بين أمريكا وتركيا.. ميسون “أمٌ” مُولعةٌ بالتعلم

6 أبريل , 2018

متى ما أصبح العلم متعة صار سهلًا

 

في الغرب يُحترم رأي الطفل .. ولا واجبات مدرسية

 

أحاول أن أعمل بنصيحة معلمة “لا تحملّي نفسكِ ما لا تطيق”

 

كم كانت تلك الرسالة عميقة الأثر بالنسبة للطفلة مريم حين وصلَتْها من معلمتها عبر البريد في نهاية العام الدراسي؛ لقد كتبَتْها بخط يَدِها؛ في الوقت الذي كانت عائلتُها تستعد فيه للانتقال إلى تركيا؛ تمنَّت المعلمة للصغيرة رحلة سعيدة، وذكرت في الرسالة “استمتعتُ كثيرًا بتدريسك يا مريم؛ وكم أغبطك؛ لأنه سيتاح لك رؤية عالم آخر، وتعلم لغة جديدة”.

ومن يرى أمَّ مريم – ميسون العلبي- وهي تجلس بانسجام بالغ تقلب الصفحات في مكتبة للأطفال؛ يظنها حلَّقت بعيدًا  Good night stories for rebel girls حين أخذت تتفحص بعناية كتابًا شدها عنوانه.

الكتاب تضمن حكايات لنساء ناجحات مكتوبة بطريقة قصصية على شاكلة “كان يا ما كان”؛ فقد أرادت عبر القراءة أن تصنع اختلافًا في شخصية بناتها منذ الطفولة.

 

 

طفولة حافلة بالأنشطة

ميسون صحفية سورية عملت منتجة أخبار ومترجمة فورية لسنوات طويلة في قناة الجزيرة، ثم ساقتها الأقدار برفقة زوجها – أثيوبي الجنسية-  للسفر والتنقل بين الولايات المتحدة الأمريكية وتركيا؛ وهناك خاضت تجربة نوعية حين ألحقت ابنتيها مريم (9 سنوات) ومها (5 سنوات)  في مدارس ذات نهج مختلف؛ كانت تخشى عليهما من اختلاف اللغة والأجواء التي اعتادتها البنتان؛ لكن من حولهما أظهروا ودًّا واعتزازًا منحهما دفعة جميلة؛ كما تقول الأم.

 

مراسلة “شبكة زدني للتعليم” أصغت لحديث ميسون الشيق؛ تعود بداية إلى ذكريات الطفولة بالقول: “أصدقك القول بأن طفولتي لم تكن سعيدة في مجملها؛ كنت طفلة خجولة في بداية دراستي في ألمانيا، وكان يصعب علي أن أكوِّن الصداقات؛ ثم بعد انتقالي إلى السعودية في أواسط الثمانينيات واجهت مشاكل عدة في المدرسة؛ من بينها عدم تأقلمي مع طريقة التعليم وقتها ( كان الضرب مسموحا به في المدارس في تلك الفترة)، مع أن عائلتي اختارت لي ولأخوتي أفضل المدارس الموجودة وقتها”.

 

وتضيف ميسون: “قلة الأنشطة في المدرسة من رياضة ورِحْلات ومهارات كان مزعجًا في نظري، كذلك اعتماد التدريس على التلقين المباشر بدلا من التفكير والنقد؛ والحمد لله كان لوالديَّ دورٌ كبيرٌ في رَأْبِ هذا الصدع بتشجيعهما المستمر لي على القراءة، وتوسيع أفقي بنفسي عبر ممارسة التايكوندو وركوب الخيل والسباحة والتنس الأرضي والرسم، فعلتُ ذلك رغمًا عن كل الصعوبات لإيجاد مثل هذه الأنشطة للفتيات خاصة”.

 

في المرحلة المتوسطة والثانوية بدأ الأمر يتجه نحو الأفضل كما تقول صاحبة الحكاية، موضحةً: “أتَذَكَّر وأنا في الصف الثامن قالت إحدى المعلمات: “من هذا الفصل طالبة على الأقل سيكون لها شأن”، حينها تحمَّست كثيرًا، وأردتُ أن أكون هذه الطالبة؛ والحمد لله حققتُ نجاحات جيدة فيما بعد أَعْزُوها إلى بعض الكلمات التشجيعية؛ ففي مرحلة الثانوية العامة كنت أحب الكتابة كثيرًا، إذ قالت لي إحدى المعلمات ذات مرة: أنت ستصبحين صحفية! وبقيت أتذكر تلك الكلمات حتى التحقتُ بــ كلية الإعلام في وقت لم تكن هذه المهنة من التخصصات التي يقصدها معظم الناس”.

 

وأضافت: “حقيقة أتمنى لبناتي معلمات رائعات كمعلماتي اللاتي أتواصل معهن حتى يومنا هذا؛ فقد أدركْنَ أن التعليم رسالة، وليس منهجًا يدرس فقط”.

 

أكبر من مهارات مهنة

أهم ما يميز ميسون العلبي ولعها الدائم بالتعلم؛ وقد أورثت هذه الصفة لمريم ومها؛ ولعلها تسكب هذه العبارة من أعماق روحها:

“حب التعلم هو مهارة يتعلمها الإنسان؛ وكلما تمكن معلموه من استثارة حاسة الفضول لديه وحب المعرفة أصبح التعلم متعةً لا فرضًا؛ وإن الفضل الأكبر بعد الله في ذلك لوالدي؛ فهو محب للتعلم، وكذلك والدتي”.

 

تبتسم حين تتذكر الأب الذي لا يشبهه أحدًا في عينها؛ ثم تقول: “يوما ما أحضر لي صندوقًا كاملًا من الكتب؛ كنت أقرأ كل ليلة وأنسى ضوء الغرفة شاعلا؛ فيطفئه أبي بعد أن أنام؛ كما أن والدتي منذ كنتُ في العاشرة من عمري أو أصغر أشركتني في ترجمات تترجمها؛ وكنا نبحث معا عن معاني للكلمات في قواميس كبيرة؛ لأن الانترنت وقتها لم يكن متوافرًا؛ كذلك لم يحدث يوما أن وبَّخني أبي وأمي على درجة في امتحان أو أداء في المدرسة، وإنما كانا يقولان لي “العلم لك، وليس لنا”.

 

لا تمل صاحبتُنا من الحديث عن ذلك الجزء المهم في حياتها؛ متابعة: “كنت عندما أذهب إلى مكتبة عامة أشعر وكأنني صغيرة جدًّا أمام حجم الكتب التي ألفت، ويستثيرني الفضول لمعرفة ما في داخلها وأتمنى لو أستطيع قراءتها كلها؛ ووجدت متعة خاصة في مقارنة بعض الكتب بلغات مختلفة، فلقد نشأت في منزل يتحدث أهله ثلاث لغات، ثم تعلمت فيما بعد لغتين أخريَيْن”.

 

يمكنك الاطلاع على:

بساتين العلم؛ كيف تبدو؟ تعرف على أكبر 5 مكتبات حول العالم

إذًا حب العلم غمر ضيفتنا التي تواصل حديثها بانسياب جميل: “حجم المكتبات التي زرتها جعلني أدرك أن عمر الإنسان لا يكفي لتعلم كل شيء وأنه لم يؤت من العلم إلا قليلا، وأنه مهما تعلم فإن هناك من هو أعلم منه؛ وأن الإنسان يتعلم من كل شيء وأي أحد حتى وإن كان أصغر سنًّا و أقل خبرة؛ لذلك فالعلم يحتاج إلى تواضع لا أن يظن الإنسان أنه عارف بكل شيء؛ وهكذا يظل المرء عالِمًا ما طلب العلم؛ فإذا ظن أنه علم فقد جهل”.

 

كانت ترتقي ميسون في السلم المهني دائمًا، ولكن التعلم لم يتوقف عن الجريان في دمها؛ وها هي توضح وجهة نظرها قائلة: “بالنسبة لي التوقف عن طلب العلم يعني التوقف عن الحياة؛ المهنة قطرةٌ في بحر فمن جعل همه الارتقاء بالوظيفة فقط سيجد مع الزمن أنه حصرَ نفسه في خندق و فاته الكثير؛ التعلم لا يقتصر على المهارات التقنية على أهميتها ولكنه أيضًا ينمي القدرات الاجتماعية والقدرة على التفكير والإبداع وكيفية التعامل مع الآخرين وإيجاد الحلول وهي أمور تتعدى حياة الوظيفة إلى الحياة اليومية بصعوباتها وتحدياتها وجمالها”.

 

إذًا لم يكن غريبًا أن من أهم قيمها الراسخة التي تسير وفقًا لها: “اصنع الفرصة ولا تنتظرها”.

 

التفكير النقدي وحل المشكلات

 

بالانتقال إلى الحياة العائلية لميسون بصحبة زوجها الصحفي “محمد تولا” فقد جمعتهما عقلية تؤمن بالتعلم بلا حدود؛ بكل أريحية تفصح ميسون عن هذا الجانب: “أنا ومحمد لدينا “هوس بالكتب” كما يقال؛ عندما ولدَتْ مريم أردنا أن نعلمها كل شيء من الممكن تعلمه، كنا نقرأ لها منذ أن كانت رضيعة؛ وعندما كَبِرَت قليلا بدأنا نشركها في أنشطة مختلفة كالبيانو والموسيقا بشكل عام والرياضة لا سيما الجمباز؛ و كنا نخصص وقتًا للذهاب إلى المكتبات، ولطالما رأيناه نشاطًا ترفيهيا؛ كانت هذه الرحلات بطبيعة الحال تستثير فضولها، حتى أصبحت تبادر إلى سؤال موظفة المكتبة عن مواضيع تريد أن تقرأ حولها؛ لقد تيقَّنا أن

“التعلم متى ما أصبح متعة صار سهلًا، وما أن يصبح إجبارًا حتى يكون عديم الفائدة”.

يمكنك الاطلاع على

هكذا حبَّبَتْ “ماما لينة” صغيرتَها ابنةَ العامِ في القراءة

وعن تقييمها لتجربة التعليم في المدارس الأمريكية؛ تصف المشهد بالقول: “تطوَّعت كثيرًا في فصل ابنتي، وكتبت عن تجربتي تلك؛ ومما لفت نظري ابتعاد التعليم بالكلية عن أسلوب التلقين المباشر والحفظ وكثرة الواجبات، بل إن التعليم يعتمد هناك في الأساس على التفكير النقدي وحل المشكلات؛ ومحاولة ربط كل ما يتم تعلمه مع بعضه ومع الواقع”.

 

وتستشهد الأم المميزة بمثال عملي: “تعلمت مريم في الصف الثاني الابتدائي عن دورة حياة الفراشة عن طريق مراقبة يَرَقَة حية كانت المعلمة قد أحضرتها للصف وهيأت لها الظروف المناسبة لتعيش؛ وقد تمكن الطلبة من مشاهدة خروج اليرقة من شرنقتها على الطبيعة؛ فكانت بالنسبة لهم تجربة لا تنسى ومعلومة سيحتفظون بها في أذهانهم مدى الحياة؛ لأنها لم تعتمد على الحفظ والاختبار؛ وكذلك الحال بالنسبة للعلوم الأخرى، يتم ربطها دائمًا بجانب عملي ممتع يجعل الأطفال يُقْدِمُون على التعليم إقدامًا؛ ويبكون عندما ينتهي العام الدراسي”.

 

وتؤكد أن من يعايش تجرِبة التعليم في أمريكا سيلمس مدى تركيزهم على احترام الاختلاف؛ فعلى سبيل المثال يتركون للأطفال حرية ممارسة شعائرهم الدينية؛ وفقًا لقولها.

 

فكرة المواطن العالمي

مريم

وعن التحديات التي تواجه الأم العربية أثناء متابعتها لدراسة أطفالها في بلد أجنبي؛ تقول: “التحدي الأكبر بالنسبة لي كان في المجال الديني والأخلاقي، بسبب بعض القيم في المدارس الغربية التي تعد عادية لديهم، ولكنها لا تتوافق مع ديننا وتقاليدنا؛ لذا في فترة ما وضعتُ جدولًا كي تحفظ البنتين ثلاث آيات يوميًّا؛ وسوى ذلك فإنه لا تحديات؛ وكما ذكرت أن الواجبات المنزلية تكاد تكون معدومة، ولا يحبذ المعلمون أصلا تدخل الأهل في التعليم”.

 

وتشير إلى أنه في أمريكا لا توجد امتحانات؛ بل يتم تقويم أداء الطالب وفقًا للمشاريع الموكلة إليه خلال العام.

وتروي عن تجرِبة التعليم في تركيا: “تجربتي فيها إلى الآن إيجابية، أعجبني الحرص الشديد على احترام الكبير”.

 

وتعلم أدب الحديث؛ ذلك أن الأم حين يناديها ابنها ترد عليه بقولها “أفندم” وليس “نعم”؛ هنا وجدتُ تفهمًا كبيرًا من المعلمين وجهدًا ملموسًا لمحاولة مساعدة بناتي على التأقلم مع الجو الجديد؛ وبحمد الله أصبحت ابنتي الصغرى تبكي عندما لا تستطيع الذهاب إلى المدرسة بسبب مرض أو غيره؛ هم يشعِرون الأطفال بأنهم أسرة واحدة ويحاولون على الدوام أن يتواصلوا مع الآباء حول أي مشكلة قد تواجه أطفالهم؛ انتقادي الوحيد يتجلى في كثافة الدروس وكثرة الواجبات، ولكن مدرسة ابنتي توازن ذلك بأنشطة لا مدرسية عديدة”.

 

عن جغرافيا وتاريخ وطن هؤلاء الصغيرات ماذا يمكن أن يخبرهما الوالدين؛ في ظل تنقلهم بين البلدان؛ تقول أمهم: “بصراحة انتماؤنا أصبح للإنسان وللعالم؛ أعلِّم أطفالي فكرة المواطن العالمي؛ وأن أرض الله واسعة”.

 

“ما أفضل نصيحة قدمَتْها لكِ معلمة؟”.. تتذكر واحدة تراها مهمة: “نصحتني معلمة ذات مرة أن لا أحمِّل نفسي ما لا أطيق؛ وأن أرتاح كلما سنحت لي الفرصة، فالأطفال يستفيدون من أم متوازنة تهتم برغباتها أيضًا أكثر مما يستفيدون من أم متعبة مجهدة؛ وأن أحاول أن ألتزم الهدوء دائمًا مع الأطفال رغم صعوبة الأمر في كثير من الأحيان”.

 

مقارنة غير عادلة

مها

وفي نظرة سريعة إلى حال المدارس العربية؛ تضع ضيفتنا هذه الملاحظات: “النقطة الأولى الواجبات الكثيرة ترهق الطفل والآباء معًا، إذ من المفترض أن يقضي الآباء مع أبنائهم ما تبقى من الوقت بعد انتهاء المدرسة في الأحاديث المشوقة وقضاء وقت أسْري ممتع؛ لا في حل واجباتٍ منزلية تجعل من التعليم تجرِبة سلبية؛ هذه المشكلة لا تقتصر على المدارس فحسب، بل إن هناك آباءً يعتبرون قلة الواجبات تقصير من المدرسة ودليل على أن الطفل لا يتعلم؛ وهذا ليس صحيحًا”.

 

وتابعت في السياق نفسه: “تمنيت أن أرى تركيزًا على المهارات والقدرات الفنية وغيرها من الأنشطة اللامنهجية التي لا تقل أهمية عن المنهاج في تنمية قدرات الأطفال وأذواقهم وقدرتهم في التواصل مع الآخرين؛ هي جميعها مهارات أثبتت التجربة أن سوق العمل بحاجة إليها أكثر من العلوم البحتة؛ التي لا تكفي لوحدها لإحداث تغيير ما”.

 

وحسب رأيها فإن الموسيقا والفن والرياضة ليست رفاهية كما يظنها بعض الناس؛ موضحةً: “على سبيل المثال تقوي الموسيقا القدرة على التركيز؛ وتحدث التوافق والتوازن بين كافة الأعضاء وتنمي الحس والذوق؛ وكذلك الأمر بالنسبة للفنون الأخرى”.

 

وتذكر أن أي مقارنة بين المدرس الغربي والعربي من شأنها أن تخلو من الإنصاف؛ محاولة الإيضاح: “الأول يتلقى دعمًا هائلًا على الصعيد المادي والمعنوي؛ كما أن وسائل التطوير متاحة له؛ مما يهيِّئ البيئة المناسبة للإبداع والاعتناء بالأطفال كما يجب؛ أما في البلاد العربية يتقاضى المعلم أجرًا أقل من أي مهنة أخرى، ولا يجد من يهتم به وبأسرته؛ ولذلك لا يمكنه أن يخصص جل وقته للإبداع؛ ومع ذلك تجدين معلمين عرب من أروع ما يكون؛ حملوا الرسالة، وقدموا الكثير للأجيال؛ رغم الظروف القاهرة التي يمرون بها”.

 

يمكنك الاطلاع على

“أستاذ رامي” سقى دفاتر تلاميذه بالحب فأزهرت

وفي الغرب أيضًا؛ احترام رأي الطفل وعدم محاولة إحباطه ألبتة من أبرز ما لفت انتباه ميسون؛ مضيفة: “ما من معلم مثلًا يسب الطفل أو ينعته بالغباء؛ بل يتجه الأستاذ إلى الاهتمام بقدرات كل طفل على حدة، وتشجيعه على المشاركة وإبداء الراي وإن كان مخالفا لرأيه؛ وهذا ما يفتقر إليه بعض المعلمين العرب؛ ومع ذلك لا بد أن نحذر من التعميم”.

 

وعما تأمُله في بناتها؛ تتنهد الأم الطموحة لتضع لمسة الختام: “أريدهن أولًا أن يستمتعن بالتعليم ويرغبن به؛ ولا تهمني كثيرًا درجاتهن في المدرسة؛ أتمنى أن تصبحن نساءً رائدات في المجال الذي يختارونه، ويحبونه، وأن يساهمن في تطوير مجتمعاتنا إلى الأفضل؛ آمل أن تنشأ لديهن عقلية متفتحة متقبلة للآخرين تسعى للخير والإنسانية”.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

التعليقات تعليق واحد

رجاء سنتريسي منذ شهرين

أحسنتم الاختيار .
حوار رائع ، شامل وهادف .
أدركت أنها تملك تميّزا فكريّا منذ أن كانت طالبة من خلال كلام مدرّساتها عنها ، وحوارها معهن .
يكبرها عقلها بسنوات عديدة . حماها الرحمن.
شكراً لشبكة زدني.

أضف تعليقك