حوار مع “أمي”

13 أكتوبر , 2015

“تكمن عظمة الأمم في قدرات  أبنائها العلمية  والفكرية والسلوكية”

جملة استرعت انتباهي ذات مرة وأنا أتصفح أحد المواقع على الإنترنت، صدق قائلها حقًا .. فالبلدان المتقدمة لم تكتسب لقب التقدم إلا عندما طورت العلوم والتكنولوجيا وأولت البحث العلمي مكانة هامة وسخرت له البلاد والعباد.

وقد كان لي من قبل إطلاع على حال البحث العلمي في تونس ومكانته بما أن أمي أستاذة جامعية متفرغة للبحث العلمي واختصاصها البيولوجيا النباتية فقررت أن أنقل لكم الحوار الذي دار بيننا.

-أود لو تحدثيننا يا أمي عن أهم المشاكل التي يعاني منها قطاع البحث العلمي في تونس

فلنتحدث أولاً عن مركز البيوتكنولوجيا الذي أشتغل فيه حالياً لكي يكون حديثنا مفصلاً، أهم مشكل يواجهنا قلة مخابر البحث مقارنة بعدد الطلبة ومؤطريهم، فمخبر البيوتكنولوجيا المختص بدراسة النباتات المحلية في مركز البيوتكنولوجيا فيه أربعة مخابر صغيرة الحجم يستعملها أكثر من 100 طالب تقريبا و25 باحث من بينهم الأساتذة الجامعين  والأساتذة المحاضرين والأساتذة المساعدين، فإذا اتسعت المخابر لبحوث الطلبة لم تتسع لبحوث مؤطريهم وإذا احتوت المؤطرين لم تسع الطلبة، كما نعاني بصفة خاصة من عدم توفر المواد والأجهزة اللازمة للبحث وتتعرض المواد الكيميائية على قلتها للسرقة المستمرة  فنضطر إلى التنقل من مركز إلى آخر علنا نجد ضالتنا التي توقف من أجلها البحث بدون جدوى أحيانا.٬ ويضطر عدد كبير من الطلبة إلى السفر لإتمام أبحاثهم في فرنسا أو غيرها من الدول الأوروبية، ناهيك عن أننا كتونسيين لا نستفيد من بحوثنا التي ننجزها وإنما يستفيد منها الغرب واليابان مؤخرًا بمقابل بخس، رغم أن أرضنا أرض خصبة تنج أجود أنواع الزيتون والتمور في العالم ولها ثروة نباتية جزء منها مُهمل وجزء منها مُهدى للغير.

-لكن هل تعود هذه المشاكل بالأساس إلى نقص في الميزانية المخصصة للبحث العلمي سنوياً

أولاً الباحث في تونس لا يتقاضى مرتباً جيداً يشجعه على البحث والإنتاج كما هو الحال في الدول المتقدمة وهذا الانحدار في الوضع المادي للجامعي جعله بمثابة “الموظف” العادي الذي يشغله الشأن اليومي وفي ذلك تهميش لأحد أهم أدوار الجامعي أي التفكير والبحث.
أما بالنسبة للميزانية المخصصة للبحث فأظنها ضئيلة إذ لا يقع تلبية الطلبات الضرورية، فلا توفر السلطات المعنية المواد الكميائية الضرورية حتى للمحافظة على نمو النباتات التي تقع عليها التجارب وحتى المعدات البسيطة العادية التي تستعمل للتحاليل العادية اليومية لا توجد منذ ما يقارب سنتين تقريباً. إضافة إلى ذلك تبرر السلطات عدم إصلاحها للآلات المستعلمة بعدم التوفر المال الكافي لذلك والسبب الرئيسي لتعطل هذه الآلات هو عدم استقرار الكهرباء لأنه ينقطع باستمرار و لا يتحمل الضغط فيما يستخدم الجميع المكيفات، اضرب مثال لذلك:
قد تنقطع الكهرباء لمدة 24 ساعة و نضطر لإلقاء كل النباتات المعدة للتحليل و الموجودة في الثلاجة الخاصة بدرجات حرارة أقل من 80 درجة مائوية في الزبالة مع العلم أننا أمضينا أشهراً ننتظر نموها  ويتطلب ذلك مبلغاً مالياً باهظ وكهرباء للمحافظة عليها. ثم ماذا؟ ثم تلقى في الزبالة ببساطة.
وفي النهاية يقع التخلي عن الآلة بنفسها بعد العجز عن إصلاحها والتخلي عن التحاليل كلها وإرسال الطالب كي يقوم بالتحاليل خارج البلاد هذا إن وافقت كل السلطات على ذلك.

-أكيد أن لهذه المشاكل انعكاسات سلبية على الباحثين والطلبة.

طبعاً فقد كثرت الخصومات أثناء الاجتماعات التي أضحت لقاءات مملة لا تغير شيئاً ولا تغني ولا تسمن من جوع، ويجب أن لا نغض النظر عن تردي  مستوى طلاب المرحلة الثالثة من الناحية الأخلاقية والعلمية مما ساهم في تعطيل البحوث وعدم الالتزام الطلبة بما هو مطالب منهم وانقطاع العديد منهم أثناء القيام ببحوث الدكتوراه خاصة في أول  فرصة عمل تتسنى لهم أو حتى فرص الزواج بالنسبة للطالبات.

-هل هناك تواصل بين الباحثين وتبادل للخبرات بين مختلف المجالات؟

سابقاً كان هناك مقر واحد يجمع مختلف الباحثين في البيولوجيا ولو اختلفت التخصصات ولكن قبل سنوات تم صرف مبالغ طائلة لإعداد مقرات جديدة منفصلة فانقسمت المخابر كل تخصص على حده مما جعل التواصل بين الباحثين غائباً تماماً.  

-هل لديكم إدارة أو وزارة خاصة بكم تقوم على شؤونكم الإدارية؟

سأنقل لك أقوال أعضاء النقابة عن هذا الموضوع بالذات في حوار لهم مع صحيفة الوطن، إذ يقول “البشير الحمروني”: “لقد سارعنا بالتنويه لإرجاع البحث العلمي لموطنه أي وزارة التعليم العالي، لأننا دائماً نعتبر أن الأستاذ الجامعي هو باحث. لكن للأسف فإن مشاكل البحث العلمي مازالت قائمة. ربما لأنها مشاكل مزمنة وتتطلب حلولاً جذرية.هذه المشاكل ساهمت في تقلص الحماس لدى عدد من الجامعيين نحو البحث العلمي وأصبحوا يعتقدون أنه من الأمور البديهية أن لا يقوم الأستاذ الجامعي بالبحث العلمي. أقول هذا رغم الاعتمادات المرصودة للبحث العلمي… لكن لا ترى أي شيء وذلك بسبب هياكل المراقبة والروتين… والجميع يعرف أن البحث العلمي لا يمكن أن يسير بشكل إداري شأنه شأن أي ملف آخر، وأقدم بعض الأمثلة في هذا الصدد: انعقدت منذ مدة “الأيام الوطنية للبحث العلمي” لكن نتائجها لم تظهر إلى يومنا هذا… ورغم الاعتمادات المرصودة للبحث العلمي على مستوى الكلية وحتى على مستوى الأستاذ الجامعي فإن العديد من الأساتذة يجدون صعوبة في القيام ببحوثهم ومشاريعهم بسبب هياكل المراقبة والروتين، الأساتذة الجامعيون متحمسون للعمل في هذه الميادين لكن العوائق تحول دون ذلك وهو ما يتطلب التدخل، ويضيف “مصطفى التواتي”: “حول هذه النقطة أقدم الرسم التالي لتوضيح مسار اتخاذ القرار لإعداد بحث علمي:

1- المخبر (وحدة البحث).

2- إدارة المؤسسة.

3- الإدارة العامة للبحث العلمي.

4- وزارة التعليم العالي والبحث العلمي.

5- وزارة المالية (المراقبة المالية).

6- الوزارة الأولى.

ويظهر من خلال هذا الرسم حدة الإجراءات البيروقراطية التي من شأنها تعطيل أعمال البحث العلمي، ومن ضمن المشاكل أن هناك أموالاً مرصودة لكن لا يمكن التصرف فيها”.

ويعقب على ذلك “محمد عبد العظيم” بالقول: “هناك مشكلة تتمثل في عدم التمييز بين البحث العلمي النظري والبحث العلمي التطبيقي، ولابد من الوعي أن هناك خصوصيات بين هذين المجالين لابد من مراعاتها ولابد أن تنعكس على المؤسسة، وربما هذا ما يجعل العديد من الأساتذة الجامعيين لم يشعروا أن شيئاً تغير في الكليات بعد عودة البحث العلمي إلى وزارة التعليم العالي.

ثمة عدة مشاكل تؤثر فعلاً في التقدم بالبحث العلمي من ذلك لابد من التنظيم والحد من مظاهر العمل البيروقراطي/الإداري الذي يحد من العمل… وأيضاً لابد من توفير الحوافز المادية والمعنوية للجامعيين حتى ينجزوا بحوثهم.

-في النهاية أشكرك على هذه التوضيحات وأتمنى أن يحرص الباحثون على تغيير هذا الوضع الراهن مهما كلفهم الأمر.

 



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك