حين قال المعلم لتلاميذه: “لا تدرسوا واستمعوا للحكايا”

2 أكتوبر , 2017

“لستُ أفلسفُ الأمور إذا أقول بأني لم اختر التدريس وإنما هو الذي اختارني! أو بالأحرى الظروف كانت كالخاطبة التي تجمع اثنين لا يعرفان بعضهما”

بهذا بدأ المدرس الفلسطيني أدهم الشرقاوي كلامه وهو الكاتب المشهور بلقب “قس بن ساعدة” صاحب النتاج الأدبي اللافت في السنوات الأخيرة.

 

 

هو عازفٌ للحروف من الدرجة الأولى؛ ولعل ذلك يتضح من أول مقطع في حديثه مع “شبكة زدني للتعليم” : “كان معهد دار المعلمين يمنح فرصة الانتساب إليه لمن يحصلون على تقدير في الثانوية العامة، ويؤّمن وظيفة لهم فور تخرجهم، فكان الأمر أقصر طريق للوظيفة”.

و”ضيفنا” لاجيء فلسطيني في لبنان التحقَ بسلك التعليم منذ عام 2003؛ ويعمل حاليًا في وكالة الغوث للاجئين (الأونروا)؛ وهو الآن معيدٌ  في جامعة بيروت العربية حيث يدرس الدكتوراه”.

 

السر في الحب

تُرى هل “جيل زمان” من المعلمين يختلف عن جيل اليوم؛ كان هذا السؤال الافتتاحي الذي صوّبته بلطفٍ نحوه؛ لتسبق الابتسامة الجواب: “الجيل الأول يختلف عن جيل اليوم في كل المجالات وليس في التعليم فقط، الآباء والأمهات والزوجات والأبناء والجيران لم يكونوا كما نحن اليوم، ولستُ بصدد الحديث عن الأفضل فيهما، لكل عصرٍ خصائص وتحديات ومتطلبات، ولكل عصر جيله كذلك؛ شخصيًا أحب أن أكون أنا”.

أحمد الحزوري كان الأستاذ الذي طبع نفسه في ذاكرة هذا الشاب، حين درسّه في المرحلة المتوسطة، ومن ثم في دار المعلمين، بنبرة وفاءٍ وحنو يتحدث عنه: “كان إنسانًا عظيمًا ومربيًا من الطراز الأول، ولا أعتقد أن أمثاله يتكررون كل يوم؛ ربطتني به صداقة وثيقة ما زالت حتى اليوم رغم تقاعده؛ هو يعشق التدريس ويعتبره رسالة؛ لم يكن يبدأ حصة دون مقولة اليوم؛ وعادة تكون حديثًا او آية أو بيت شعر أو مثل وهذه نقطة تأثرتُ بها منه وأخذتها عنه؛ فقد اعتدتُ منذ سنوات أن أكتب مقولة اليوم في سبورة غرفة المعلمين؛ وبدأت بتصويرها ونشرها في صفحاتي الشخصية على مواقع التواصل الاجتماعي منذ سنة ونصف تقريبًا”.

ربما يتساءل أحدكم كيف لمدرسٍ للغة العربية أن يكون خارجًا عن المألوف؛ يختصر أدهم الوصفة بالقول: “السّر يكمن في الحب؛ من أحبّ شيئًا حبب الناس به وأنا لستُ محبًا للغة فقط أنا عاشق لها؛ وكثيرًا ما أخرج عن محتوى الكتاب؛ بل أني أفعل هذا كل يوم؛ لآخذ طلابي في رحلة مع العرب والأشعار والطرائف والقصص والعادات والتقاليد”.

وربما لم يحالف أحدكم الحظ في أن يمر بموقف من هذا القبيل كطلبة هذا الصف؛ يحاول أن يرسم المشهد البديع على طريقته: ” كانت حصةٍ مدهشة في العام الماضي حين طُلب منا أن نعطي التلاميذ واجباتٍ للعطلة الشتوية، فكتبت على السبورة ما يلي:

(الواجب للعطلة الشتوية.. لا تدرسوا، اجلسوا حول الموقد، واشربوا الشاي، واستمعوا للحكايا، هناك متسع للدراسة في كل وقت، ولكن ليس هناك متسع للسعادة دومًا؛ ما تبقّى حصص للنسيان).

 

وعن البصمة التي يحاول أن يحقق بها سمة الاختلاف؛ يرى أن زملائه في الغالب لديهم إمكانيات كبيرة ويحبون مهنتهم “وإن أشبهتهم فهذا إنجاز” وفقًا لقوله؛ مضيفًا: “لكن ربما أختلف عن كثير منهم أني أحب الأدب؛ فمثلاً أنا أكتب “مقولة اليوم” منذ سنوات في غرفة المعلمين؛ أشرح بيت شعر أو حديث أو مقولة قبل بداية كل حصة؛ وأجدني أحتضن المدرسين الجدد وأشجعهم وهذا شيء للأسف لا يفعله الكثيرون وافتقدته في بداية تدريسي؛ فقررت أن أفعله مع الآخرين”.

غرفة الصف عالم صغير، أو أن العالم صفٌ كبير

بطبعه ليس صبورًا، لذا يدين للتدريس أنه أوجد فيه شيئًا من الصبر و”برودة الدم” إن جاز التعبير؛ و يؤكد القناعة التالية: “لو لم أكن مدرّسًا لربما لم تتح لي فرصة التعامل في عدد كبير من العقول والنفسيات والطباع والأهواء المختلفة في مكان بحجم غرفة؛ ولستُ أبالغ إذ أقول أن غرفة الصف عالم صغير، أو أن العالم صفٌ كبير”.

 

حصة المطالعة مقدسة

أول حصة في العام لا حاجة له بابتكار نكهة لها؛ فهو عادة ما يدرّس طلابه لسنوات؛ ومعروفٌ بينهم بالمدرس الذي يعرف قصصًا كثيرة؛ دومًا يقص عليهم؛ وكلاهما يستمتعان بالأمر.

وعن تحضيره للدرس؛ فهو لا يستعد كثيرًا، وكذلك لا يستعد قليلًا، وإنما بحسب الدرس، وعلى الأغلب الاستعداد في الوسائل وليس في المعلومات، “وجميعنا لدينا منها ما يكفي”.

ويرى أن:

مشكلة المناهج تكمن في جعلها للكتاب المدرسي كعجل بني إسرائيل؛ مقدس مع أنه مجرد عجل.

 

قاطعته بسؤالي: “إذاً كيف تتعامل مع هذه العقبة؟؛ ليقول: إذا لم نصنع إنسانًا شغوفًا بالمعرفة والمطالعة فنحن نلّقن لا نعلم؛ شخصيًا حصة المطالعة مقدسة عندي؛ أوزع عليهم الكتب؛ وعليهم أن يملأوا ورقة أعددتها واسميتها ثمرة المطالعة؛ تبدأ بالسؤال عن عنوان الكتاب ومؤلفه؛ الشخصيات التي أعجبتك والسبب؛ الشخصيات التي لم تعجبك والسبب؛ وتعابير وجمل أعجبتك؛ تعابير وجمل لم تعجبك لأجعل القراءة هادفة وأتأكد أنهم قرأوا”.

 

وفي نقد موضوعي لمنهاج اللغة العربية في لبنان؛ فهو يقيّم المنهاج القديم بالضعيف؛ كونه يهتم بالتحفيظ على حساب الفهم؛ مضيفًا: “أما الجديد فتداركَ هذا الأمر إلى حد بعيد؛ ما يميزه أن ينمي القدرة على التفكير وما ينقصه أن يكون واقعيًا أكثر”.

وفي السياق نفسه يتابع: “بعض دروس النحو فيها تفاصيل أنا درستها في الجامعة وهذا يكرّه الطالب في اللغة؛ ولكني لا ألتزم بالكتاب حرفيًا؛ ما أجده صعبًا أتركه وما أجد فيه قصور أتداركه”.

مهمة التعليم هي إعداد الطلاب للحياة

ويؤمن تمامًا أن الامتحانات والدرجات ليست أمثل طريقة لتصنيف الطلاب؛ موضحًا مقصده:” لم يهتدي البشر بعد إلى طريقة أعدل منها؛ شخصيًا ألتزم بها لأن هذا هو النظام المتبع؛ ولكن لا شك لدي تصنيفي الخاص بالطلاب؛ مثلًا مرّ عليّ طلاب متفوقون لا يعرفون من الحياة سوى الطريق إلى المدرسة وهذا شيء لا أستسيغه؛ إن مهمة التعليم هي إعداد الطلاب للحياة وفق شخصية مكتملةٍ ومؤهلةٍ لها، وتحويل الكائن البشري الصغير هذا إلى إنسان، وليس تحويله من طفل إلى آلة جمع علامات؛ والحياة أكبر من المدرسة؛ ولكن هذا لا يمنع تشجيع المتفوق والأخذ بيد المتأخر

 

ويعتز بالصداقة بينه وبين طلابه؛ محاولاً قدر الإمكان أن يكون أخًا كبيرًا لهم في المدرسة وخارجها أيضًا؛ يبتسم أثناء حديثه عن هذا: “أسلم عليهم في الطريق؛ وأزور مريضًا منهم إن وجدتُ وقتًا؛ وأحل مشاكلهم مع زملائي والإدارة بحسب ما أستطيع”.

وعند اكتشافه طالبًا موهوبًا في الكتابة؛ فإنه يقدم له نصائح ككاتب صغير وليس كتلميذ؛ ويحدث كثيرًا أن يستدعيه في حصة الفراغ أو في “الفرصة” ويعطيه كتابًا ليقرأوه أو يطلب منه كتابة شيء ما في المناسبات.

قد يظن بعضٌ أن “الكتابة” ساهمت في تطوير أداء أدهم في التدريس؛ وهنا يتحرى الدقة : “لا أشعر أني أفيد طلابي أكثر من زملائي الآخرين، اللهم أني لحبي للكتابة يلفتني الطلاب الذين لديهم ملكة في التعبير، فأراني أشجعهم وأنصحهم، وأعتقد زملائي الذين يدرّسون اللغة العربية أيضًا يفعلون الشيء ذاته، وقد توظفتُ في سن مبكرة ولم أكن قد بدأت الكتابة بشكل يُسمى كتابة فعلية، ولم ألاحظ أنّ الكتابة غيرت في أدائي الوظيفي كثيرًا؛ الكتابة في واد والتدريس في وادٍ آخر”.

 

مهنةُ صعبة

لا ينسى أي مدرس تعليقًا مميزًا سمعه من تلاميذه؛ أما “قس بن ساعدة”- الاسم المستعار الذي اشتهر به-  فقد تبعه طالبًا ذات مرة اسمه سليم خارج الصف بعد ان انتهت الحصة وقال له: “أستاذ أنا بحبك”.

سألته إن كان طلابه يقرأون له ما يكتب من رواياتٍ وكتب؛ ضحك من قلبه وقال:” أغلب طلابي يقرأون لي وبعد أن صار أبي يقرأ لي لم يعد يخيفني شيء آخر”.

أما النصيحة التي يمكن أن يوجهها لمدرس جديد؛ فهي تحديدًا تلك التي قدمها له زميله القديم؛ حين قال له: ” الذين تدرسهم اليوم ستلتقي بهم لاحقًا في الحياة؛ فإن لم تستطع أن تصنع منهم أصدقاء فعلى الأقل لا تجعل منهم أعداء”.

وتستحوذ التجربة اليابانية والكندية على إعجابه؛ والسبب حسب رأيه أنهما يبتعدان عن التلقين ويجعلان غاية التعليم الارتقاء بقدرات التلميذ لأعلى مرحلة ممكنة فيكون في سباق وتحد مع ذاته وليس مع الآخرين”.

ولا يغادر هذه النقطة قبل أن يستشهد بما قاله رئيس الوزراء الياباني: “أعطينا المعلم راتب وزير وحصانة نائب وإجلال إمبراطور”، معقبًا: “للأسف المعلم هو الحلقة الأضعف في العملية التعليمية؛ وليس المدرس وحده في الوطن العربي من يعاني أوضاعًا غير مُرضية، جميعنا نعاني الظلم والقهر، سواء من يعيش في وطنه ومن يعيش لاجئًا في وطن آخر، ولكن يبقى اجتماع الظلم والغربة على المرء أقسى من أحدهما عليه”.

ولا يتفق مع الرأي القائل أن الناس يَعزفون عن التعليم لأنها مهنة تقليدية ومملة، بل لأنها صعبة حسب وجهة نظره.

بالنسبة له الجامعة هي المرحلة التعليمية التي استمتع بتدريس طلابها؛ وعن هذا يقول: “عندما درّستُ كمعيد في الجامعة بحكم دراستي للدكتوراه، في هذه المرحلة وجدتُ نفسي فعلاً، التدريس في المدرسة أجد فيه فجوة بين ما أعرفه وما أقوم بتدريسه، فحين أدرس النقد والنحو المقارن والبلاغة، وأحصل على الماجستير والدكتوراه ثم أصعب درس أقوم بتدريسه في المدرسة هو كان وأخواتها، أشعر بفجوة كبيرة، تشبه مباراة منتخب البرازيل في فريق حارتنا”.

ويرى أن المرحلة الابتدائية والمتوسطة تتطلب أسلوبًا أكثر مما تتطلب من المعلومات، لأن المهارات التي تتطلبها في التدريس بسيطة، على عكس الجامعة التي تحتاج معلومات كبيرة إضافة إلى الأسلوب؛ وفقًا له.

ويتابع في هذه النقطة: “على المستوى الأكاديمي فارق المعلومات بين طالب دكتوراه وطالب في الصف السابع لا تتيح للأستاذ فرصة أن يتعلم شيئًا أكاديميًا من تلاميذه، ولكن على المستوى الإنساني، دومًا يكون هناك نفسيات وعقول تعلمنا ما لا تعلمنا إياه الكتب”.

سألته عن قصة النجاح التي حققها مع طالب ولن تمحى من ذاكرته؛ بابتسامةٍ متواضعة قال: ” حقًا لا تخلو ذاكرة مدرس من هذا الطالب؛ وتكتظ ذاكرة التلاميذ بأحداث المعلمين ومواقفهم؛ لكن بعض القصص لا يصح إخبارها؛ قال لي جدي يومًا بعد أن افتخرت أني سبقت أختي في ختمة القرآن: “يا ولد تعلّم أن تخفي حسناتك كما تخفي سيئاتك”.

 

استخدم “حصة الرياضة” كسلاحٍ نووي

وللرجل لمسةٌ خاصة في الثواب وكذلك في العقاب؛ يكشف عنها بالقول: “نصف حصصي لغة عربية ونصفها رياضة؛ وحصص الرياضة سلاحٌ نووي؛ لا يريد أحد أن يُستخدم ضده؛ أحيانًا أحرم المقصر من حصة فيعتدل حتى آخر العام؛ وأحيانًا أمنحهم حصصًا إضافية في حال غياب أستاذهم”.

(لو أصبحت يومًا وزيرًا للتربية والتعليم ما هو أول قرار ستتخذه؟).. من فوره ألقي بإجابة جميلة نحو سؤالي الأخير: “أول قرار سأتخذه هو أن أستقيل؛ لا أريد التورط أكثر.. تخنقني المناصب والمكاتب؛ أفضّل مخاطر الغصن على رفاهية القفص”.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

التعليقات تعليق واحد

محمود ماهر
محمود ماهر منذ شهرين

مدهش <3

أضف تعليقك