حوار مع الباحث مصطفى بوكرن صاحب مبادرة “صالون يقرأون” و “مبادرة قراءات على اليوتيوب”

7 يونيو , 2015

الأستاذ مصطفى بوكرن، باحث مغربي متخصص في الدراسات المصطلحية ومهتم بالشأن الثقافي والفكري، له عدة مشاركات علمية في مراكز بحثية وكتابات متعددة؛ أطلق مبادرة حول القراءة على مواقع التواصل الاجتماعي حظيت بالقبول والتفاعل الكبير من القراء بالمغرب وخارجه، حملت المبادرة واجهتين للاشتغال وإذكاء ثقافة التفاعل مع الكتاب وترويجه، خصص للواجهة الأولى صالون أخذ اسم “صالون يقرأون” ينتظم فيه ثلة من الباحثين الشباب لمدارسة أحد الكتب للمؤلفين الشباب بمكتبة عبد الكريم الخطيب، التي وضعها المفكر المغربي المقرئ الإدريسي أبو زيد بمدينة الجديدة رهن إشارة الباحثين.

وبعد مبادرة “صالون يقرأون” أطلق الباحث مصطفى بوكرن على مواقع التواصل الاجتماعي مبادرة سماها “مبادرة قراءات على اليوتيوب”، حيث ينظم كل فرد متفاعل مع المبادرة قراءة في كتاب معين، ثم القراءة المصورة في دقائق معدودة للعرض على صفحة مبادرة قراءات على اليوتيوب في فيسبوك واليوتيوب معاً، للتعريف بمضامين الكتاب وأفكاره المحورية ومشاركته مع قدر أكبر من المتابعين، وقد حظيت هاته المبادرة بإقبال كبير في الأوساط الشابة المهتمة بالكتاب والقراءة.

لم يقف الأمر عند حدود تنظيم اللقاء الفكري أو تقديم قراءة في كتاب على شكل مصور، وإنما تم إطلاق تحدي أكثر الكتب أثرت في القارئ، فيقدم أحد رواد موقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك” الكتب العشرة أو المشاريع الفكرية الأكثر تأثيراً في حياته الشخصية وتكوينه المعرفي، ويقوم بالإشارة إلى بعض أصدقائه بنوع من التحدي لمشاركة الآخرين الكتب الأكثر تأثيراً في حياته، وهكذا عرفت مبادرة القراءة وثقافة الكتاب نوعاً من عودة الحياة بعد نقد طويل لاضمحلال الاهتمام بالقراءة والكتاب وهامشيته، وكان يعتمد لقياس ذلك حجم مبيعات الكتب ومختلف الوسائط الثقافية، خصوصاً مع الثورة المعلوماتية وظهور الكتاب الالكتروني.

نحاور الأستاذ مصطفى بوكرن عن المبادرة الفكرة التي أطلقها سابقاً، وعن موضوع القراءة والكتاب في مجموعة من الأسئلة، شاكرين له التفاعل الطيب الكريم.

1، كيف تقدم للقارئ كل من مبادرة صالون يقرأون ومبادرة قراءات على اليوتيوب؟ ماهية الفكرة وأهدافها؟

أشكركم على هذه الدعوة الطيبة، بادر مجموعة الشباب الذين يفدون إلى مكتبة الدكتور المقاوم عبد الكريم الخطيب- التي أسسها المفكر المغربي المقرئ الإدريسي أبو زيد- بادروا إلى تأسيس صالون يقرأون من داخل المكتبة، قصد تفعليها، و التعريف بها، فيحضر كاتب مع كتابه، الذي اطلع عليه مجموعة من الباحثين، فيقدمون قراءات متقاطعة في ما بينهم، ويكون النقاش حراً وهادئاً وعلمياً، بعيداً عن الصراخ و التعصب، الفكرة تواجه بالفكرة والهدف خلق مناخ حواري بين مجموعة من الشباب المتحمس للمعرفة، حول قضايا شائكة، وقد نقاشنا كتباً تناولت العلاقة بين طه عبد الرحمن ومحمد عابد الجابري، للدكتور عبد النبي الحري، وكتاباً للباحث طقوس القربان في الاديان للباحث الحسن حما، وكتاباً للباحث عبد  الله إدالكوس حول الحداثة الغربية، كما احتفلنا بالذكرى السادسة للمسيري رحمه الله، وأقمنا لقاءاً فكرياً بعد وفاة المفكر المغربي عبد الهادي المنجرة، لاستعراض منتجه المعرفي.

وكانت جل القاءات مميزة ومثمرة

2، هل حققت المبادرة الفكرية أهدافها، وما تقييمك لها؟

حينما كنا نعقد هذه اللقاءات الفكرية، وننشر الصور في صفحتنا على الفيس بوك، كان الكثير من الشباب يشيد بهذه المبادرة، مبادرة الاهتمام بالكتاب وقراءاته، وكانوا يتحسرون أنهم يريدون الحضور لهذا النشاط الفكري لكن بعد المسافة يحول بيننا وبينهم، في هذا السياق جاءت مبادرة “قراءات على اليوتيوب”، حيث طلبنا من الشباب المتحمس للقراءة، أن يقوم بمجهود عادي وبسيط، أن يقرأ كتاباً ويلخصه ثم يصور تلخيصهم في دقائق لا تتجاوز 15 دقيقة. صراحة كانت الفكرة حينما أطلقناها مبدعة وجديدة، حيث بحثت في اليوتيوب عن شبيهتها فلم أجد، لكن الحمد لله اليوم هناك الكثير من المبادرات تشبهها في العالم العربي، طبعاً في الغرب هذا النوع من القراءات موجود كثيراً على اليوتيوب شاب في منزله يصور نفسه يقدم قراءة لكتاب أعجبه وينشر القراءة.

3، لماذا خصصت مبادرة صالون يقرأون للكتاب الشباب دون غيرهم؟ وهل يمكن أن نرى المبادرة في حلة جديدة تنفتح على أكبر شريحة من الكتاب والقراء معا؟ وهل سنرى المبادرة في حلة جديدة؟

المسألة بسيطة جداً، حينما اجتمع الشباب الذين فكروا في إطلاق هذه المبادرة، أكدوا على أن انشطتهم الثقافية، لا يريدونها أن تكون جماهرية، ولا يحضرها الكبار من المثقفين والكتاب، بل فكروا في أن يبدؤوا بأعمال صغيرة جداً تكبر ثم تكبر لوحدها، دون تكاليف كبيرة، فقالوا إن أهم شيء هو الاهتمام بالشباب الذين أصدروا كتابهم الأول، لدعمهم وتحفيزه وإشعاره بالتقدير، وفعلاً تحقق ذلك، وكانت النتائج متميزة جداً، ننادي على شاب أصدر كتابه، فيقدم تقريراً حول الكتاب، ويناقش الكتاب مجموعة من الباحثين كل من زاوية نظره، ويكون النقاش مثمراً وجميلاً، والغاية من كل ذلك أيضا هو أن الذي يحضر إلى صالون يقرأون هو المستفيد الأول والأخير، فحضوره يجعلهم يستمع ويناقش ويتحاور ويكتب.

وفعلا خلقنا أجواء متميزة نتحلق حول كتاب وكاتبه.

4، هناك من يقول بأن الثورة الرقمية وتكنولوجيا الاتصال كان لها التأثير مكان الكتاب ومدى انتشاره وتداوله، فأدى الكتاب الرقمي والمواقع المكتبية الخاصة إلى التحجيم من انتشار الكتاب الورقي، وهناك من يربط هذا الأمر بارتفاع سعر الكتاب، كيف يمكنك أن تحدثنا عن كيفية الاستفادة المتبادلة بين الكتاب ووسائل الاتصال والتواصل الحديثة وأنت فعلت ذلك في مبادراتك؟ وهل ترى في انتشار الكتاب الالكتروني وباقي الصيغ مع النظم المعلوماتية أثراً سلبياً على انتشار الكتاب الورقي؟

بكل تأكيد، أن الإنترنت مكن الكثير من المدمنين على القراءة لمطالعة آخر الكتب، وهذا أثر بشكل كبير على المستوى المعرفي لهؤلاء القراء الجدد، هناك بعض الكتب لم تصل إلى المغرب، لكنها موجدة في بلد آخر، فيقع التبادل المعرفي، وهذا نوع من التثاقف والحوار العلمي المثمر بين الشعوب العربية، ونظراً لأهمية هذا الموضوع، قامت الكثير من المواقع على الإنترنت، لتصوير كنوز التراث العربي، هناك كتب طبعاتها الورقية غير موجودة، فوفرها الإنترنيت.

