عبد الله معروف: يمزج العاطفة بالعلم في “العلوم المقدسية”

22 فبراير , 2018

عامان فقط من العمل في المسجد الأقصى قادني إلى هذا الطريق

التعليم الأكاديمي أفضل ما يمكن أن أفيد به أعظم قضية.. والجامعات العربية لا تكترث

 

 لطالما تمنى في صغره أن يصبح “طياراً”، فهو الذي نشأ على السفر بين عدة بلدان في طفولةٍ تنقّل خلالها بين الأردن وفلسطين والسعودية؛ وقد كانت مدينة القدس بالنسبة له وطنًا مسلوبًا أدرك منذ نعومة أظفاره أنه يرزح تحت الاحتلال، وها هو بلغ من العمر (38 عامًا) ولا يزال مشهد تفتيش جنود الاحتلال عند “الجسر” – الذي يربط الضفة الغربية بالأردن- عالقًا في ذاكرته؛ أما رائحة أشجار الزيتون فلن تفارقه طيلة حياته. إنه د. عبد الله معروف الباحث والمختص في علوم القدس والمسجد الأقصى، الذي كرّس حياته لتدريس العلوم المقدسية في الجامعات؛ ونظّم دورات عديدة في علوم بيت المقدس في بلدان مختلفة؛ وكان من المثير أن يتجه نحو طريق بهذا الجمال بسبب عمله في المسجد الأقصى لمدة عامين فقط.

 

ثاني أفضل قرار

حديث ممتع أجرته مراسلة “شبكة زدني” مع د. عبد الله ، الذي لن ينسى أستاذًا فاضلًا درسّه مادة اللغة العربية؛ إذ يروي عنه هذا الموقف: “ذات مرةٍ كان لدينا امتحان، فأخذ أستاذنا يكتب على السبّورة: “كم الوقت المتبقي لانتهاء المتحان، مما جعلنا جميعًا نتوتر، وخلال ذلك أخذ يكتب إعلانات مختلفة، وبعد نهاية الامتحان قال لنا: (هذا الامتحان هو مثال الدنيا، أمامكم وقت محدود يتناقص، والدنيا تلهيكم بإعلانات وملهيات ينبغي عدم الالتفات إليها والتركيز على امتحانكم).

 

ويضيف بابتسامةٍ : “أما أستاذي جهاد العدم، الذي علمني القرآن الكريم في جمعية المركز الإسلامي، فأثره مختلف بسبب أسلوبه في تدريس المواد بعدة طرق؛ كما أني تأثرت جدًا في الجامعة بأسلوب أستاذي أ.د.أحمد نوفل المشهود له ببساطة أسلوبه وابتسامته الدائمة، ومزاحه في درسه مهما بدا صعبًا”.

 

وإن كنتم تسألون لماذا اختار ضيفنا دراسة “الشريعة” في الجامعة الأردنية؛ يقول: “لعلها مسألة طريفة، فأنا في الحقيقة لم أختر دراسة الشريعة، بل سيرني الله تعالى إليها تسييرًا، والقصة باختصار أنني كنت أنوي دراسة اللغات، وتقدمت بما كان يعرف وقتها باسم “نموذج القبول المُوحد” للجامعات في الأردن، وفيه عشرون خيارًا، فبدأتُ أنا وأبي بتسجيل الخيارات واحدًا تلو الآخر بدءًا من تخصص (اللغات الحديثة) في جامعة اليرموك بالأردن، ثم (كلية الآداب) في الجامعة الأردنية، وعند الخيار الثالث عشر لم يبق في ذهني خيار، فكتب أبي بخط يده (كلية الشريعة / الجامعة الأردنية)، فقلت له: (وماذا سأدرس في كلية الشريعة؟)، فقال: (هذا الخيار الثالث عشر، ولا أظن أنك ستصل إليه في القبول)؛ وعند صدور نتائج القبول الموحد وجدت أنه تم قبولي في كلية الشريعة، وفي نفس الوقت كنت قد حصلت على قبول لدراسة تخصص “الأشعة الطبية” في إحدى المعاهد، فتفكرت في الأمر، وقررت اختيار الدراسة في كلية الشريعة ، وكان الذي جعلني أختارها حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من يُرد الله به خيراً يفقهه في الدين)، مع أني لم أكن أعرف ماذا سأجد فيها؛ أحمد الله تعالى أني اتخذت ذلك القرار، فقد كان ثاني أفضل قرار اتخذته في حياتي بعد قرار الاختصاص في قضية القدس”.

 

المنهجية الأكاديمية

ولعمله في المسجد الأقصى حكاية يجب أن يعرّج عليها “ضيفنا” الفلسطيني المقيم حاليًا في تركيا؛ يفتح تلك الصفحات المشرقة بسرور ويتابع الحديث: “كان ذلك عندما قررت العودة إلى القدس والاستقرار فيها بعد انتهاء دراستي الجامعية عام 2000 حيث يسر الله عز وجل هناك أن ألتقي بأحد الإخوة الذين رافقتهم في العمرة سابقًا؛ وعرّفني حينها على رئيس لجنة التراث الإسلامي في المسجد الأقصى المبارك الشيخ د.ناجح بكيرات؛ فأخبرني أنه بإمكاني تقديم طلبٍ للعمل في “باب الرحمة”؛ وكانت الوظيفة التي عملت بها في بادىء الأمر “مسؤول للخدمات” في باب الرحمة؛ حيث كنت أنظف الباب وأغلقه وأفتحه في الصباح وأقدم المساعدة للموظفين وللزوار؛ كان منوطًا بي أيضًا تعليم القرآن الكريم لطلبة مركز تحفيظ القرآن الذي يتبع لجنة التراث الإسلامي؛ وبعد أن بدأت انتفاضة الأقصى عرفت لجنة التراث أني كنت أراسل صحيفة السبيل الأردنية وأنشر فيها ما يتعلق بالانتفاضة فقررت أن تسلّمني إدارة العلاقات العامة والإعلام بلجنة التراث في المسجد الأقصى؛ والمؤلم أنه بعد عامين أي منذ عام 2002 وحتى اللحظة منعتني سلطات الاحتلال الإسرائيلي من دخول القدس بسبب عملي في المسجد الأقصى”.

 

س: عملك في الأقصى لفترة ٍلا تتجاوز العامين، هل كانت كافية لإلهامك لتغدو أستاذًا في العلوم المقدسية؟

يومئ رأسه بالإيجاب مؤكدًا التالي: “لا أظن أني كنت سأتخصص أصلاً في دراسات بيت المقدس لولا أن منَّ الله تعالى عليَّ بتجربة شرف العمل في المسجد الأقصى المبارك، إنها أروع تجربة في حياتي؛ نعم، كنت أحب القدس وأبحث فيها وأقرأ عنها بل أحفظ المدينة وأزقتها وشوارعها وتواريخ مبانيها عن ظهر قلب قبل أن أتشرف بالعمل في الأقصى المبارك، ولكن كل ذلك كان يغلب عليه الطابع العاطفي، والذي آثرت أن أغلّفه بالطابع العلمي وبدوري درسته تطبيقًا في المسجد الأقصى المبارك، بمعنى أني كنت أقرأ الكتب القديمة وأخرج في الشوارع أطبق فيها ما تعلمته من علوم وتاريخ، وألمس الآثار التي أقرأ تاريخها بيدي كي أحفظها وأفهمها، ولذلك فإن هذا طبع تجربتي بطابع خاص، حيث العلم والعاطفة، وهو ما أنادي به اليوم في الناس، أن لا عاطفةَ دون علم، ولا علم دون عاطفة؛ فكلاهما لا بد منه لنصل إلى العمل الصواب في خدمة القدس”.

 

واصل د.عبد الله شدّ الرحال؛ واتجه نحو جامعةٍ بريطانية عريقة وهي جامعة “أبردين” لإكمال الدراسات العليا؛ وهي الجامعة الوحيدة التي كانت تعني بتدريس تخصص العلوم المقدسية؛ والآن توقف مع الأسف تمويل هذا الاختصاص؛ يُعقّب: “إنها تجربة غنية بكل ما تحمل الكلمة من معنى، وأهم ما استفدته في تلك البيئة الأكاديمية العريقة في بريطانيا “المنهجية الأكاديمية” والتدريب على الموضوعية في البحث والفهم والدراسة؛ ذلك أنه من الصعب أن يجعل المرء قناعاته خلف ظهره عند البحث، وهي مهارة ليست سهلةً أبدًا؛ وإن كان هناك ما أحمد فيه البيئة الأكاديمية البريطانية فهي تلك المسألة بالذات”.

 

ويتذكر تلك المرحلة بــ امتنان: “أتذكر عندما أتممت المسودة الثانية لأطروحة الدكتوراه، حين سألني أحد الأساتذة البريطانيين (وللعلم لم يكن مُسلِمًا) سؤالاً صغيرًا جدًا متعلقًا بأطروحتي جعلتني أتوقف طويلاً وأغيّر عنوان الأطروحة وأعيد كتابة المقدمة والخاتمة وأجزاء من الأطروحة؛ يومها شعرتُ كم يبقى الإنسان وحده جاهلاً يتعلم على طول الطريق، خاصة إذا أخذ بعض النقاط الصغيرة على أنها مسلَّمات ثم يصطدم بها، ولذلك فأنا ممتن له حقًا”.

 

فخور بجامعة مالايا

وعن تقييمه لتجربته كـ “أستاذٍ جامعي” وما أتاحته له من فرص؛ يقول: “كنت أسعى دائمًا للاختلاف الإيجابي، وأرى أن اختلاف التجربة والبيئة التي درست فيها هذه المادة والتخصص بين الأردن والقدس وبريطانيا كان له أثر مهم في بناء شخصيتي كأستاذ جامعي، علمًا أن هذا العمل لم يكن الخيار الأول والأخير بالنسبة لي، بل كان لدي خيارات أخرى، ولكن تبين لي أن التعليم الجامعي أفضل ما يمكن أن أفيد به هذه القضية الكبرى، ذلك لأن الأستاذ الجامعي لديه فرصة لبناء الجيل الذي سينطلق مباشرة إلى مرحلة بناء المجتمع، والطالب الجامعي تتشكل شخصيته الدائمة على الأغلب في تلك المرحلة، ولذلك فتأثير الأستاذ الجامعي يظل عميقاً في شخصية الطالب مستقبلاً.

 

وعن خصوصية “العلوم المقدسية” دونًا عن غيره من التخصصات، يظهر جليًا في نبرة صوته هم “القضية الأم”: “هذه القضية الكبرى ليست ذات أثر محلي بل عالمي ومستقبلي سيستمر حتى يوم القيامة، لذلك فإن استشعار هذه المسؤولية الثقيلة أساسٌ في البقاء على جادة الصواب في هذا الطريق، وباختصار إن حمل أمانة بيت المقدس في هذه المرحلة بالذات ليس بعيدًا عن حمل أمانة الإسلام في عهد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهم بنوا الأمة كلها في ذلك الزمان، ونحن في هذا الزمن نبني الأمة في انبعاثها الثاني حتى الساعة بإذن الله”.

 

أمام عين عبد الله استشهد الشاب هيثم السكافي في المسجد الأقصى المبارك يوم مجزرة الأقصى الثالثة بتاريخ 29/9/2000م والتي تلت دخول الإرهابي شارون للأقصى؛ إنه المشهد الذي يساعده على مواصلة الطريق كلما شعر بالتعب؛ سألناه عن أبرز القدرات التي تحلّى بها وجعلته مؤهلاً للمهمة الصعبة:

“ميلي لتبسيط المفاهيم الصعبة والمعقدة على الطلاب، حيث أني أؤمن أن الأستاذ الناجح هو من يمكنه إيصال الفكرة الصعبة ببساطة وسهولة للطالب.”

 

وعن مدى اهتمام الجامعات العربية بإدراج تخصص العلوم المقدسية في كليّاتها؛ قال: “للأسف جامعاتنا العربية لا تهتم بهذا التخصص، وإن اهتم به بعضها فهو اهتمام سياسي غير أكاديمي، والتقصير يكمن في نظري في فهم القائمين على جامعاتنا العربية أن دراسات بيت المقدس مسألة أكاديمية ليست بالضرورة سياسية أو عاطفية”.

 

كانت انطلاقة ضيفنا الأولى نحو التدريس الجامعي في جامعة مالايا في ماليزيا؛ يبدو فخورًا لأبعد حد بهذه التجربة؛ والسبب حسب رأيه: “كانت تجربة غنية بكل ما تعنيه الكلمة من معنى، فجامعة مالايا عندما درَّست فيها كانت تعد رقم 181 على مستوى العالم، وهي جامعة بحثية متميزة ومرموقة، إضافةَ إلى أن تجربة العمل في بيئة ماليزيا مختلفة تمامًا عن عالمنا العربي؛ في جوها وثقافتها وحتى طعامها؛ واختلاف البيئة يؤثر بطبيعة الحال على الثقافة التعليمية”.

 

وفي سؤاله عن مدى تفاعل الطلبة مع هذا النوع من المساقات سواء في جامعة طيبة بالمدينة المنورة أو بجامعة إسطنبول 29  مايو ؛ قال: “الطلاب العرب لديهم تشوقّ كبير للقدس للتعرف عليها أكثر وفهم أهميتها وسبب هذا الاهتمام العالمي بها، وهذا لا يختلف فعليًا من خلال تجربتي بين دولةٍ وأخرى، فأبناء أمتنا بشكل عام يفهمون أن القدس ملك لهم؛  لذلك أبذل جهدي في تبسيط المفاهيم وفهم المعلومات والأحداث، لا سيما عبر ربط الأخبار والمعلومات المبثوثة في الكتب بالواقع وما يجري على الأرض مما يسهل على المرء تخيل التاريخ وإحياءه في ذهن الطالب؛ وبالتالي استيعاب المعلومات وتثبيتها”.

 

ويتوقف قليلاً عند تدريسه في واحدة من الجامعات التركية: “من أبرز التحديات التي واجهتها هي تحدي اللغة، ومع أنني أدرِّس طلابي باللغة العربية إلا أن هناك بعض المصطلحات التي تحتاج تبسيطًا وتوضيحًا بشكل مستمر، إضافةً إلى ضرورة تعلم مهارة إيصال المعلومة العميقة بأسهل طريقة؛ وأعتبر شخصيًا أن هذه المرحلة وأثرها في حياتي سيكون طويل الأثر بإذن الله، وأحمده تعالى أن يسر لي المشاركة في هذه التجربة، فتركيا بلد عظيم بتاريخه وواقعه ومستقبله بإذن الله.

 

ومن المفارقات التي صادفها وتأّكد من خلالها ضرورة زيادة الوعي فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية: “أحد الأساتذة طرح يومًا اسم أحد الأخوة الزملاء من العلماء الكبار من أهلنا في أراضي 48 وذكر أنه يحمل بالتالي الجنسية الإسرائيلية، فسألت إحدى الطالبات متفاجئة: (يعني الشيخ فلان كان يهوديًا وأسلم)؟؛ فذلك كان بسبب عدم فهم معنى أراضي 48 وعدم استيعاب كيف يعيش أهلنا الكرام هناك”.

 

ويضيف موقفًا آخر: “أذكر أني في إحدى المرات كنت أتحدث عن مفهوم المسجد الأقصى المبارك وأنه يشمل كامل المساحة التي تبلغ 144 دونمًا، فوقف أحد الشباب وقال: (في الثمانينيات قالوا لنا إن الأقصى هو قبة الصخرة، وفي التسعينيات صحّحوا لنا وقالوا إن الأقصى هو الجامع القبلي، والآن في “الألفينيات” تخبرنا إن الأقصى هو كامل المساحة، فماذا ستقولون لنا بعد ذلك؟) فطمأنته وقلت مازحًا: (لا تقلق، هذه آخر طبعة)؛ ذلك الموقف جعلني أركز جيدًا على ضرورة دقة المعلومة حتى لا يفقد المرء ثقته في مصادره فعليًا”.

 

 

وعن سبل تطويره أدائه لأجل رسالةٍ نبيلة؛ يؤكد محاولته الحثيثة لتجديد الأساليب في المساقات التي يدّرسها أولاً بأول، موضحًا:

“أتابع القراءة دائمًا وأحاول البحث عن أي معلومة جديدة، وهذه شيمة المرء الذي يحتاج التجديد والتطوير وإلا ذَوى وانتهى وجمد؛ كما أني استعين بالمصادر الإلكترونية التي تكشف لي الجديد في العالم من الوسائل والأساليب بل والبحوث الجديدة”.

 

ويوصي كل من يرغب في تعلم الشئون المقدسية؛ بالتعلم والصبر على التعلم؛ وقرن العلم بالعاطفة والعمل.

 

ويختم حديثه لــ “شبكة زدني”: “عليك أن تستصغر نفسك ولا تظن أنك أنجزت شيئًا للقدس حتى تحررها؛ القدس قضية رابحة، ولذلك يكثر تجّارها، وهي قضية تثير مكامن النفس الإنسانية بجمالها وبشاعتها، فكما أنها تثير الهمة المكنونة في النفس، فهي كذلك قد تربي لدى البعض مشاعر الغيرة والحسد والكبر، فإن حدثتك نفسك يومًا في هذا الطريق بالفخر أنك أنجزت شيئًا، فعليك أن تتذكر أسوأ ذنوبك على الإطلاق، وتتخيل رحمة الله بك إذ سترها عليك، وعليك أن تذكر نفسك أنك أنت لولا القدس لا شيء، وأن لا إنجاز في الدنيا إلا تحرير القدس، فما دمت لم تحررها بعد فلا تفخر ولا تظن أنك أنجزت شيئًا كبيرًا؛ فأكبر أعدائك في هذا الطريق نفسك التي بين جنبيك؛ أرجو أن يأخذنا حب القدس في الدنيا إلى تحرير المسجد الأقصى المبارك، وفي الآخرة إلى الفردوس الأعلى من الجنة”.

 



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك