عندما يدفع الصغار ثمن حروب الكبار !

7 يوليو , 2015

أتذكر جيدًا تلك الليلة الماطرة، عندما جمع إمام المسجد صلاتي المغرب والعشاء بسبب سوء الأحوال الجوية و التساقطات المطرية القوية التي تمنع عددًا كبيرا من المصلين من التنقل إلى المسجد.

ما إن سلم الإمام في الركعة الأخيرة حتى انطلق صوت شاب يقول بتلك اللهجة الشامية المحببة:

“سوريين يا إخوان، ما إلنا غير الله يا إخوان، نحنا مثلكم مسلمين يا إخوان…”

نعم، مرة أخرى بعض اللاجئين السوريين المتسولين أمام أبواب المساجد…

كان شابًا يافعًا، غالبًا في الواحدة أو الثانية والعشرين من عمره، صوته جهوري لكنه يطأطئ رأسه في خجل شديد و يحمل جواز سفر طبع على غلافه شعار الجمهورية العربية السورية.

رغم العدد الكبير من المتسولين الذين أدمنوا الوقوف أمام باب المسجد، إلا أن السوريين منهم يتمتعون بمعاملة خاصة وتعاطف كبير من الجميع، فما أقبح الأسباب التي دمرت مستقبلهم وحولتهم إلى لاجئين فقدوا كل شيء !

انتظرت لبعض الوقت، حتى انفض جمع المصلين والمتعاطفين مع الشاب السوري، الذي ترافقه سيدة في عقدها الرابع، وطفلتان صغيرتان، قبل أن أتوجه نحوه ويدور بيننا الحوار التالي :

  • السلام عليكم.
  • وعليكم السلام.
  • أنت سوري، أليس كذلك؟
  • أجل…
  • من أي منطقة بالضبط؟
  • من مدينة حمص، هل سمعت بهذه المدينة من قبل؟
  • طبعًا، ومن لا يعرف واحدة من أعرق مدن الشام، ناهيك عن أنني مهتم للغاية بما يجري ويدور حاليًا في سوريا.

ثم أضفت :

  • أعتقد أن سنك يوحي بمتابعتك للدراسة في الجامعة، أليس كذلك؟

بدت الحسرة على محياه وهو يجيبني:

  • أجل، لكن هذا جزء من الماضي الآن !

فهمت قصده، لكنني آثرت الصمت، فأكمل كلامه بطريقة توحي برغبته الشديدة في البوح بما يختلج في صدره:

  • كنت أتابع دراستي في كلية الآداب، كأي شاب في سني أملك طموحًا وأحلامًا مفعمة بالأمل نحو مستقبل مشرق، أقضي وقتي بين مراجعة دروسي ومطالعة بعض الكتب والروايات، و كان حلمي أن أصبح كاتبًا مشهورًا، لكن تبخر كل شيء في لمح البصر، عندما وجدت نفسي مسؤولاً عن أسرة اختطف الموت معيلها الرئيسي، أبي…

تأثرت بكلامه، فقلت:

  • رحمه الله.

ارتسمت على وجهه ابتسامة باهتة و هو يقول:

  • وصلنا إلى المغرب بما يشبه المعجزة، صحيح أننا نشعر بالأمان هنا، بعد هروبنا من جحيم الحرب التي شهدت أعنف أطوارها هناك في حمص، لكنني أشعر فعلا بالضياع، و الخوف من المستقبل المجهول، هل سأستطيع إتمام دراستي و تحقيق أحلامي؟

ربتت على كتفه مشجعًا:

  • ستفرج بإذن الله.

قال بخفوت :

  • لا أدري أصلاً إن كنت سأبقى هنا في المغرب رفقة والدتي و إخوتي، أم أننا سنهاجر إلى أوروبا، أم سنعود يومًا ما إلى سوريا…

هممت بالرد عليه، لكن نداء والدته جعله يبتسم في وجهي بأدب، ثم يقول:

  • معذرة، أشكرك جزيل الشكل لتعاطفك، لكننا مضطرون للذهاب، أنت تعرف أن هذا الجو الماطر لا يسمح لنا بالبقاء كثيرًا في العراء.

أدار ظهره مبتعدًا، فوجدتني أسأله :

  • سؤال أخير، هل أنت مؤيد أم معارض؟

أدركت سخافة سؤالي عندما أجابني بسرعة:

  • فليذهبوا جميعهم إلى الجحيم، كلهم مهتمون بمصالحهم الضيقة و لا أحد يفكر في مصيرنا رغم ترديدهم كلمة “الشعب السوري” في خطبهم الجوفاء سواء كانوا ممثلين للنظام أو المعارضة، كل الشعوب تتطلع إلى المستقبل، إلا نحن، نتمنى الرجوع إلى الماضي الجميل الذي تغير سنة 2011، مع السلامة.

“الحرب رائعة بالنسبة لأولئك الذين لم يعيشوا جحيمها”

مقولة معبرة للمفكر الفرنسي إيرازم، لم أدرك مغزاها إلا ذلك اليوم، مع هذا اللاجئ السوري الشاب الذي لا أعرف حتى إسمه !

ما أصعب أن يكتوي بلدك بنار الحرب، خصوصًا إذا ما كنت طالبًا جامعيا أو تلميذا فرضت عليك الظروف ترك مقاعد المدرسة أو مدرجات الكلية لتحمل السلاح أو تغادر البلد متشردًا، دافعًا بذلك ثمن حرب لا ناقة لك فيها و لا جمل.

لك الله يا سوريا !



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك