رئيس مجلس علماء العراق: التعليم الديني يهتم بالمقارنة والخلاف

2 مارس , 2016

بات التعليم الديني في العراق، سواء في المدارس أو الجامعات يهتم بالمقارنة والخلاف أكثر من اهتمامه بالمشتركات، وهو ما يشير إليه ضيف هذا الحوار، الدكتور “محمود عبد العزيز العاني”، رئيس مجلس علماء العراق، وعضو الهيئة العليا للإفتاء في المجمع الفقهي العراقي، الذي نناقش معه قضايا التعليم والدراسات العليا، في اختصاصات الشريعة والدين في العراق.

 يلفت “العاني” إلى أن “معظم الكليات العراقية تركّز اهتمامها في الدراسة على الخلافات الفقهية، والعقائدية، بينما المشتركات والأسس في التعليم، وأسس الإسلام تكون مهملة”.

ويؤكد على أن “الأفضل بأن تكون الدراسة في السنتين الأولى في الكليات، حول الأسس المشتركة بين المذاهب، ودراسة الأسس ثم المشتركات والاختلافات”.

ما هي أبرز المشاكل التي يمر بها التعليم الديني في العراق؟

المشكلة الأساسية في التعليم الديني، وجود فارق كبير بين ثقافة الطالب ومعلوماته الدينية، وبين منهج الكلية أيضًا، فنرى بينهما فجوة كبيرة.

المسألة الثانية في الفروق بين العملي والدراسة النظرية في تخصّصات الشريعة والدين، إضافةً لبعض المشاكل الخاصة ببعض الكليات، فعلى سبيل المثال لا يستطيع طالب “كلية الإمام الأعظم” أن يحمل هويته الجامعية التي تدل عليه، فقد تؤدي بسبب الأوضاع الطائفية التي يمر بها العراق إلى مقتله!

التعليم الديني بات يهتم فقط بالعلامات الامتحانية وشهادات التخرج، فمثلًا الكليات العلمية من طب وهندسة يتركّز الاهتمام فيها بالجانب العملي، بينما ينحصر التدريس في المدارس الإسلامية على التدريس والتعليم النظري، فقد يكون الطالب الذي يتخرّج من الكلية الإسلامية لا يصلي ولا يصوم، أو قد يكون ملحدًا، فهناك انفصال بين الجانب النظري والعملي في جميع الكليات، وهذا ليس في العراق وحده بل في جميع العالم.

ومن اللافت للانتباه أن الدراسات الشرعية سواء في المدارس أو الجامعات تهتم بالمقارنة والخلاف أكثر من الاهتمام بالمشتركات، فمعظم الكليات العراقية تركّز اهتمامها في الدراسة على الخلافات الفقهية، والعقائدية، بينما المشتركات والأسس في التعليم، وأسس الإسلام تكون مهملة. فالأفضل أن تكون الدراسة في السنتين الأولى في الكليات، حول الأسس المشتركة بين المذاهب، وتعلم أسس الإسلام وبمناهج لدراسة الأسس ثم دراسة المشتركات والاختلافات.

هل للطائفية تأثير على المستوى العلمي بصورة عامة؟

لهذا تأثير، وأبرز ذلك في تأجيل فرصة الخريجين من الكلية في التعيين من أجل الوقف الآخر (الوقف الشيعي) ولأجل خريجين آخرين، فالطالب الذي يتخرج من كلية الإمام الأعظم يواجه صعوبة في التعيين، رغم أنه من حيث التحصيل العلمي يتخرّج أكثر فهمًا وعلمًا من طلبة الكليات الدينية والشرعية الأخرى.

إن أغلب الأسباب تكون طائفية، وأحيانًا يكمن السبب في الدوائر باختلاف الوزارة التي تتبع لها الكلية.

ما هي أهم معوقات التعليم الديني والشرعي في العراق؟

أبرز المشاكل التي تقف في وجه الطلاب هي وجود “واسطات رسمية”، فبالنسبة لكلية الأمام الأعظم، مثلًا، رئيس ديوان الوقف السني، له صلاحية بالاستثناء، وهذه الصلاحية المفروض أن تعطى في حالات مستحقة. الآن تعطى هذه الاستحقاقات لأشخاص على حسب الوجاهة، أو ضغط المسؤولين خارج الوزارة، فحين يكون الطالب والده عضو في البرلمان أو عمه وزير أو مسؤول، يحدث هنا ضغط أو خجل وحياء، فيأتي مثل هؤلاء الطلاب للدراسة بمعدلات ضعيفة وخلفية علمية سيئة وقد ينجحون وقد لا ينجحون، وكل هذا بسبب الواسطة.

ومن المشاكل التي تعترض الطالب، والباحث الذي يطمح للدراسات العليا، أيضًا، هو ضيق العدد المخصص لمقاعد هذه الدراسات، مع العلم أن الكادر متوفر لأن الدراسات العليا افتتحت في العراق منذ قرابة عقدين من الزمن، تحديدًا سنة 1997 ميلادية، وفي هذه الفترة تخرّج العديد من الطلاب في الاختصاصات الإسلامية. قبل هذه الفترة التي بدأ بها العراق بمنح دراسات عليا، كان القليل من الطلاب العراقيين يذهبون للأزهر لطلب العلم.

على ماذا تعتمد جودة البحوث التي تقدم في الجامعات الإسلامية؟

تعتمد جودة البحوث العلمية على أمور كثيرة، أهمها الإعداد الجيد للطالب، فعلى الطالب قبل أن يكون باحثًا، أن يكون لديه إعداد جيد، وهذا يأتي من مناهج رصينة، مناهج تعرف احتياجات الطالب وتهيّئه للمستقبل وللبحث.

الأمر الثاني بتوفير مكتبات جيدة ومشرفين جيّدين، والآن تقريبًا توفّر خدمة الإنترنت وبرامج الحاسوب تغني عن كثير من المكتبات، لكن على المشرف أن يقوم بتنظيم البحث للطالب الباحث بشكل جيّد.

الإشراف على الطلبة الباحثين يحتاج لمراجعات، يوجد مشرفون يهتمون بالطالب، لكن الكثير من الأساتذة يعتبر الإشراف مسألة مادية، فيقوم بزيادة عدد الطلاب الذين يشرف عليهم لتزداد مخصّصاته المالية، وهذا يؤثر على الطالب وجودة بحثه، فكلما ازداد عدد الطلبة انخفض اهتمام الأستاذ بهم وتركيزه على بحوثهم.

هل يوجد تكرار بحثي في الدراسات الإسلامية؟

القانون لا يمنع التكرار، بمعنى إذا وجد طالب قد بحث سابقًا في موضوع معين، وأتي طالب آخر يريد أن يكتب في نفس الموضوع؛ يُسمَح له بالبحث فيه، بشرط أن يأتي بشيء جديد، ويتوجب عليه الاعتراف بأنه اطّلع على موضوع الطالب الذي سبقه حتى وإن كان يحمل نفس العنوان، فالمهم أن يحمل إفادة جديدة.

بينما عندما يكون البحث منسوخًا عن بحث آخر، أو بتغيير بسيط في التعبير، فتعالج هذه القضية بأمر صارم، وتعتبر في العراق غشًا لا يسمح بها.

وتنظّم الجامعة عملها لكي لا تقع حوادث التكرار، فيكون التنظيم وقائيًا لتحافظ على الطالب من الوقوع في الخطأ، فيجلب تأييدًا من الكليات الإسلامية المناظرة في داخل العراق بكون موضوعه لم يتطرّق له بحث سابق، فيقوم بعمل استشهاد، أي أن هذا الموضوع لم يبحث حوله ليحصل بذلك على موافقة البدء بالبحث.

ماذا عن المكتبات العامة، والمراكز البحثية في الجامعات الدينية؟

ما يتعلق بالعلوم الإسلامية، مع الأسف لا توجد مراكز بحث، أو مكتبات عامة، كما في السابق. فالمكتبات التي دمّرت قبل 12 عامًا، بسبب الغزو الأمريكي للعراق، أثّرت على المستوى العلمي، وكذلك مراكز البحوث الأخرى التي دمّرت، ولم يكن هناك تعويض لما دمّرته الحرب.

 فبعد دخول الاحتلال الأمريكي أُحرقت مكتبات عدّة، ونهبت المكتبة العامة المركزية، وهي أكبر مكتبة في العراق، مركز صدام للمخطوطات أيضًا أُلحق به الضرر والدمار، بمعنى الكثير من المصادر قد نهبت ودمرت.

البديل الآن، باستخدام ما يتوفر عبر الإنترنت وبرامج الحاسوب، من بحوث ودراسات، على سبيل المثال برامج شركة الخطيب التي تهتم وتوفر ما يحتاجه الباحثون في هذا الدراسات الشرعية والإسلامية.

ماهي توقعاتكم وتطلعاتكم تجاه التعليم الديني والشرعي في العراق؟

ما دام هناك إحساس بالمشكلة فهذا النصف الأول من الحل، السعي للحل هو النصف الثاني للتوصل إليه.

البيئة النفسية تؤثر على الطلبة والباحثين، بمعنى أن الطالب يكون بحالة من القلق، فعين تركّز على الكتاب، وعين أخرى على المخاطر والمفخخات، وهناك الطلاب الذين تأثروا بالعمليات العسكرية، ونزحوا عن مدنهم، فهذا يؤثر على العامل المادي والاقتصادي، فيكون الطالب متحيّرًا بين عائلته والبحث العلمي، وبين البيئة النفسية واستعداده الفكري.

من المفروض توفير الأمن المادي والحياتي للطلاب، فيفترض أن تكون له حماية وحرمة، فمثلًا كلية الإمام الأعظم تتعرّض لمداهمات متكررة، للكلية وللسكن الداخلي الخاص بالطلاب والأساتذة، ويتعرّضون لاعتقالات، فالحرم الجامعي والسكن الداخلي صار مكانًا غير آمن، لكونه هدفًا للجيش والشرطة أو جهات مسلحة أخرى ناشطة في العراق.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك