سوسن أبو فرحة بين طب الأسنان والطهي تستمتع بــ “التوازن”

17 يناير , 2018

 

من الرائع أن ننجح في المهنة لكن، “الهواية” تجعل لحياتنا معنى

 

ما رأيكم بتحضير “المدلوقة” لتناولها مع العائلة غدًا..إنها سهلةٌ وسريعة؛ هل تفُضلون اليوم إفطار “الخبز بالزيتون”؟؛ من يشتهي “النقارش” مع كأس شاي بالنعناع؟..بعد أول لقمة ستدمنون سلطة اللبنة والمقدوس..فهي صحية وشهية؛ هل سبق وأن جربتم نكهة خيالية للمكونات التقليدية مثل البسكويت بــ دبس العنب؟..ذلك غيضٌ من فيض تجدونه في مدونة سوسن أبو فرحة تشتمّون منها رائحة أفران الطابون وروائح أخرى؛ لتحقق بها فارقًا عن سواها من مدونات الطعام؛ ولكن  هل تعرفون من تكون سوسن؛ إنها طبيبة أسنان ماهرة و”شيفٌ” من الطراز الأول وهذا هو الغريب في الأمر؛ “شبكة زدني” في حوارٍ شيق معها تحاول أن تتعرف كيف للمرء أن يجمع بين اختصاص جاد واهتمامٌ ذو جانبٍ ممتع.

 

 

أعيد بناء الثقة

لطالما تمنت سوسن أن تصبح طبيبّة جرّاحة على وجه الخصوص؛ لكن معدلها في الثانوية العامة فرض عليها أن تختار كلية طب الأسنان؛ فقد ارتأت أن هذا الخيار سيتيح لها أن تحرز معدلاً عاليًا في العام الجامعي الأول؛ ومن ثم تلتحق بكلية الطب البشري؛ ولكن حدثَ ما لم يكن في الحسبان؛ فقد استهواها طب الأسنان وأحبته بجانبيه الفني والإنساني على حدٍ سواء.

 

“ماذا تقصدين بــ “الإنساني” د.سوسن ؟” تستهل حديثها هذه المرأة الراقية : “حين أحاول جعل ابتسامة إنسانٍ أجمل؛ حينها أعيد بناء ثقته بنفسه؛ ليصبح أقدر على مواجهة تحديات الحياة بثقةٍ أكبر؛ ناهيك عن علاقة طبيب الأسنان بمرضاه طويلة الأمد؛ مقارنة بمدة علاقة الطبيب البشري بمريضه؛ فبفضل الله لدي مرضى عرفتهم منذ كانوا طلاب في الجامعة؛ ثم أصبحوا هم وعائلاتهم من رواد عيادتي على مدار سنوات”.

 

أما الجانب الفني؛ فهو جزء لا يتجزأ من مهنة طبيب الأسنان حسب إيضاحها ؛ سواء في تصميم الإبتسامة أو اختيار ألوان الأسنان أو حجمها أو ترتيبها عند إصلاح تلفٍ ناجم عن تسوس أو إصابة أو عند إجراء عمليات تقويم الأسنان.

 

تخرجت “ضيفتنا” الفلسطينية اللطيفة من كلية طب وجراحة الأسنان من الجامعة الأردنية عام 2001؛ و من جامعة العلوم والتكنولوجيا حصلت على ماجستير في تقويم الأسنان عام 2007؛ وتصف الحياة الجامعية بأنها تكتنفها صعوبات لا بأس بها بسبب عدد ساعات مواد طب الأسنان الطويلة؛ و كم المساقات المطلوبة من الطلاب؛ الا أنها مع ذلك حافلة بالذكريات الجميلة والصداقات التي امتدت بعد ذلك لسنوات مع صديقات تلك المرحلة؛ وفق قولها.

 

 

وتبتسم ابنة الــ (35 ربيعًا) وهي تتذكر تلك الأيام: “مع بدء التدريب العملي في الجامعة أخذت ألمس أنها مهنةٌ تتضمن التعامل المباشر مع الناس بشكلٍ مستمر؛ واكتشفت أن طبيب الأسنان لا بد له من تطوير مهاراته الاجتماعية؛ مما يتعين عليه استخدام أسلوب خاص مع مرضاه؛ أن يكون إنسانيًا و دافئًا؛ مع المحافظة على الحدود المهنية؛ علمًا أن إيجاد التوازن بين هذين العاملين يتطلب وقتًا و مِراسًا”.

 

ومن واقع تجربتها العملية التي امتدت لأكثر من ثمانية أعوام؛ تقول:

“إن ميدان العمل مدرسة كاملة الأركان تضيف للمرء الكثير؛ بدءًا بالاستقلال المادي والشعور بالإنجاز مرورًا بالخبرات الحياتية التي يكتسبها بفعل الاحتكاك بالناس؛ وبلا شك أني اليوم أكثر نضجًا ووعيًا من تلك السوسن التي تخرجت قبل سنواتٍ طويلة؛ و آمل أن أكون تركت أثرًا إيجابيًا في حياة الذين احتككت بهم آنذاك”.

 

ومن وجهة نظرها فإن: “طبيب الأسنان المتميز هو المُلم بالمادة العلمية المتعلقة بتخصصه؛ والمتابع لكل ما هو جديد؛ وذو خلق الأمانة؛ ناهيك عن تحليه بمهارات اجتماعية تمكنه من التعامل مع أنماط الشخصيات المختلفة”، مؤكدةً أن: “الأدوات الطبية عادةً ما تتوقف على التخصص؛ لكن يبقى برأيها عقل الطبيب هو الأداة الأهم”.

 

سافرت سوسن قبل عامين لدولة الإمارات العربية المتحدة؛ ما اضطرها إلى الانقطاع عن العمل في مهنتها؛ وتوضح اختصاصية تقويم الأسنان السبب؛ بالقول: “أحب مهنتي جدًا؛ لكن حين قدمتُ إلى هنا حصلت على الترخيص المطلوب؛ ومع الأسف لم أجد عيادة أو مستشفى يتوافق دوامه مع التزاماتي العائلية؛ إذ قد يمتد حتى العاشرة مساءًا وهذا لا يتناسب معي لا سيما أن لدي طفلين؛ وآمل في الصيف القادم حين أعود للأردن إن شاء الله أن افتتح عيادتي الخاصة؛ لأعالج الناس وفق اعتباراتٍ أتمسك بها”.

 

ورغم الغياب فهي حريصة على اللحاق بركاب المستجدات المتلاحقة في مهنتها؛ موضحةً:”حتى وإن كانت أساسيات التخصص ثابتة نوعًا ما إلا أن العلم في تطور دائم ومتابعته أمر مثير و ضروري”.

 

السحر العربي.. تجربة فريدة

هل سمعتم من قبل عن طبيبة أسنان تجيد تصوير أبهى اللقطات لأطباق الطعام؟ بل أنها أيضًا مُدَونة يتابعها الكثيرون لا سيما غير العرب؛ سوسن فعَلتها واتجهت فيما بعد نحو هواية الطهي وتصوير أطباق الطعام التراثي؛ خاصة الشعبي الفلسطيني حين أنشأت قبل سبع سنوات مُدونةً باللغتين الإنجليزية والعربية؛ كان يتوجب أن تسألها مراسلة “شبكة زدني”: “كيف لنا أن نبدع في مهنة وموهبة على حدٍ سواء؟”.

 

تملك بسمةً صافية تظهر في جوابها: “أرى أن التوازن أمرٌ أساسي في الحياة؛ والهوايات هي ما تضيف لنا معنى يغنينا؛ ذلك أن التركيز على المهنة أمرٌ رائع؛ لكننا كبشر متعددو الأبعاد؛ والتركيز على جانبٍ واحد فقط من أبعاد شخصيتنا المتنوعة؛ سيترك لدينا شعور دائم بالنقص؛ وكأن سعادتنا لا تكتمل؛ والسبب هو الافتقار إلى التوازن؛ ناهيك عن أن الهواية وسيلتنا في الترفيه عن أنفسنا بعد يومٍ طويل مليء بضغوط العمل والتزاماته”.

 

ومن باب الدعابة سألتها: “كل هذا الطعام الشهي والحلوى التي تصنعينها ألا يتناقض مع الحفاظ على الأسنان؟؛ تضحك سوسن معقبة: “كما أخبرتك سابقًا أن نظرتي للحياة تقوم على التوازن؛ لا إفراط و لا تفريط فنحن لا نفرط في تناول الطعام وفي الوقت نفسه نحرص على العناية بصحتنا و أسناننا”.

 

وبالانتقال إلى موهبتها كــ “طاهيةً” للطعام الشعبي ومصورة؛ حتى أنها حازت على ميدالية ذهبية في “جائزة مكتوم للتصوير الضوئي”؛ فهي ترى أنها لو اكتفت بطب الأسنان لما نجحت  في إلهام الناس عبر مدونتها لتنقل لهم السحر العربي الموجود في حكايات الأطباق؛ حتى صارت نساء البلدان الأخرى تتناقل وصفاتها.

 

تحاول أن تنبش ذاكرتها؛ لتستخرج منها التالي: “لا أنسى أبدًا تعليقًا وردني ذات مرة من مُتابعِة لي في اليابان؛ أخبرتني أن لديهم عادة أن تزور المعلمة بيت أحد تلاميذ الصف الأول في بداية العام الدراسي؛ وحينها اختارت أم تلك الطالبة أن تخبز للمعلمة كعكًا باستخدام إحدى الوصفات في مدونتي؛ كانت سعيدة أنها قدمت لها شيئًا مميزًا حاز على إعجابها”.

 

وتتطرق لهذه النقطة بكثيرٍ من الشغف: “بلا شك أن الطعام عمود راسخ للذاكرة؛ و ليس مجرد وسيلة لقضاء حاجة بيولوجية؛ وإنني أؤمن بشدة أنه تجربة إنسانية ممتعة تعبر حدود الجنسيات و اللغة؛ ولو نظرنا إليه كفرصة للتعلم وتوسيع مداركنا وللتواصل سنعيش تجربة فريدة لا يمكن نسيانها”.

 

وأكثر من تحب متابعة أعمالهم في هذا المجال؛ هما المصورين James moffatt, Johnathan Gregson؛ محاولة أن تضع بصمتها الخاصة وبمستوى رفيع من الاحترافية؛ ولكن بروح عربية جلية؛ فتبذل قصارى جهدها كي توصل السحر الذي يميز تراثنا و حضارتنا.

 

ومن المنعش أن تضفي الموهبة الكثير إلى حياتها الأسرية؛ أي لم تتوقف فوائدها عند إتقانها الوصفات التقليدية الفلسطينية ناهيك عن الأطعمة التراثية في بلدانٍ أخرى.

 

ففي نهاية كل أسبوع تشاهد “الدكتورة سوسن” مع أطفالها فيلمًا بعد تحضير جماعي للفوشار تارةً بالزعتر وتارةً أخرى بالقرفة والسكر أو بالجبن ؛ وكم هو مُسلّي تحضيرها بصحبتهم وجبات المدرسة كل صباح؛ وفي هذا السياق تمضي في حديثها: “لدينا طقوسٌ محببة منها تحضير فطور يوم الجمعة سوية لنكسر  به روتين الأسبوع؛ و الذي يتراوح بين الفطور التقليدي في بعض الجُمع؛ و في جُمع أخرى نتجه إلى “البان كيك” و “الوافل”؛ ومن وراء الكواليس عادةً ما يساعداني أثناء تصويري ؛ يضحكان حينًا ويتأففان أحيانًا و يتنافسان دومًا أيهما سيحصل على الصحن المميز الذي تم تصويره”.

 

 

وتضيف: “في المطبخ أعيش أحلى الأوقات مع أطفالي حيث فيه نتشارك الحكايات؛ من قبيل الحديث عن تاريخ الوصفة أو البلد الذي تعود لإليه أو المناسبة التي تحضر عادة فيها؛ حتى أننا نبحث سويًا عن صور تتناول الزي التراثي لبلدٍ ما وعاداته؛ وعلى ما يبدو أن هذه المدونة لها فضلٌ على أمومتي”.

 

المجموعات تُلهب المثابرة

وبالنسبة لــ “ضيفتنا” صاحبة التجربة النابضة؛ فإن هذا النوع من التصوير فرصة لأن تنقل عبرَه جزءًا من قصة الطبق بواسطة الصورة؛ ووفقًا لذلك تختار بعناية الإضاءة و الألوان والأرضيات و أنواع الصحون و العناصر الموجودة في إطار الصورة فكلها أجزاء مهمة في رواية الحكاية؛ لذا فإنها قبل تصويرها للأطباق التي تطهوها تفكر جيدًا في الألوان المنتقاة وفق خلفية متناسقة تمنح راحة للعين؛ حسب رأيها.

 

ولا تتنازل سوسن أبدًا عن مبدئها الخاص بتصوير الطعام الذي تصنعه بنفسها؛ مُعتزة بقناعتها:” حين يتعلق الأمر بمدونتي حتمًا لا أنشر فيها إلا ما حضرّته بيدي لسببٍ بسيط هو أن العلاقة مع القراء علاقة ثقة؛ وإن لم أجرب الوصفة وأتأكد من نتيجتها لا أنشرها؛ لا سيما إن كانت وصفة تراثية أو من بلد ما أو عندما يتطلب تحضيرها شيئاً من التحدي وقدراً من المهارة”.

 

“لكن هل يكفي المطبخ كي يكون مسرحًا لتطويرك؛ أم أن ثمة وسائل أخرى تساعدكِ على إطلاق العنان لمَلكات الإبداع؟”

سؤالٌ يأتي في سياق التعلم؛ وبدورها تدلي بإجابته: “انضممتُ من خلال مدونتي لمجموعات تتشكل من مدونين عرب وأجانب ممن يهتمون بهذا الجانب؛ فكانت هناك مجموعة الخبازين و الطباخين الجريئين؛ وفي كل مرة يقوم أحد الأعضاء من بلد ما بتحدي المجموعة لتحضير وصفة من بلده مع شرح تراثها و ما يميزها؛ ساردًا ما لديه أو لديها من ذكريات مرتبطة بها؛ على أن تحمل كل وصفة منها قصصًا و تاريخًا وروحًا”.

 

 

كما تشارك سوسن في مجموعة “نكهة عربية” التي تستضيف مدونًا عربيًا كل شهر ليشارك الأعضاء بوصفة تراثية مع قصتها وطريقة تحضيرها؛ مضيفة: “كذلك هناك مجموعة رائعة اسمها “المدونون المسلمون”؛ وفيها يتنافس أعضاؤها شهريًا في تحضير وصفة من بلد إسلامي أو وصفة مرتبطة بالأعياد الإسلامية؛ أو بمكونات ذُكرت في القرآن الكريم؛ في هذه المجموعات أتبادل المعرفة وأُذكي روح المثابرة”.

 

ولأمها موقع مهم في هوايتها.. إنها “معلمتها الأولى”؛ ففي رحلتها مؤخرًا إلى عمان لا يغادرها هذا المشهد: “والدتي بالمناسبة؛ تتابع كل ما أنشره وتترك لي تعليقات مشجعة وتحدث كل من تلتقيه عن مدونتي وهدفها؛ وفي زيارتي الأخيرة أصرّت على تحضير الكعك مع أطفالي؛ ويومها قالت أن أكثر ما تذكره في طفولتها هو الوقت الذي كانت تقضيه مع جدتها و هي تحضر الكعك؛ راويةً لها القصص و الأغاني؛ وبالتالي أرادت ان تخلق مثل تلك الذكريات مع أطفالي حتى لو كان ذلك خلال أيام الإجازة القصيرة”.

 

وتتسع ابتسامة الطبيبة وهي تختم الحديث عن جانب دافىء في حياتها: “المضحك في الأمر أني حين وقفتُ إلى جانب والدتي لتحضير الطعام؛ اكتشف أنها غيرّت كثيرًا من طرق وصفاتها بشكلٍ يختلف عما علمتني إياه؛ فما بين نوع بهار جديد هنا و عشبةٍ جديدة هناك و طحين أسمر هنا وكثير من الزيت هناك؛ وفي كل مرة كنت أُسارع لإخراج دفتر ملاحظاتي لأسجل تحديثاتها؛ كان طفلاي يضحكان”.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك