس؛ ذلك أن الطالبة قد توصل المعلومة أفضل من المدرسة لقربها من مستوى تفكيرهم”.

 

ويغلب المرح والدعابة على حصص بهية النتشة؛ ونعايش هنا بعض المواقف بخفة ظلٍ تميز شخصيتها: “بمجرد أن أدخل الصف أكتب الأهداف على السبورة؛ وأحيانًا أرسم فتضحك الصغيرات من رسمي؛ على سبيل المثال النون الساكنة والتنوين؛ أرسمهما على شكل فتاة وشاب؛ وكأنهما يتزوجان وينجبان أربعة أبناء؛ فأحكي لهن عن كل ابنٍ بطريقة؛ أحيانًا ألتقط الصور لنا ونحن نغني معًا؛ وأطلبُ منهنَّ أن يسامحنني إذا ما تعاملت معهنَّ بعصبية؛ ولو حدثَتْ مشكلةٌ بين طالبتين أعطي نصيحةً فورية؛ بحيث لا أُحْرج أيًّا منهما؛ أما الثواب الذي أستخدمه معهن فهي الكلمة الطيبة كأن أقول: سؤالك مميز أو جوابك مميز؛ أو أن أضمَّها؛ ولا أستخدم الضرب أو الإهانة بالكلام الجارح؛ فمن السهل جدًا أن أضبط طالبة بأسلوبٍ سيء لكن من الصعب بعد ذلك أن أؤثر فيها بمعلومة واحدة؛ وأحرص على أن أضفي أجواء المرح في المواقف المحرجة؛ ذات مرة وقعَتْ طالبة فضحِكَتْ زميلاتها منها، أما هي فكادت تبكي؛ عندئذ سارعتُ إلى القول: “الحمد لله أنه لم يحدث شيء للكرسي” وهكذا نقلتُ انتباههنَّ من الفتاة إلى الكرسي؛ ولو كانت واحدةٌ منهنَّ مريضةً فأوَّلُ ما أفعله حين أدخل الصف أن أطمئن عليها”.

 

وتنقل لنا تجربتها بحيوية قلَّما تُرى: “عادةً ما أحب أن أصغي إليهم حين أتعمد فتح موضوع مطروح على الساحة لأربطهم بالواقع؛ وأحب أن أمسح على شعر واحدة وأربت على كتف أخرى؛ أتذكر في بداية عملي كانت هناك طالبة تتأتئ؛ فاقتربت منها وخفضْتُ من جلستي، وهمستُ لها: “لا بأس أن تخطئي وتعيدي لمرات؛ لا تخافي أو تقلقي أنا هنا لأساندك؛ كانت لهذه الكلمات تأثير إيجابي بالنسبة لها”.

 

وتتابع رسم الصورة : “حين تدخلي على صف مثل الخامس أو السادس فإن مرحلتهن العمرية تتسم بالحركة الكثيرة، وسرعان ما يجتمعن على معلمتهن؛ كما أنه ليس لديهن انضباط؛ ناهيك عن بطئهن في الكتابة؛ ؛ ستضطرين لأن تقولي لهن في كل مرة: “اجلسن مكانكن؛ واسألن وأنتن جالسات؛ ولا يتحدث بعضكن مع بعضٍ”؛ وهذا كله يتطلب من المعلم صبرًا شديدًا؛ وإن لم يضع همومه جانبًا، ويركز في مَهمَّته سيحصد نتيجة ليست في صالح الطالب”.

 

إبداعية من الدرجة الأولى

وفي سؤالها عما إذا ما كانت ترى في التدريس فرصة للتجديد؛ قالت:

“المعلم المليء بالحيوية يستطيع أن يصنع جديدًا في كل يوم؛ حتى في الأمور غير الصفية فإن بِوُسْعِه استحداث الأفكار”

 

وتستكمل: “حسَب وجهة نظري لكلِّ صفٍّ مميزاتُه، حتى وإن كانت المادة نفسها؛ أي أن لكل صفٍ روحَه، ونوعُ العطاء عادة ًما يختلف بحسَب قدرات طلبته وتفاعلهم؛ قد يفتح الله عليَّ في أحد الصفوف؛ فأمد طلابه بمعلومات جديدة لم أقدمها في الصف السابق؛ وفي كل مرة أبحث عن المواهب في الوجوه؛ عبر إشراك الطالبات في الفعاليات المختلفة لأظهر قدراتهن؛ ولعلني ألاحظ أنه بمرور عامٍ بعد آخر يزداد المرء خبرة في استخدام الطرق والوسائل والإستراتيجيات؛ مما يجعل التدريس مهنة غيرَ نمطية؛ بل مليئة بالمفاجآت؛ لا سيما إذا استطاع في كل عام أن يرفع مستوى الطلاب للأعلى؛ ذلك أن تكنولوجيا التربية تنتج العديد من الإستراتيجيات الجديدة؛ فأنا شخصيًّا لأول مرة أسمع هذا العام بإستراتيجية “فكر زاوج ناقش”؛ و “الكرسي الساخن”؛ و”القبعات الستة”؛ نعم إن كل الخيارات باتت مفتوحة على التعليم الذكي الإلكتروني في ظل سعي مستمر لمدرسةٍ بلا حقائب أو اختبارات؛ وأقولها بثقة أن التعليم يكون تقليديًّا لمن هو تقليديٌّ بالأساس؛ أما مَن لديه آفاق لا حَدَّ لها فسيرفع من شأن التعليم حتمًا”.

 

وتؤكد على أنها عادةً ما تنقل الطالبة من مجرد تلقي المعلومة إلى مستوى أن تعيشها ضمن الواقع حتى تستفيد لأقصى درجة ممكنة؛ موضحةً: “في المناسبات المختلفة مثل وعد بلفور أو إعلان ترامب القدس عاصمة لــ (إسرائيل) فإنني لا أكتفي بالإذاعة المدرسية؛ لأن معدل المُستمعِات للإذاعة قليل؛ بل أؤكد على الموضوع داخل حصتي؛ لأن من صميم مَهمتي ألا أقدم معلومة يستثمرها الطالب في العلامات وحسب؛ بل يتوجب علي أن أنقلها معه للبيت حتى تلامس حياته؛ وأكون سعيدة حين أرى تفاعلهن مع القضايا المطروحة على الساحة؛ ليدهشني ارتقاء مستوى النقاش لديهن”.

 

وتوجه رسالتها لكل معلمٍ جديد بابتسامة تعقبها جُمَلٌ من ذهب:

“ضميرك لا بد وأن يكون يقظًا؛ عليك أن تُحضِّرَ لحصتك جيدًا، وتعطي هؤلاء الطلبة، وكأنهم أبنائك؛ وتذكر أن هذا الطالب حين يعود إلى البيت سيقول له أهله: “ليرضى الله عن هذا المعلم” أو أنهم سيقولون: “حسبي الله ونعم الوكيل”.

 

وتضع في أذنها جيدًا قرطًا ما هو إلا نصيحة من مدير التربية والتعليم لها ولزملائها حين تسلموا وظائفهم: “يمكن للمعلم أن يُظهر للجميع مدى إخلاصه ونشاطه وإبداعه ونظامه المحكم سواء للمدير أو الموجه؛ لكن ما أن يغلق باب الصف فإن الأمر سيكون بينه وبين الله؛ هذه مسؤوليتكم، وستسألون عن هؤلاء الطلبة أمام رب العباد”.

 

ومع أنها في البدايات لكنها لا تتوقف عن تطوير نفسها؛ مضيفة: “التحقت بماجستير “أصول الدين” وبعد أن قطعْتُ شوطًا لا بأس به أعيد النظر؛ إذ يمكنني الحصول على الحالة التي تقدمها الدراسة في هذا التخصص من خلال الاطلاع هنا وهناك؛ فقد تبين لي أني بحاجةٍ لأن أستأنف في تخصص “الإرشاد وأساليب التدريس” حتى يتجلى عطائي في المهنة بطريقة إبداعية؛ وهكذا تعلمت أن أتحرى الدقة في اختياري لبرنامج الدراسات العليا بغية تطوير أدائي”.

 

مواجهة الحياة بـنفسية صحيحة

تَحمِل روحُ بهية حزنًا ثقيلًا، ومع ذلك فإنها تتعامل بمهارة مع ذاتها؛ تتحدث بصراحة لــ “زدني” :”عادةً حين أنهض في الصباح يكون مزاجي ليس في محله؛ قد أسمع أنشودة تُذكِّرني بزوجي ماهر وأنا في طريقي للمدرسة؛ فأبكي؛ لكن من المستحيل أن أدخل المدرسة وفي قلبي مثل هذه الهموم؛ ما إن أدخل الصف حتى أعيش أجوائي؛ وأعود وقد نسيتُ ما يؤلمني؛ أحيانًا أقول: “سبحان الله! أنسوني همي”؛ فإن لدي قناعةً أن الطلاب ليس لهم ذنب في هموم معلمهم؛ لأنه مسؤول أمام الله أن يعطيهم حقهم كاملًا”.

 

“لكن إلى أي حدٍّ ملَأَتْ هذه المهنة حياتك يا بهية؟”.. تجيب بسرعة بديهتها المعتادة: “عادةً ما تغمرني السعادة حين أدرِّس طفلاي عُبادة ومريم؛ فما بالك حين أوزع عطاء على 30 طالبة بالصف؛ أي أنني أعيش الأمومة على نطاق واسع؛ ولعل تجربتي جعلتني أقع على اكتشاف قيِّم؛ في العام الأول بعد اعتقال زوجي رفضتُ أيَّ عرض قدُم لي لألتحق بالتدريس؛ لأني لم أشأ أن أهرب من ألمي؛ وهناك من نصحني بإكمال الدراسات العليا حتى أشغل وقتي؛ لكني رفضتُ أن أضغط حياتي، وأغرق في التفاصيل اليومية بهذه الطريقة؛ فقد أحببتُ أن أتعايش مع الألم لأبعد الحدود، وأتفكر فيه، وأتغلب عليه، ثم أواجه الحياة بنفسية صحيحة، حينها فقط أكون قادرة على العطاء؛ لأن صاحب “نفسية الهارب” الذي يحمل همومه للمدرسة مصيره أن ينهار؛ بهية اليوم ليست كما مضى؛ لم أعد أبكي كلَّ يوم مثلًا؛ بل أصبحت أفكر ماذا عليَّ أن أنتج؛ لذا التحقْتُ بالماجستير؛ وبفضل الله فُتحت لي كلُّ الأبواب؛ وبدأت بتفريغ طاقاتي كما ينبغي”.

 

تشاركنا ببعض المواقف التي تحدث في الصف وترسم الابتسامة في ختام حديثٍ مرَّ كالنسيم: “في أحكام التلاوة والتجويد أنتقي إحداهن لتجد الحكم الصحيح؛ بينما بقية الصف يهتف بصوت مرِح يملؤه الضحك: “بحبش دوَّر.. بحبش دوَّر”- كلمات فلسطينية تعني “ابحث جيدًا”؛ وحين يتوصلن لنتيجة مفادها أنه “حكم الإدغام” الذي يعتمد على الدمج ويُعرَّف بــ “دمج النون الساكنة أو التنوين بحرف من حروف الإدغام بحيث يصيران حرفًا واحدًا مشددًّا”،؛ فإنني أحتضهن جميعًا حتى أطبق الدمج؛ لا أعتقد أن واحدة منهن ستنسى الإدغام بعد هذا”.

 

وتتابع بضحكة طيبة : “لاحظت مرة أن طالبة تضع يدها على خدها، وتتأملني طيلة الحصة؛ وفجأة قالت: “مِس أنا بحبكِ”؛ أما الموقف الذي ينعش قلبي حين جاءت المُفتشة لحضور حصة وتقويم أدائي؛ كانت هناك بنت “حجمها صغير” تجلس في المقعد الأول؛ تود أن تخبرني بشيء طوال الوقت؛ لكنها تخشى أن تنتبه الموجهة؛ وحين ختمتُ الدرس قائلة: “في الحصة القادمة سنركز على كذا وكذا “غطست الصغيرة للأسفل، وهمست لي: “ما في حصة جاي يا مِس”؛ وكانت تقصد أن حصص اليوم انتهت؛ فأرادت أن تنبهني لأنها اعتقدت ببراءتها أن ذلك مأخذٌ ستنتقدني فيه المُوجهة؛ حقًّا في نهاية اليوم حين وضعت رأسي على الوسادة تذكرت مشهدها وأغمضت عيني وأنا ابتسم”.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك