“زدني” تحكي قصة معلمة الروضة التي احتوت عدوانية طفل: الملاك المخلص “ولاء” نجَحَتْ لأن الاستسلام لا يليق بها

20 يوليو , 2018

كانت فرحة الأم لا توصف حين رأت أخيرًا صغيرها يتغير للأفضل

أحببت الأطفال من أعماق قلبي.. إنهم يتجاوبون مع من يفهمهم ويرعاهم

 

هي فتاة عصامية كادحة عمرها ستة وعشرون ربيعًا؛ استطاعت أن تجعل من أحد الذين علمتهم في إحدى رياض الأطفال طفلًا سعيدًا ومتفاعلًا مع الآخرين؛ بعد أن كان عدوانيًا؛ حتى أن أمه ظنت أنه مصاب بالتوحد؛ هذا الطفل اسمه محمد جبر، وقد لاقت صورته انتشارًا على مواقع التواصل الاجتماعي مؤخرًا؛ دون أن يعرف أحدٌ ما هي تفاصيل قصة البطلة التي وقفت خلفه.

 

مراسلة “شبكة زدني للتعليم” تحدثت مع معلمة الطفل؛ الشابة المثابرة “ولاء بدوي”؛ وهي تدرس تخصص الخدمة الاجتماعية وتعمل في الوقت نفسه؛ وشاركت في الكثير من جلسات التوعية والتثقيف لفئة الأطفال وكبار السن والأمهات ممن هم بحاجة لدعم نفسي؛ في أثناء عملها في مؤسسات دولية لها علاقة بهذا المجال؛ مما صقل من قدراتها في هذا الجانب.

 

الشعور بالأمان

تبدأ ولاء صاحبة الروح الْمُحبة؛ حديثها عن الدافع الذي جعلها تقوم بعمل مجهد مقابل أجر لا يتجاوز 450 شيكل أي بما يعادل 124 دولار شهريًا؛ لتقول: “أحب الأطفال حبًا جمًا؛ ولهذا لم أتردد بشأن قبول فكرة العمل في رياض الأطفال؛ ولم تَثْنِني عنها مصادفة أطفال لديهم مشاكل سلوكية؛ إذ اندفعت بأقصى قوتي لمد يد المساعدة لهم؛ لقد راق لي كثيرًا أن أعمل مع هذا العمر الحساس؛ كل ما يريدونه معلمة تفهمهم وترعاهم”.

 

معلمات رياض الأطفال تحت سياط الفقر

 

وتصمت قليلًا قبل أن تستوفي هذا المشهد كاملًا: “التعليم في هذه المرحلة أمر ممتع وصعب في الوقت نفسه؛ على صعيد تحمل مسؤولية مضاعفة؛ تتطلب من المعلمة أن تتحلى بمهاراتٍ كافية للتعامل مع كل طفل وفقًا لظروفه وقدراته؛ وبما يراعي تفاوت القدرات بين الصغار في الصف الواحد”.

وحول النقاط التي حَرَصْتُ على أخذها في عين الاعتبار بالرغم من تجربتها القصيرة التي لا تتجاوز العامين؛ تبتسم ولاء بطيبة ثم يأتي الجواب من أعماقها: “نعم تجربتي متواضعة ولكني بحمد الله أفتخر بنجاحها؛ أحاول أن أريكم خبرتي يومًا بعد يوم؛ بداية كنت ألاحظ مستوى طلابي باستمرار؛ وكنت على تواصل مع الأهل سواء من خلال دعوتهم لزيارة الروضة أو التواصل معهم هاتفيًّا؛ كنت أشعر بالسعادة حين تسألني الأمهات عن الأسلوب الذي أستخدمه لأجذب الأطفال وليصبحوا “شطار” ويسمعوا كلامي”.

تُواصل ابتسامتها الصافية، وهي تتذكر وجوههم الملائكية: “في كل صباح ما أن يلمحني الأطفال أدخل من باب الروضة؛ حتى يتسابقوا للوصول إلي؛ يسلِّمون علي بلهفة؛ ويقولون: “اشتقنا إليك”؛ ومنهم من يجاملني ببراءة: “منورة يا مس ولاء”؛ يا إلهي كم يُفرح قلبي كلامهم؛ خاصة حين ينسون وينادوني “ماما”؛ وقد تتصل بي أم لتطلب مني إقناع ولدها بخلق معين؛ ذلك أن الأطفال لا يكسرون لي كلمة؛ وكلمة السر ببساطة أني أجيد التفاهم معهم بحب، وأشعرهم بالأمان؛ لم أعنف طفلًا يومًا أو أصرخ في وجهه؛ كل ما أفعله أني “أعلمهم الصح وأبعدهم عن الغلط”.

 

المعلمة ولاء مع محمد

 

في أجواء الحب تلك؛ انضم الطفل محمد إلى الروضة واستقبلته المديرة بعد طرده من روضة سابقة؛ لكن بعد مضي بضعة أيام كادت المديرة الجديدة أن تتخذ قرارًا هي الأخرى بعدم استمراره؛ تصف ولاء شخصية محمد بالقول: “في السابق كان محمد يضرب الأطفال وصراخه ومزاجه العصبي لا يهدآن؛ علاوة على أنه حينها لم يُجد الكلام؛ ولم يقبل الجلوس في الفصل؛ هذا السلوك العدواني جعل المديرة عاجزة عن التصرف معه؛ أما أنا فقد رفضت فكرة إخراجه من الروضة رفضا باتًّا؛ لأن الاستسلام لا يليق بنا؛ وقررت خوض التحدي معه؛ بعد أن تواصلت مع أمه، وعرَفت طباعه والظروف التي يعيشها جيدًا؛ أخذت “أُسايسه” محاولة التقرب من عالمه؛ أظن أن الحب كان ينقصه”.

 

وبكل رضا تتحدث عن النتائج؛ بالقول: “لم يصبني اليأس تحدثت معه مرارًا بكل ود؛ بلا شك أن الأمر كان صعبًا في البداية، ثم واصلتُ مشواري معه، وبدأ يستجيب شيئًا فشيئًا، بعد أن كان محمد يرفض حضور أي حصة؛ بل أنه لم يكن يرضى أن يمسك بالقلم ليكتب؛ وسبحان مغير الأحوال صار يلتزم بمقعده وقوانين الصف فلا يخرج منه إلا مع زملائه؛ ويحضر الدرس، وينتبه ويتفاعل حين أحكي لهم القصص؛ في البداية كان يفضل الصمت، ثم كسره بالتعبير عن نفسه كسائر زملائه”.

 

 

صقل المهارات

هذه الفتاة الصبورة صاحبة “النفَس الطويل” تتذكر موقفًا لا يُنسى بالنسبة لها: “كنت حين أوزع الدفاتر على الأطفال؛ يمسك محمد بدفتره ويلقيه أرضًا؛ ثم أهمس في أذنه بابتسامة وادعةٍ: “الناس الشطورة والجدعة ما بتعمل هيك”؛ فيخجل من تصرفه ويحضر دفتره ثم يكتب بهدوء؛ فينهي الكتابة على أكمل وجه ويستحق بعدها “نجمة الأوائل”؛ وإذا ما كتبتُ أي نشاط على السبورة يسارع إلى الإجابة؛ أصبح حنونًا لا تمتد يده لضرب أحد؛ بل لو أنه رأى اثنين من رفاقه يتشاجران يبادر للإصلاح بينهما؛ لقد صار طفلًا طبيعيًا ولديه أصدقاء؛ حدث ذلك كله بعد مشوارٍ مضنٍ من الجلسات”.

ترى كيف أتقنت ولاء هذه المهارات؛ تفتح قلبها أكثر؛ بالقول: “تجربتي في الحياة والمشاريع التي سبق أن عملت فيها؛ ناهيك عن تخصصي الجامعي؛ في مجملها صقلتني؛ كل ذلك أفادني لا سيما أني لم أتوقف عن تطوير نفسي عبر قراءة الكتب”.

وفي سؤالها عن ردة فعل أم محمد حين رأت هذا التغيير الجميل في ابنها؛ تقول ولاء: “لم تكن أمه تصدق عينيها حين كانت تأتي إلى الروضة لتتساءل بفرحة ممزوجة بالدهشة: “معقول “حمود” صار يحل الواجب زيه زي باقي الأطفال؟”.

كانت أم محمد ممتنة للمعلمة ولاء لأبعد الحدود؛ وها هو يعود إلى البيت كل يوم ليحكي لها عن كل ما حدث معه؛ فيما تؤكد ولاء أن حبها للأطفال هو ما دفعها للعمل معهم بالرغم من الأجر الزهيد الذي تتلقاه.

وتضيف: “عملت مع مؤسسات تقوم على رعاية الأطفال؛ من بينهم من لديهم انطوائية أو عدوانية؛ حاولت معالجة هذه الإشكاليات عبر جلسات فردية وأخرى جماعية؛ وفقًا لنوع المشكلة”.

وتضع يدها على نقطة مهمة: “تعاملت مع الأطفال دائمًا على أنهم كبار؛ أؤمن جدًا بمقولة: “أعمل ما تحب”، وأنا أحب الأطفال من أعماق قلبي لذا لم أهتم يومًا بالعائد المادي؛ يكفيني أن الأطفال أحباب الله؛ وأعمل الآن ضمن مشروع يستهدف الأطفال الأيتام والأرامل والمطلقات؛ إذ ينظم فريق العمل جلسات توعوية لهم”.

 

وعما إذا كانت معلمات رياض الأطفال تُجدن التعامل مع الأطفال ذوي المشاكل السلوكية؛ فإنها تؤكد أن الغالبية تتمتع بمؤهلات التدريس؛ لكنهن يفتقدن إلى المهارات في حالة تواجد الطفل العصبي أو العدواني؛ بل أنهن قد يتعاملن بالمثل معه؛ وهذا خطأ فادح”.

 

محمد في حفل التخرج من الروضة مع أمه

 

وتشعر بالحنين إلى تلك الأيام؛ الذي تعبر عنه على النحو الآتي: “كنت أوفر كل المستلزمات لصفي؛ خاصة اللوحات التعليمية وأحكي القصة لهم أحيانًا بالجلوس في “البرشوت” أو في “مسرح الدمى” وسط أجواء من المرح؛ بطريقة مشوقة حتى يستوعبوا العبرة من الحكاية؛ كنت أحكي للأطفال قصصًا وأقصد في بعضها أن ألفت انتباه محمد؛ وتتوفر لدي أدوات الطبيب فنمثل أدوار المريض والدكتور حتى لا يملّوا؛ وأحيانًا أشرح لهم الدرس في الساحة؛ كما كنت أصحبهم إلى غرفة ألعاب كبيرة نستمتع فيها معًا لوقت طويل؛ وحين يأتي موعد الانصراف أقنعهم بصعوبة الصعود إلى الحافلة؛ وهل هناك بعد هذا سعادة!”.

مواقف عديدة كانت تشعر فيها ولاء بجمال الأطفال وبراءتهم؛ كأن يسارع أحدهم إلى مصالحة زميله إن أحزنه؛ و حين ينسى طفل شطيرته أو لم يعطه أبوه مصروفه؛ حينها يبادر الأطفال الآخرون إلى اقتسام الساندويتش معه؛ حقًا لقد تعلمت منهم “كيف تكون قلوبنا على بعض”.

 

نرفق لكم نص القصة التي رُويت على لسان أم الطفل محمد وضمن مشروع  my story:

“بلغ ابني محمد الخامسة وهو لا يتكلم، مرّ بفتراتٍ صعبةٍ أثناء حملي به وبعد ولادته أيضًا؛ ما سبب له صدمةً عصبيةً وتصرفاتٍ جعلتني أظن أنه مصابٌ بالتوحد، فلم أترك طبيبًا ولا مؤسسةً معنيةً إلا وطرقتُ بابها. لم يستطع أحدٌ تقييم حالته، وخلال تلك الفترة تحمّلتُ كثيرًا من النقد والاستهزاء، لم تقبل به أية روضةٍ من خمس رياض أطفالٍ تقدم محمد بطلب التحاقٍ بها، حتى أن إحدى تلك الرِياض طلبتْ مني عمل اختبار ذكاء له، وخرج محمد من ذلك الاختبار بنتيجة ممتازة، ومع ذلك طردته تلك الروضة بعد أسبوع بالقول: “نعتذر عن استقبال الطفل غدًا”.

كم كانت تلك الجملة تؤذيني، لكنّي لم أيأس أبدًا، بحثتُ عن روضةٍ أخرى، ووجدتُ بعد عناءٍ واحدة، استطعتُ أن أسجله بها، أذكر حينها أن مديرة تلك الروضة قالت إن محمد لن يتغير، ولن يتجاوب مع أية محاولةٍ لتعليمه أبدًا، لكن مُعلمةً في تلك الروضة أصرت على أن يبقى محمد، وتتحمل تبعات سلوكه وتأخره، كانت تلك مخاطرةً منها بوظيفتها.

مرّ عامٌ تغيّر فيه محمد للأفضل، لم يعد عصبيًا، أصبح يتحدث جيدًا، ويُعبّر، ويمزح، ويتفاعل، ويلعب، ويرقص. تلك المعلمة المخلصة ولاء، آمنت بقدرات محمد، جعلته يجمع، ويطرح، ويكتب، ويغني، وها نحنُ الآن معًا في حفل تخرجه، إذ يشاركُ محمد في فقرات التخرج، وسيلتحق بالمدرسة عما قريب. ممتنة لما فعلته تلك الملاك المخلص.”



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك