دكتور هشام سلام: قصة نجاح من أوكسفورد إلى اكتشاف المنصوراصورس

22 أبريل , 2018

سمعنا منذ فترة عن الاكتشاف المصري لحفرية ديناصور المنصوراصورس، الذي أثار المجتمع العلمي لأهميته، حيث يعتبر واحدًا من أندر الاكتشافات بمجال الحفريات الفقارية بوقتنا الحالي.

 

فهممت بالتحرك لإجراء مقابلة مع دكتور هشام سلام صاحب ذلك الإنجاز الرائع، حتى أتحدث معه حول رحلة البحث كي أقوم بالكتابة عنها .. لكن ما حدث حينها أنني وجدت رحلتين وليست واحدة، حيث أذهلني دكتور هشام منذ بداية لقائنا، برحلته في التعلم وكيف أن النجاح المبهر الذي حققه كان نتاج سنوات طويلة من الكفاح والتعب، وهي قصة أود أن أشارككم إياها قبل أي شيء.

 

 

لنتحدث أولاً، عن تلك اللحظات المدهشة التي قابلتها بمجرد وصولي إلى جامعة المنصورة، على وجه الخصوص كلية العلوم قسم الجيولوجيا.

حينها كنت أتوقع مقابلتي لشخص كبير بالسن يرتدي بدلة رسمية ويجلس بمكتبه فيعطيني نصف ساعة أو أقل كي أنهي اللقاء. لكن ما حدث كان عكس توقعاتي تمامًا، حيث وجدت دكتور هشام يجلس بمعمل الجيولوجيا وسط الحفريات والهياكل الموزعة بجميع أرجائه.

قابلني بابتسامة، وتصافحنا، وبمجرد أن جلست سألني عن أي المشروبات أُفضّل! عبرت عن شكري، لكنه أصر على الأمر، وقمنا سويًا لخدمة أنفسنا. أدهشني هو التعاون الذي أظهره دكتور هشام منذ البداية. وإن كنتَ طالبًا مصريًا مثلي وتتعامل يوميًا مع عدد لا بأس به من أساتذة الجامعة، سوف تدرك ما أقصده، وسترى الفرق الواضح بين التواضع، والأفعال الأخرى!

لكن ذلك ليس موضوع حديثنا الآن، فدعوني أخبركم عن قصة الكفاح التي ستتعلمون منها درسًا لن يُنسي بلا شك.

 

اطلع على

4 سنوات ليخرج “ديناصور المنصوراصورس” للنور، فريق بحثي قاده الفضول لاكتشافه العظيم

بداية حياته العلمية

حصل دكتور هشام على درجة البكالوريوس من كلية العلوم بالمنصورة عام 1997 م، وبدأ العمل بها بذات العام بعد أن تم تعيينه بالجامعة حيث كان من الطلبة المتفوقين، كما قام بالبدء في عمل دراسة الماجستير بالجيولوجيا، وبعد أن أنهاها بدأ في العمل بالمتحف الجيولوجي المصري بداية من عام 2003 م.

 

كان شغفه حينها هو مجال “الحفريات الفقارية” على وجه الخصوص؛ طالما بحث دائمًا عن علم جديد يفيد المجتمع. لكن الأمور لم تسير على ما يرام بعمله في المتحف الجيولوجي وبدأت الصعاب في الظهور، فقام في البدء بالمذاكرة كي يتقدم إلى منحة الحكومة المصرية للتعلم بالخارج عام 2006 م، واستطاع بالفعل الحصول عليها كي يبدأ رحلته التالية لطلب العلوم.

 

الدراسة بالخارج

قُبل دكتور هشام لدراسة الدكتوراه بعلم “الحفريات الفقارية” بجامعة أكسفورد في بريطانيا بعد أن قدم على المنحة، وبذلك يكون أول شخص عربي يدرس ذلك المجال بالعصر الحديث. حينها فتحت له نوافذ جديدة على العالم والعلوم، حيث قال: “كان العلم بأكسفورد منظم وغزير، وكان كل همي تطبيق ما أتعلمه هنا بمصر”

 

كما أخبرني، بأن كل البعثات التي قامت بالتنقيب عن الحفريات بمصر كانت أمريكية، حيث بدأت منذ عام 1961 حتى عام 2012 م؛ نتيجة عدم توافر علوم الحفريات بصورة كبيرة بالجامعات المصرية. ووضح أيضًا أن تلك البعثات كانت تفضل التكتم على علومها، واعتبار المصريين مجرد مساعدين لهم في الأعمال التقليدية، كنقل المعدات وما إلى ذلك.

 

لذا، كان الحلم الأكبر لدكتور هشام هو أن يقوم بنقل تلك العلوم التي يحصل عليها من الخارج إلى مصر، وأوضح نقطة هامة عن الحفريات المصرية ومناطق استكشافها حيث قال:

“مثلما نمتلك رمسيس وآثار نادرة أخرى لا يملكها أحد، نمتلك أيضًا وادي الحيتان الذي يضم عدداً هائلاً من أندر الحفريات المتواجدة بالعالم”.

 

حينها علمت أن شعلة البحث، كان يتم تزويدها بوقود الانتماء، وأن حلم تحقيق الإنجازات ببلده الأم كان الدافع الأكبر لإكماله مسيرة التعليم الشاقة بالخارج.

 

العودة إلى مصر

عاد دكتور هشام إلى مصر بعام 2010 بعد أن حصل على درجة الدكتوراه، وكله شغف كي ينقل تلك العلوم إليها وينشر معها احترافية التعامل والتعاون. فقاد أول توجه مصري للبحث عن الحفريات الفقارية بعد البعثات الأجنبية، كما قام أيضًا بالبدء في العمل على الأهداف الستة التي وضعها وهو هناك بالسنة الثانية له للدراسة ببريطانيا، وقد كانت تلك الأهداف كالتالي:

 

 استقطاب الطلاب المتميزين وتدريبهم

بينما كنت أجلس بالمعمل، كان يتواجد ورائي على إحدى مناضد البحث، طلاب يقوموا بإجراء بعض الفحوصات على حفريات، وقد تفاجأت عندما علمت بأن بعضهم بالسنة الأولى الدراسية، والبعض الآخر من جامعات أخرى.

وذلك هو الهدف الأول، فبغض النظر عن سنك أو مستواك بمواد الدراسة أو مكان تواجدك . فقط بإظهار شغفك بالعلم واجتهادك في البحث سوف تجد حتمًا باب المعمل مفتوح لك.

 

عمل رحلات استكشافية بمصر

 

يعد عمل الرحلات الاستكشافية العلمية إلى المناطق التي تحتوي على حفريات مثل منطقة “وادي الحيتان” أحد الأهداف الرئيسية لدكتور هشام، حيث أنها سوف تساعد على نشر الثقافة العلمية، وتنمية حب البحث لدى الطلاب، بالإضافة إلى توجيه الأنظار إلى تواجد تلك المناطق النادرة بمصر.

 

إنشاء معمل متطور

يشكل تكوين معمل متطور يتيح مناخ أفضل للباحثين واحدًا من الأهداف التي يعمل عليها بكل جهد، حتى يوفر بيئة جيدة تنتج المزيد من الأبحاث والاكتشافات الأخرى.

 

التعاون العلمي مع المجتمع الخارجي

قال دكتور هشام إن البحث العلمي يحتاج إلى تعاون مع المجتمع الخارجي بهدف تبادل الخبرات والمعلومات المختلفة التي تساعد على إنتاج المزيد، وتنمية جودة الأبحاث المنتجة.

 

توفير المواد العلمية للطلبة

عند الحديث عن تخصص “الحفريات الفقارية” بمصر، فنحن نتكلم عن تخصص ناشئ بجامعاتنا، حيث يحتاج إلى المزيد من المواد العلمية والمصادر التي تساعد الطلاب والباحثين على الاستزادة منها.

 

عمل متحف تاريخ طبيعي

لا تتوقف أهداف دكتور هشام سلام على نشر علومه وسط الباحثين والطلاب فقط، حيث إنه يحلم بإنشاء متحف للتاريخ الطبيعي يتيح للجميع رؤية الحفريات النادرة التي نمتلكها.

 

أهداف كبيرة سوف تحتاج إلى مجهود عظيم لتحقيقها، لكنها ليست مستحيلة طالما ظلت رغبة النجاح مستمرة. وأعتقد أن أحد الأشياء التي لفتت انتباهي، هو استغلاله لأبسط الإمكانيات المتاحة للوصول إلى هدفه، فعندما عاد إلى مصر، حصل على معمل صغير، لكنه مع ذلك وضع به كل مجهوده واستطاع من خلال أن يخرج لنا اكتشافات عديدة.

 

تشجيع الطلاب

بعد أكثر من ساعتين من النقاش ختمت حديثي مع دكتور هشام، عن تجربته بتشجيع الطلاب على البحث والتعلم، وكيف قام بعمل المسابقات لهم كي تساعدهم على تخطي العقبات، كما عبر عن حبه للتواجد والعمل من المعمل بدلاً من المكتب، حيث يحب التواجد وسط الحفريات والطلاب.

انتهى الحديث، وعاد الدكتور مرة أخرى إلى مباشره عمله. لكن الفضول كان يقتلني لمعرفة المزيد عن كل تلك الحفريات المذهلة المتواجدة بالمعمل، وخصوصًا عن عظمة كبيرة تتراوح بين مترين إلى ثلاث موضوعة على منضدة كاملة . فهممت بالسير تجاهها للنظر إليها عن قرب، فاقتنص أحد الطلاب المتواجدين بالمعمل فضولي، وأتى مع زملائه كي يأخذوني في رحلة مذهلة بأرجاء المكان ويشرحوا لي أمور كثيرة عن الحفريات والجيولوجيا . وبجانب الحفريات المدهشة المتواجدة هناك، أذهلني أيضًا قدرة أولئك الطلاب الصغار على شرح تلك العلوم بطريقة مبسطة، ورغبتهم المستمرة في الاستزادة منها. وجدت شرارات الشغف تنطلق من أعينهم، فتمنيت لو أن كل أساتذة الجامعة مثل دكتور هشام يوفرون الفرص، وأن كل الطلاب مثل أولئك الشغوفين محبي العلم والبحث.

 

كانت مقابلة ممتعة وفريدة من نوعها، فالحفريات مثل الآثار بالنسبة لي، وقصة دكتور هشام درس في المثابرة والاجتهاد لن تكفي كلماتي السابقة عن وصفها، ولن يكفي ذلك المقال كي يُلم بتفاصيلها.

 

لكن الموضوع لم ينتهِ بعد، فالمغامرة الثانية ستجدونها  بمقالي عن المنصوراصورس وقصة اكتشافه بالتفصيل، كما سنتعرف على باقي أعضاء فريق البحث الرائع، الذين سأخصص لهم مقالًا ثالثًا منفصلًا أيضًا أتحدث به عن رحلتهم، وعن الصعاب التي واجهتهم وكيف تغلبوا عليها.

 



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

التعليقات تعليق واحد

[…] كان أبرزها إحدى الرحلات بالعام السابق والتي أقامها دكتور “هشام سلام” مكتشف ديناصور […]

أضف تعليقك