ثامر سباعنة من مهندس زراعي إلى أستاذ علوم… ونصيحته “إذا أحب الطالب المعلم أبدع في مادته”

29 يونيو , 2018

لم يفكر ثامر سباعنة يومًا بمهنة التعليم؛ حتى أنه لم يتخيل نفسه معلمًا، لكن الدروب مضت به من مكان غير متوقع ليصل إليها.

 

هو ابن مدينة جنين؛ ومن مواليد الكويت حيث فيها درسَ؛ كلما نبش ذاكرته عاد بكل سرورٍ إلى ذلك اليوم الذي جاءت فيه أمه للمدرّسة كي تسأل عنه؛ يختصر المشهد بقوله :”يومها قالت المعلمة لأمي: “الغريب أني أراه دائمًا شاردًا فأظنه أنه غير منتبه للدرس ولكن إذا ما سألته يجبني على الفور”.

 

كانت القاعدة الأولى التي سار الأستاذ ثامر على خطاها:

“إذا أحب الطالب المعلم أبدع في مادته”

 

لذا هو لم ينسى الأستاذ منصور الذي علمّه مادة الفيزياء في الثانوية العامة في مدارس الأردن؛ فأحب الفيزياء وأحرز 78 درجة من 80 ، ويضيف: “بينما في مادة أخرى لم أحب معلمها وبالتالي لم استهوي مادته فحصلت على علامة على حافة النجاح؛ ومن هذا المنطلق قررت أن أبذل جهدي وأكون قريبًا من طلابي”.

 

يعمل ضيفنا في مدرسة ذكور قباطية الأساسية الغربية؛ و لطالما رأى أن تلاميذه يمتلكون إبداعًا ونجاحًا وتفوقًا مختلف الأشكال؛ ويدوره لم يدخر جهدًا في سبيل تشجيعهم ومنحهم الفرص بغيه تفجير طاقاتهم، إنه يثق بهم على الدوام وهذا هو سر نجاحه معهم.

 

يجر عربة خضار

 

عنصر المفاجآة في قصته؛ أنه تخرّج من كلية “الهندسة الزراعية” من جامعة النجاح الوطنية؛ والسؤال:( أي رياح رمت به إلى حقل التعليم؟)؛ يزيل الفضول بتقديم تلخيص عن قصته: “بعد تخرجي اتجهت لمديرية الزراعة في جنين وهناك تفاجئت من عدد المتقدمين الكبير للوظائف؛ وقررت ألا أقدم طلبي، وبعد أيام أعلنت “التربية والتعليم” عن فتح باب التوظيف، فاتصل بي أحد الأصدقاء وطلب مني مرافقته ليقدم أوراقه؛ وعرض على أن أقدم معه – وهو خريج تربية إسلامية-  فأخبرته أنهم لن يقبلوني لأن تخصصي “زراعة”؛ ثم توكلتُ على الله وقدمتُ أوراقي ليتم قبولي معلمًا لمادة العلوم عام 2003 ولازال صديقي للآن لم يتوظف”.

 

ويتحدث بصراحة: “لا أنكر أني واجهتُ إشكالية في ما يخص أساليب التعليم لأن دراستي الجامعية لا علاقة لها بالتعليم؛ لكني اكتسبت المهارات من زملائي وتلامذتي؛ كما أني أنهيت “دبلوم تعليم” قبل سنوات وأنا مستمر بالمشاركة في أي دورة تتيح لي الارتقاء بأدائي؛ بل أحيانًا أدرب في دورات المعلمين”.

 

ومن واقع تجربته فقد أدرك متاعب هذه المهنة تمامًا كما أدرك قيمتها؛ فهو يؤمن بأهميتها الخاصة للإنسان الفلسطيني تحديدًا، وهذا هو أكثر ما تعلمه من هذه المهنة: “عرفتُ أنه لا يوجد أي إنسان لا يملك قدرة في مجال ما، بل أن هناك مجموعه من “الذكاءات” المختلفة التي قد يتمتع الشخص بها؛ والمطلوب مني كمعلم الكشف عن مكامن قدرات الطلاب ثم العمل على تعزيزها؛ كما تيقنّت أن تحصيل العلامات ليس أهم ما في الحياة بل لا بد من غرس قيم وأفكار ومهارات لدى طلبتنا وهذا ما يعجز امتحان على “ورق” فعله”.

 

ويرى أن كل مرحلة من المراحل التعليمية لها خصائصها وجماليتها، موضحًا:

“الأطفال من الصف الأول حتى الرابع الإبتدائي يتسموا بسرعة الاستجابة واكتساب القيم والأفكار، ثم في المرحلة التالية يصبحون أقدر على الفهم والاستيعاب والعمل، وفي المرحلة التي تليها يغدون أكثر قدرة على العمل والإبداع والإثمار”.

 

وفي كل يوم يخطأ المرء ويتعلم؛ تمامًا كما هو حال المعلم ثامر؛ ويروي لـ “زدني” هذا الموقف بالقول: “مؤخرًا انتبهتُ لأحد طلابي وهو يجر “عربة خضار” في “حسبة” بلدتي قباطية، كان ذلك في ساعات الصباح الباكر، وقد ارتدى ملابس رثة، حقًا عاتبت نفسي كثيرًا على جهلنا بحال طلابنا”.

 

وأضاف في السياق نفسه: “اكتسبتُ الكثير من المهارات خلال فترة وجودي في التعليم؛ وقد بدأت مؤخرًا تسخير الأنشطة اللامنهجية وخلق بيئة صديقة للطالب”.

 

 

حضور المؤتمرات

لم يشعر يومًا الأستاذ ثامر بالملل في هذه المهنة؛ يبتسم مواصلاً الحديث: “تعرضتُ للاعتقال لدى الاحتلال الإسرائيلي لعدة مرات؛ مجموعها يعادل سبع سنوات؛ فكنت اضطر للغياب عن مهنتي وأعود بهمة جديدة؛ فقد كنت أرى في فترات غيابي بالأسر “استراحة”، وفي كل مرةٍ أعود للمدرسة بنفسيةٍ جديدة وأسلوب مختلف؛ مما جعلني أسعى جاهدًا لتطوير المشاريع والأفكار والأنشطة اللامنهجية التي تترك اثرًا إيجابيًا على طلابنا الذين أساعدهم على أن يكونوا “باحثين صغار”؛ وهذا كان كفيلاً بأن أبقى مستمتعًا بالتعليم كوني استخدم معظم أدوات التكنولوجيا”.

 

ومن يندهش من أمر تطويره لنفسه أثناء مكوثه في السجن؛ يرد عليه بهذا:” الاعتقال في كل حالاته صعب ومرهق، لكن الفلسطيني اعتاد أن يحوّل محنته إلى منحة؛ لذا حرصت على أن أشارك في الدورات والأنشطة الثقافية التي تعقد في السجون ، وحصلت على مجموعه من الشهادات؛ وقدمت المحاضرات والدورات للأسرى مما انعكس على أدائي كمعلم”.

 

وبمضي السنوات صار “ثامر” صبورًا، ومراعياً للفروق الفردية ولا يعطي أحكامًا مطلقة أو قبلية؛ ومؤمنًا أكثر أن المعلم قادر على صنع المستقبل وإحداث التغيير؛ وصارت له فلسفة خاصة بشأن التحضير للدرس؛ يوضحها بالقول: “لا أنكر قيمة التحضير اليومي أو الأسبوعي لأنه يضعك كمعلم في تفاصيل المادة ويجعلك تستعد لأداء أفضل، لكن أنا ضد إلزام المعلم بالأعمال الورقية المكتبية المرهقة، فهي تضعف من أدائه وتبعده عن الإبداع والعطاء لأن طاقته ستهدر في “الشكليات”.

 

 

وينشط سباعنة في حضور المؤتمرات؛ مفصحًا عن السبب: “حضور المؤتمرات والفعاليات المختلفة يصنع أفكارًا جديدة ويلهمني بخطط لمشاريع وأنشطة مختلفة، بالإضافة إلى اكتسابي الكثير من المعارف التي خدمتي في تعاملي مع طلبتي؛ علاوة على أني أشارك حاليا في جائزة الإبداع والتميز بمشروع عنوانه “تعلم”؛ وسأسعى كل عام بتقديم مشروع أو أكثر إن شاء الله”.

 

وعن النصيحة التي يمكن أن يقدمها لمدرس جديد:

“لا تتعامل مع الطالب الضعيف على أنه غبي ولا فائدة ترجى منه، بل ابحث عن مجال يبدع فيه هذا الطالب، ولاتتخذ من العلامة مصدر تهديد لطالبك؛ لتكن أولويتك: غرس القيم والمهارات والأفكار”.

 

اختلفت أساليبه في التحفيز عبر السنين؛ يشرحها بالقول: “كنت سابقًا أكلف الطلبة المقصرين في واجباتهم أو اختباراتهم بحفظ بعض الآيات القرآنية أو التسابيح والأذكار والأدعية، أما الآن فإني أعدهم بتعديل العلامة للمقصر في حال اجتهد في الامتحان النهائي، كذلك لا أهمل الأنشطة والمشاريع، وأركز على مهارات الطلبة وسلوكياتهم وشخصياتهم؛ أما العقوبات فأنا من النوع الذي لا يضرب”.

 

ويشدد على أهمية إعادة القيمة للمعلم سواء ماديًا أو معنويًا؛ “لأني أدرك أن معلم “مرتاح نفسيًا” ويوظف قدراته وينتمي لرسالته سينتج جيلًا قويًا واعيًا ناجحًا”؛ مؤكدًا أن المعلم العربي لم يحظى حتى الآن بالمكانة التي تليق به؛ وهنا يقع على عاتق المعلمين تغيير هذه النظرة؛ وفقًا لقوله.

 

سألته عن طموحه في هذه المهنة؛ فأجاب: “أشعر أني انتمي أكثر للتعليم والوجود بين الطلبة؛ لكن التطور أمر مطلوب، لذا مؤخرًا قدمت للترقية أي ما يتعلق بإدارة المدرسة؛ ونجحت في الامتحان وحاليًا أشارك في دورة في هذا الصدد”.

 

ومن أهم ما تعلمه ثامر على يد تلاميذه: “على كل معلم أن يبتعد عن تجاهل طلابه وتصغيرهم، وليثق أن الابتسامة أكثر نفعًا من العبوس والتجهم معهم، وسيندهش حين يستفيد من أبسط الطلاب معرفة أو أصغرهم سنًا؛ كل معلم حريٌ به أن يسأل نفسه: ما الذي ينبغي أن أتعلمه من طلابي”.

 

وعن دور مواقع التواصل الاجتماعي لا سيما “اليوتيوب” في مادة العلوم؛ يقول: “أصور بعض التجارب وأبثها على الإنترنت بالإضافة إلى تصوير بعض الحصص المميزة، وأحيانًا أنشر أوراق عمل الطلاب على هذه المواقع، كذلك صفحتي على الفيس بوك “أستاذ علوم” تتلقى عشرات الرسائل سواء من طلابي أو طلاب عرب للاستفسار عن أسئلة تتعلق بمادتي، كما التقط صورًا لفعاليات وأنشطة للطلبة؛ ولا أتوانى عن البحث عن نقاط القوة لديهم؛ وإن ما أراه من احترام الأهالي وفرحتهم  وحفاوتهم بي إشارة جميلة استمد منها روح العطاء”.

 

 

ومن اللطيف أن الحصة الأولى والأخيرة في العام؛ لها نكهة مختلفة لدى المعلم ثامر؛ يتطرق لهذه النقطة؛ موضحًا: “في أول حصة أعد رسالة مطبوعة لطلابي أوزعها عليهم مع هدية رمزية، وفي آخر حصة أوزع الحلوى مع ورقة صغيرة لكل منهم؛ تحتوي على نصيحة أو عبارة جميلة”.

 

ويشاركنا بمشهد لا ينساه: “قبل فترة تواصل معي طالب درسته قبل عشر سنوات، وأخبرني أنه يدرس الطب في جامعة النجاح ففرحت كثيرًا لسماع ذلك، ثم ذكر لي موقفًا حدث معنا آنذاك؛ ففي احدى الامتحانات النهائية كنت مراقبًا، ويومها اقتربت من “طبيب المستقبل” وقدمت له حبة حلوى؛ تركت أثرًا ما زال طعمها باقيًا حتى اللحظة”.

 

ويبتسم حين يختم بلفتة أخرى من “أبنائه”: “ذات مرة فاجآني طلابي بدرعٍ وهدية خاصة خلال الإذاعة الصباحية، لقد ترك ذلك أثرًا عميقًا في قلبي”.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

التعليقات تعليق واحد

زياد محمود ربايعه منذ 3 أسابيع

الزميل الاستاذ ثامر سباعنه احد ابرز المعلمين الذين يبذلون ما في وسعهم لاداء رسالة العلم كافضل ما يكون وبأبهى صور العطاء وهو يتميز بالدفء مع تلامذته ويحرص كل الحرص على عدم ايذاء مشاعر الابناء والطلاب والمعلمين ومحبوب من زملاءه وجميع من يعرفه وهو يبذل الطاقات الخلاقه والمبدعه على الدوام وقد عملت معه برغم المدة القصيرة فوجدت انه يتمتع بشخصية مبدعة ومنتجة وممنهجة واخلاق عالية.. حتى كان الانبهار بقدراته يوميا وكنت ولا زلت اتسائل كثيرا عن الوقت الذي. يستغرقه في بناء تلك الافكار وترابطها وانسجامها وكيف انه يحصل على هذا المجال الفكري الواسع الذي يجعله ينشط في اكثر من عمل وكلما هممت بسؤاله اتراجع لاني اعرف الجواب .. انه ابتسامة جميله على محياه ..لك الله يا ابا وطن فبمثلك يبنى الوطن .. اتمنى له مزيدا من النجاح والابداع والتميز بإذن الله.واتمنى ان لا يقرأ كلامي لعل الطاف الله تعلي مقامه وان يكون دعائي له بظهر الغيب مستجابا

أضف تعليقك