تعرف على “مفيد”.. درس التسويق وحقق القفزة في “الحشرات”

10 مارس , 2018

 

البحث العلمي قبل الميداني له دور في العثور على المطلوب

 

كان مفيد أبو شلوة ينتظر حصة العلوم على أحر من الجمر؛ ويا لسعادته حين يصحبه المدرس مع أقرانه إلى المختبر، نمى هذا الحب في المرحلة الإعدادية وصار عاشقًا لمادة “الأحياء”، لا يملّ من التحديق في المجسمات لا سيما التي تتصل بخلق الإنسان وبديع الله في صنعه بأحسن صورة، محاولًا التعرف على كل صغيرة وكبيرة في وظائف الكائنات الحياة التي تمر به.

 

 

ميله للاستكشاف قاده من حيث لا يدري إلى تصوير عالم الحشرات، ففي السنوات الخمس الأخيرة صنع نتاجًا مختلفًا على الصعيد العلمي والفني.. وشكّل بعينه كوكبة من الصور تبرز عظمة الخالق جلا وعلا الذي تجلّى على أصغر مخلوقاته، بدقة تعجز العين البشرية عن رؤية جزيئاتها التي ما أن يفقهها الفؤاد حتى يلهج بالتسبيح، فأحرز أكثر من سبع جوائز دولية في قسم الطبيعة في عدة دول، في الإمارات وألمانيا وفنلندا والهند وكندا وصربيا.

هذا المصور السعودي صار من نجوم الموقع العالمي “يوبيك” في محور الماكرو.

 

ما تعجز العين عن رؤيته

ولكن البدايات من أين كانت يا ترى؛ يستهل مفيد الحديث مع مراسلة “شبكة زدني”: “في صغري كانت إذا ما عطبت أداة معينة فإني لا أكف عن العبث بها حتى اكتشف أجزائها الداخلية مهما بلغت دقتها ولا استسلم إن لم أتمكن من إصلاحها، مستعينًا برفيقي الدائم “المكبر”، لو تعلمون كم كنت أحب تفكيك ساعتي المفضلة لأتأمل رقاقاتها المتناهية الصغر، ومن هنا بدأت الأشياء الصغيرة تأسرني بشكلٍ عجيب، ويحلو لي مراقبة الطريقة التي تعمل بها”.

 

يبتسم وهو يتذكر تلك الأيام:

“في فناء المدرسة كنت أرتعب مثل حال بعض الطلاب من تطاير الحشرات لا سيما الجراد والخنافس الصغيرة، إلى أن أصبحت هذه الكائنات صديقة لي، أجلبها للمنزل وأتمعن في حركتها، ومن ثم أطلق سراحها”.

 

ولا ينسى ضيفنا أبدًا معلم الأحياء الذي صار محطّ قدوة بالنسبة له: ” أثناء شرحه الدرس كنت أرمقه بانبهار، وقد ترك حديثه أثرًا عميقًا بداخلي حين روى لنا حكاية أحد اخوته وهو طبيب متخصص في مجال جراحة الاعصاب الطرفية، اختار أن يكافح في مجاله إلى أن نجح في إنقاذ أكثر من 73 حالة، كان من الممكن أن يفقد بعض المرضى أطرافهم لكنه استطاع بالعلم مساعدتهم، وعلاوةً على هذا حصل على براءة اختراع ولمعَ اسمه لاحقًا؛ تمنيت حينها أن أترك أثرًا ولو صغيرًا مثله قبل مغادرتي هذا العالم”.

 

ويضيف: “كحال معظم الأشخاص الذين يُولدون في مجتمعاتٍ تُحتم عليهم خيارات روتينية في الدراسة وفقًا لما يرتأيه الأب والأم، وصولاً لعملٍ يُوفر حياة كريمة.. فهذه سُنّة الحياة، حين أقبلت على المرحلة الجامعية، لم يكن قراري يوافق ميولي والتحقت بقسم التقنية الإدارية (تخصص تسويق) وبفضل الله تخرّجت دون معوقات في أواخر عام 2009 “.

 

ثمة إشارات كانت تمهد لما حققه من نجاح لافت في مجال “تصوير الماكرو” الذي يعرّف بالتصوير الفوتوغرافي للأجسام الصغيرة جدًا من مسافة قريبة للغاية، يقول في ذلك: “كان والدي مصورًا ويقتني كاميرا منذ التسعينيات، أي أنها هواية بالوراثة، ولعل التدرج خدمني أني مررتُ بجميع محاور التصوير من بينها محور تصوير البروتريه و”الستايل لايف” وحياة الناس والسفر؛ حققت بعضًا مما حلمت به في المجالات الرياضية والفنية والعلمية ثم استقر بي المقام في عوالم الحياة المجهرية، بصراحة إن ما شدني نحو هذا التخصص بديع خلق الله الذي يتجلى في الدقة، حيث عجزت العين البشرية عن رؤية هذا الجمال، لذا أردت أن أنقل التفاصيل الدقيقة بما تتيحه لي التكنولوجيا من إمكانيات، وكان من المثير مصادفة تحديات جِسام، ذلك أن الكثير من مصوريّ الطبيعة والحياة البرية حاولوا اقتحام هذا المجال، لكن دون أن يحالفهم التوفيق؛ و الحمد لله أن يسرني للدخول إلى بحر هذا الفن، ذلك أن الماكرو يشكل النسبة الأكبر في عالم التصوير الفوتوغرافي بما يتجاوز 40% “.

 

ومؤخرًا تناول “موقع سميثسونيان”؛ وهو أحد المنظمات العلمية التي تتنافس مع موقع ناشيونال جرافيك و”بي بي سي”، عملاً لــ صديق الحشرات، تضمن تصويرًا دقيقًا يميز بين العناكب الذئبية في كل من الذكر للأنثى وما تفعله الأنثى في التحكم في وضع البيض وعمليات التزاوج، إذ تحمل أكثر من 200 بيضة عنكبوت على ظهرها.

 

دراسة سلوك الحشرة

ولكل الراغبين في تعلم “الماكرو” فإن أبو شلوة يؤكد أن الأمر يحتاج إلى وقت وصبر؛ قائلًا: “المرحلة الأولى التي كان يتوجب المرور بها الاطلاع على أعمال عدة مصورين متخصصين في هذا المجال بالرغم من كمية الجهد الذي بذلته لكسب نوع المعلومات من وسائل البحث سواء في المواقع العالمية أو المحلية، بدأت بأقل الامكانيات والطرق التقليدية تحديدًا بكاميرا  تستخدم عادة لتصوير الأشخاص، ثم أخذت أطور أدواتي بشكل بسيط والحمد لله حققت خلال أول عامين نتائج مرضية وحصدتُ ايضًا عدة جوائز، وفي العام الثالث والرابع واجهت صعوبة في طلب المعدات والعدسات المتخصصة لهذا المجال لصعوبة توفرها في أماكن البيع لمعدات التصوير بلدي، لكن الحمد لله تم اقتنائها فيما بعد، ثم بدأت أدرس توزيع الإضاءة بشكل متقن”.

 

ما أكثر ما يأسرك في عالم الحشرات وتشعر حياله بالدهشة؟.. حالة من التأمل تلف إجابته وهو يقول:

“العناكب بجميع أصنافها فهذا الكائن من الممكن أن يختبىء في زوايا بيتك دون أن تلحظه لصغر حجمه؛ ولكن عندما تراه على حقيقته عند تصويره تدخل في مراحل الدهشة بسبب تكوينه؛ فبعضها يحتوي على 8 أعين ومخلبين اثنين”.

ويبدي إعجابه الشديد بالمصور والباحث العلمي توماس شاهين المتخصص في دراسة العناكب وأصنافها، وأحد أهم المصورين في مجال الماكرو، فهو عاشق لدراسة طبيعة العناكب وتصويرها.

 

ويحدثنا عن تصوير الحشرات بشغف: “من الصعب ترويض سلوك حشرة لا تتجاوز 3 ملم دون دراستها من جميع النواحي البيئية، ذلك أن تصوير الحشرات في بيئتها الطبيعية يتطلب تقنيات وأساليب خاصة؛ كما أن هناك مجهود لا يستهان به في تصوير بيئة مؤهلة، ويكمن الفرق بين الحالتين في عدة نقاط من ضمنها الخطورة، فعلى سبيل المثال التصوير في أحد الغابات المطيرة المفتوحة يختلف اختلاف كلى على صعيد الخطورة عن تهيئة ورشتك في بيئة شبة طبيعية، كما أن التصوير في بيئة طبيعية تستلزم الاستعداد المسبق بخلاف إنشاء بيئة منحصرة أو شبة طبيعية؛ فأنت في الأخيرة قادر على التحكم في وقتك”.

 

وعن أبرز الصعوبات التي يواجهها مصور الماكرو؛ يقول: “بالتأكيد دراسة سلوك نوعية الحشرة، فالبعض لديه جهل بــ سُمية هذه الكائنات التي قد تلحق ضررًا يعيق مصور الماكرو، ذلك أن أسلوب البحث العلمي قبل البحث الميداني له دور كبير في العثور على المطلوب، كما أنه يساهم في تخطي المصاعب بخلاف البحث العشوائي في بيئة حرة”.

 

ويلفت الإنتباه إلى أن الحشرات تتفاوت فيما بينها في متطلبات التصوير؛ موضحًا: “الحشرات المصقولة والبراقة أي اللامعة تحتاج إلى إضاءة مدروسة بخلاف الحشرات الأخرى”.

 

لم يكن وصوله للجوائر العالمية عبثًا؛ يعقب على ذلك بالقول: “يستغرق مني الأمر وقتًا في البحث وطريقة الإخراج وصولاً لعرضها بالشكل النهائي؛ وقد منحني هذا الفوز الإصرار والتحدي بين كبار المنافسين في هذا المجال لمواصلة الطريق وتقديم ما هو أفضل”.

 

أبحاث علمية

ويبدو سعيدًا بالمرحلة التي وصل إليها ذلك أن صوره تدخل الآن ضمن أبحاث تجرى عليها دراسات؛ يقول: “في أواخر عام 2015 وقفت لبرهةٍ من الزمن اسأل نفسي: “ما هو الإسم العلمي للصور التي أقدمها للمتلقي”، ماذا لو تم تعريفها بشكل علمي بالتأكيد سيجلب فائدة تجعلني كمصور ارتبط بشكل جزئي بمفهوم المادة المقدمة كما سيضاعف لي دعم أعضاء آخرين ممن يختصون بالبحوث العلمية، ماذا لو تم تصوير أحد أصناف الحشرات غير مكتشف لاسيما في بيئتنا بطبيعة الحال سيضفي فائدة علمية هائلة”.

 

لكن كيف يوفق مفيد بين عمله في مجال التسويق وهوايته التي تحولت إلى عشق؟ يفصح عن ذلك بالقول: “الوقت هو التحدي الأكبر لمصورين الماكرو؛ أحيانًا استنفذ 13 ساعة متواصلة تتوزع ما بين البحث وإنشاء الورشات في الطبيعة وغيرها ومن ثم مرحلة الإخراج والتي تستغرق أسابيع من معالجة الأعمال، هوايتي تأخذ مني وقتًا أكثر من ذلك الذي أخصصه لوظيفتي، قبل ذهابي للعمل استثمر كل دقيقة، وبعد عودتي أتابع مزاولتها، ولا أخفيكم في بعض الأحيان اقتطع جزءًا من عملي حين يمر بفترات الركود”.

 

وينكب في هذه الآونة على إعداد كتاب من المتوقع خروجه إلى النور في أواخر عام 2020 يتناول ما يعرف بــ الخنافس الجعالية؛ يحدثنا عنها: “تواصل معي مؤخرًا فريق كندي مختص من قسم الابحاث الفطرية لعرض معلومات تتعلق بأصل الرواية الخاصة بتلك الأنواع من الخنافس، إذ تعود إلى العصر الفرعوني وتستخدم من قبل الفراعنة كأقدم حشرة، ويعتقد بعض العلماء أن الخنفساء الحديثة بدأت قبل 140 مليون سنة، ولكن الأبحاث الحديثة في عام 2007 أظهرت التاريخ الأثري الذي يعود بتاريخها إلى عصر باليوزويك، قبل حوالي 265 إلى 300 مليون سنة، معظم الخنافس التي تنتمي إلى هذا النوع هي كبيرة نسبيًا في الحجم، تتراوح بين 2 إلى 180 مم في الطول، وقد تكون مظلمة في بعض الأنواع، وبعضها مشرقة أو لامعة مع مختلف الأشكال والخطوط؛ معظمها تتخذ أشكالاً بيضاوية ومحدبة، وتتغذى على مجموعة متنوعة من المواد، مثل المواد المتحللة كالسماد والفطريات وبعض أنواع النباتات والرحيق”.

 

 

وبروح متواضعة يتطرق إلى أكثر صوره التي يعتز بها: “مقدمة وجه حشرة الآفة الزراعية “سوسة النخيل الحمراء”؛ التي حصدت أكثر من 14 جائزة دولية من ضمنها أفضل جائزة بمحور الطبيعة في جائزة أفان الدولية والمقامة بالسعودية، كما حاز العمل ذاته على الذهبية في أوكرانيا، مضيفًا: “أيضًا افخر بصورة “ذبابة الأزهار” التي أعدت تصويرها عدة مرات، وأخضعت للدراسة العلمية للتعرف على ذروة اكتمال جزيئات الحشرة، تحديدًا الرأس والعين”.

 

 

سيأخذه عالم الحشرات إلى آفاق أبعد؛ فهو حسب طموحه يخطط لأن يُبتعث لدراسة البكالوريوس في علم الحشرات والعلوم الميكروبية في جامعة ميسوري – الولايات المتحدة الامريكية- فهذه من أهم الخطوات التي سيحققها بإذن الله.

 

ويتابع حديثه: “بعض الحشرات الغير مؤذية من الممكن أن أخصص لها نوع من الحضانات في منزلي لدراسة سلوكها، وطريقة تكاثرها ومن ثم إطلاقها في بيئتها الطبيعية شريطة ألا تكون آفة زراعية”.

 

“هل يمكن للمرء أن يعيد فهمه للحياة من خلال حشرة؟”: يختم حديثه بابتسامة:

“نعم بوسعه ذلك إذا ما تمعن وتفكر في دقة خلق الله سبحانه وتعالى.. بفضل حشرة تعلمت الصبر والإصرار”.

 

 



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

التعليقات 2 تعليقان

عباس الخميس منذ شهرين

الفنان الكبير مفيد شهادتي فيه مجروحة
مبدع ومثقف فوتوغرافياً
وفخر لابناء باده وللعرب ،،،
مميز على الدولم مبدعنا الرائع ،،،

عباس الخميس منذ شهرين

الفنان الكبير مفيد شهادتي فيه مجروحة
مبدع ومثقف فوتوغرافياً
وفخر لابناء بلده
مميز على الدولم مبدعنا الرائع ،،،

أضف تعليقك