لكن هناك مشكلة ينبغي التنبيه لها، وهي أن الكثير من الشباب يتابعون آخر الكتب فيقمون بتحميلها، لكن لا يقرؤونها، بل تصبح عندهم مكتبة كتب pdf بالعشرات، ولم يقرؤوا كتاباً واحداً وهذا تعتبر مشكلة، فنتج عن ذلك إنتاج شخص محب لتحميل الكتب لكن لا يقرأ.

ويمكن أن نقول أيضا أن هذا التدفق الهائل للكتب على شبكة الإنترنت قدم خدمة كبيرة للباحثين، عند بناء لوائح المصادر والمراجع، التي سيعتمدونها في البحث، لكن هذا كذلك لا يخلوا من سلبيات، حيث أن بعض الباحثين يصبحون من “الحطابين” يحطب المعلومات ويضعها في بحثه دون تأمل ولا تحليل ولا تفكيك ولا تركيب، المهم هو أنه ملأ البحث وأشبعه حد التخمة بالمعلومات، لكن الأهم اليوم، الجهد ينبغي أن يركز في التحليل لأن المعلومات موجودة، عكس ما كان في الماضي المعلومات قليل فتأخذ كل الجهد.

5، هناك تقارير عدة يمكن تتحدث عن ضعف منسوب القراءة والتعاطي مع مختلف الوسائط الثقافية، إلى أي حد هذا القول صحيح؟ وإن كان كذلك فما هي الأسباب الفاعلة في هذا الضعف؟ وكيف يمكن تجاوزه؟

قضية ضعف نسبة المقروئية في العالم العربي مجمع عليها، السبب بسيط جداً، وحله أيضا بسيط جداً، السبب إبعاد التلميذ عن الكتاب منذ أول خطوة إلى المدرسة، حيث يحاصر التلميذ “بالمقرر المدرسي”، لكن لو كان التلميذ يشجع ويحفز على ارتياد المكتبة بتأطير من أستاذه، وأن يكون هذا البرنامج مقرراً من الابتدائي إلى الجامعي، سينعكس ذلك بكل تأكيد على المجتمع، إضافةً إلى أهمية الأسرة في تشجيع أبنائها على قراءة الكتب، وقد يبرر الكثيرون ضعف قراءتهم، أن الكتب ثمنها باهظ، لكن لو تأملنا الكثير من الأسر، حينما يتزوج شاب وشابة أول ما يفكران فيه، بيت النوم، وأثاث المطبخ، وأثاث الجلوس، وهذا اليوم مكلف بكل تأكيد، لكن من النادر أن يفكرا في إنشاء مكتبة ولو كانت صغيرة، يملآنها بأهم الكتب، حينما يأتي الابن والبنت إلى الوجود، تكون المكتبة جزءاً من هذا العالم الذي تتعرف عليه.. فإذا تحالفت الأسرة والمدرسة على دعم القراءة والاهتمام بالكتب، فإن ذلك سينعكس على المجتمع.

6، بالحديث عن القراءة يتبادر إلى الذهن المسألة التعليمية ودور المكتبات داخل المدارس والجامعات في تشجيع الوصل الدائم للتلميذ مع الكتاب، كيف ترى حضور هاته المكتبات بالمؤسسات التعليمية (مدارس وجامعات) ؟ هل هي في مستوى التحديات الثقافية والفكرية والارتقاء بالوعي، أم هي جزء من العطب والخلل؟ وما دور الأستاذ في تفعيل هاته المؤسسات واستنباتها إن كانت معدومة كما هو الكثير من المؤسسات التعليمية، أو يتطاير عليها الغبار وعتيقة لا تواكب الحركية الفكرية والثقافية ومن تم متطلبات البحث كما هو شأن المكتبات الجامعية؟

سأحكي لك تجربتي مع تلاميذ  المرحلة الثانوية، أطلب منهم بداية السنة، أن يختاروا كتاباً، في أي موضوع، بأي لغة، وأطلب منهم أن يقدمواً تلخيصاً للكتاب، بعد مضي شهر، أخصص لقاءاً لعرض القراءات مع إحضار الكتب، من الخلاصات التي اكتشفتها، في المنطقة التي كنت أدرس فيها، إن معظم التلاميذ ليس لهم مكتبة منزلية، إضافة أن الثانوية لا تحتوي على مكتبة مدرسية، لكن المفاجئ هو أن الكتب التي أحضرها التلاميذ، هي كتب تباع بثمن بخس أمام المساجد، فمثلاً تلميذة أحضرت كتاب “تحفة العروس”، حينما أظهرت الكتاب صُدمت، كيف لبنت وهي في سن 14 سنة تقرأ كتاب يتحدث عن الزواج ومتعلقاته، يعني أن التلميذ يمكن أن يقرأ الكتاب لكن بشرط أن يوفر له هذا الكتاب، وأن يرشده الأستاذ، وأن يكون الكتاب في مستواه الدراسي و الفكري، وبالمناسبة دعاة التطرف في الدين، الممولين من دول خليجية، كان لهم دور كبير في نشر كتب دينية بسيطة تسطيحية، فشخصياً، لم أعرف كتاب أهوال القبور إلا من خلال بائع الكتب أمام المسجد، ثمنه بخس، وتصميمه مثير للنظر، وغيره من كتب الفتاوى.. فمسألة تأطير الشباب في موضوع القراءة مسألة بالغة الخطورة تحتاج لأناس أمناء، خصوصاً في المراحل الأولى من التكوين الذاتي.

7، الحديث عن المكتبات ليس شأناً ذو صلة بالقطاع التعليمي وحسب، وإنما له صلة بالسياسة الثقافية للدولة والمؤسسات المنتخبة، سواء حكومات أو مجالس جماعية، وبهذا الخصوص نرى ضمور وظيفة المكتبة التقليدية في الأحياء، بحيث تعد المكتبات فتجدها على رؤوس الأصابع في مدن طافحة بالمرافق والتوسع العمراني وبها اهتمام جد مهور بالشق الثقافي ذات الصلة بالمهرجانات والتظاهرات الفنية الكبيرة، ونحن مقبلون على مهرجان موازين والعشرات من المهرجانات في كل المدن، عكس ذلك نجد أن الشأن الفكري وما ينمي الوجدان والعقل بطرق سليمة آخر شيء مفكر فيه، لماذا هذا الضمور والإهمال للمكتبات التقليدية في الأحياء؟ وكيف يمكن استعادة دورها وانتشارها؟ ولماذا برأيك الاهتمام كثيراً بالثقافة في شق المهرجانات دون اعتبار للشأن الفكري والثقافي المتحرر من قيود وتأثيرات العولمة ذي النمط الاستهلاكي السوقي كما هو شأن صورة نمطية لنوع من الثقافة يتم الترويج لها؟

هذه القضية مرتبطة في الأساس، بالرؤية المعمارية للمدينة، فالمدينة تعبر عن رؤية أهلها للإنسان، المتعدد الحاجيات (الروحية والعلمية والمادية، والجمالية..) فالمدينة اليوم أصبحت أكواماً من الإسمنت لا روح لها، لكن من بين ما يبث الروح في شرايين المدينة المكتبات الخاصة والعامة، ويمكن أن نشير إلى أن المكتبة في تاريخ الحضارة الإسلامية كانت جزءاً من المسجد، وفي هذا دلالة قوية، أن العبادة تقترن بالعلم، وسبيل العلم القراءة، وهذه المكتبات، هي مكتبات تضم إلى الأوقاف، حيث أن الكثير من المتبرعين خصوصاً من العلماء الكبار، يكتبون وصية لتوقيف مكتبته المنزلية، لمكتبة عامة تابعة لمسجد من المساجد، أو الزوايا، وهذا الذي فعل مؤرخ المملكة المغربية عبد الهادي التازي رحمه الذي توفي في هذه السنة، إذ كتب وصية يدعو فيها إلى أن تنتقل مكتبته المنزلية إلى مكتبة جامع القرويين بفاس، فتكون وقفاً لله.

في الحقيقة هناك فقر كبير، في هذا الموضوع من النادر أن تجد “مكتبة الحي” لكن يمكن أن تجد مقهى الحي بل “مقاهي الحي”، ويمكن أن يتدارك هذا النقص بالاعتناء بالمكتبات المدرسية، لما لها من دور بالغ الأهمية في بناء التكوين الذاتي للتلميذ، لكن للأسف هذه المكتبات إن تحدثنا عن المغرب مثلاً، هي موجودة لكن ضعيفة المحتوى، وإن وجدت المكتبة، فمرتادوها قلة قليلة.

لكن لابد من التنويه أن وزارة الثقافة في المغرب، اعتنت بمؤسسات سُميت بالمكتبات الوسائطية، وهي بالغة الأهمية، تجدها في بعض المدن، لكنها أيضاً، تواجهها تحديات فالقراء قلة، والمحتوى ضعيف، لكن هي مبادرة تستحق التشجيع والدعم.

صفحة مبادرة قراءات على اليوتيوب



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك