عن البحث العلمي وأشياء أخرى

9 أكتوبر , 2015

يعد البحث العلمي الدعامة الأساسية التي تنطلق منها الدولة، من أجل ترقية قطاعاتها، لتحقيق النهضة الشاملة، وبه يقاس مدى تقدم الأمم وتخلفها، حيث شهد البحث العلمي في الجزائر قفزة نوعية من حيث التمويل، حيث خصصت مبالغ معتبرة، تعكس التصور الجديد الذي تنتهجه وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، قصد اللحاق بالركب، عن طريق توفير الآليات والسبل، التي من شأنها أن ترقى بالجامعة الجزائرية إلى المكانة التي تستحقها، شريطة أن يواكب ذلك تغيير جادّ في الذهنيات، وكذا القوانين والتشريعات، التي تحد من قيمة البحث العلمي، وتجعله متأخرًا على جميع الأصعدة وفي جميع الميادين.
في هذه المقابلة يتحدث الأستاذ خثير شين -طالب في السنة الثالثة دكتوراه- عن واقع البحث العلمي في الجزائر، وعن أهم المعوقات التي تواجه الطالب الجامعي خلال مسيرة بحثه.

12077022_1063816600337640_495825781_n
– السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، في البداية أرحّب بك أستاذ، وأشكرك على تلبية الدعوة لإجراء هذه المقابلة، دعنا نتعرف عليك أكثر، من هو خثير شين؟
أولاً: أشكرك على الدعوة، وعلى إعطائي الفرصة لأكون ضيفًا عليك، وعلى موقعكم المتألق.

أنا شين خثير مولود بتاريخ 1990/01/30، أعمل كأستاذ بالتعليم الثانوي لمادة الاقتصاد، وطالب سنة ثالثة دكتوراه بجامعة غرداية، تخصص تسويق إبداعي، أعمل أيضًا كأستاذ مؤقت بجامعة المسيلة، أمارس هوايتي في التصوير كلما تسنى الوقت، بالإضافة إلى كوني عضوًا في نادي اتحاد مقرة للفنون القتالية.
– كيف توفق بين عملك كأستاذ في الطور الثانوي، وبين دراستك للدكتوراه؟ وهل هناك صعوبات تواجهك في هذا الشّأن؟
– في حقيقة الحال، باعتباري تحصّلت على الوظيفة، و نجحت في مسابقة الدكتوراه في وقت واحد، كان لزامًا علي أن أحاول التأقلم مع الوضع، حيث قمت بتكييف برنامجي، بحيث يسمح لي بالدراسة والعمل في نفس الوقت، واجهت عدة مشاكل في البداية، وخاصة في العام الأول، الذي تخلله دراسة كثيفة نوعًا ما بالدكتوراه، لكن الحمد لله، استطعت أن أوفق بينهما، لكن مع الأطروحة أنا متأخر نوعًا ما، وهذا بسبب التدريس طبعًا، ذلك أنه يأخذ مني جهدًا كبيرًا، جعلني مقصّرا في حق أطروحتي.
– ما تقييمك للبحث العلمي في الجزائر؟ وهل بإمكان الجامعة الجزائرية تخريج كفاءات تنافس في مختلف المجالات؟
البحث العلمي في الجزائر يعيش مرحلة يمكن أن نقول أنها صعبة، أو انتقالية، حيث أن تطبيق الجامعة لنظام “LMD”، ومحاولة إنجاحه، انعكس بدوره على جودة مُخرجات الجامعة (نوعية الطلبة و ليس الكمية)، العيب أو الإشكال تتحمله منظومة التعليم العالي بأكملها، و ليس الأساتذة فقط، لكن مع ذلك كلي ثقة أن هناك من كفاءات تستطيع أن تنافس في كل المجالات، شريطة أن تُعطى الفرصة لتبرهن عن نفسها، وتحاول تطبيق ما تكونت عليه في الجامعة.
– ما تقييمك لنظام “LMD” بصفة عامة؟ وهل حقق النجاح الذي يرجى منه؟
نظلم “LMD” هو نظام جيد، لكن آليات تطبيقه لا تتوفر على مستوى جامعاتنا، هذا النظام يحتاج إلى وسائل بيداغوجية، تضع الأستاذ والطالب في وضعية تمكنهما من البحث و الوصول إلى كل ما هو جديد، فأبسط الأمور كالإنترنت لا تتوفر في أغلب الجامعات.
أما عن التقييم ، فباعتباري درست أربع سنوات ليسانس نظام قديم، ثم أكملت الماستر والدكتوراه ضمن هذا النظام، مستفيدًا من نظام العبور، أقول أن لكل نظام مميزاته وسلبياته، والتقييم الحقيقي يبقى تقييم الإطارات التي تخرجت وهي تعمل الآن، وما التغيير الذي أحدثته.
– تعرف الجامعات الجزائرية نقصًا حادًا في المراجع العلمية، فنجد الكثير من الطلبة يتنقلون لمسافات طويلة جدًا، بحثًا عن مرجع أو كتاب، يكون عونًا لهم على إخراج البحث العلمي في أبهى صورة، تليق بالمستوى الذي يدرسون فيه. ما السبب في قلة المراجع العلمية في نظرك؟
مشكل قلة المراجع مطروح كثيرًا، خاصة في تخصصي، بإمكاننا القول أننا في الجزائر نفتقد لمكتبات كبيرة، تابعة للجامعة أو خارجها، يمكن أن توفر لنا كل ما نحتاجه، فالمراجع المتوفرة لا تعيننا على القيام ببحث علمي مميز، وخاصة باللغة العربية.
– من بين المشاكل التي تواجه الطالب الجامعي، صعوبة الوصول إلى مشرف على المذكرة، فتجد بعض المشرفين يشرفون على عدد كبير من الطلبة، دون الاهتمام بتفاصيل بحثهم، ما يعيق توجيههم بالصورة المثلى، نحو بحث علمي ممنهج وسليم. لماذا نجد دائمًا تلك النظرة الدونية التي ينظر بها إلى الطالب الجزائري، وكأنه لن يضيف شيئًا؟
قضية الإشراف تتعلق بالإدارة ، حيث أصبح يمثل عبئًا على الأستاذ حاليًا، في ظل عدد الطلبة الهائل الذي تحوزه الجامعة، في مختلف التخصصات، وخاصة في العلوم الإنسانية، حيث تجد المشرف مجبرًا على مرافقة ما يفوق عشرين طالبًا موزعين ما بين ليسانس وماستر و دكتوراه، بالإضافة إلى عمله كأستاذ وباحث، هذا كله بطبيعة الحال لن يساعد على تطوير البحث العلمي، فلن يستطيع المشرف إيفاء الطالب حقه، وليس بإمكان الطالب الاستفادة من مشرفه كما يجب.
– رغم المبالغ الكبيرة التي تضعها الدولة في خدمة المؤسسات الجامعية إلا أن العديد من الطلبة المتفوقين يحرمون من حقهم في التكوين بالخارج. ما هي المعايير التي تنتهجها الجامعات في اختيار المتربصين بالخارج؟
إن المعايير في انتقاء الطلبة الذين يتكونون بالخارج، تعود لكل جامعة على حسب قدراتها، والميزانية المتاحة أمامها، فجامعتنا توفر هذه المنحة لنا، لكن القانون يمنع الطالب الأجير من الاستفادة منها، لم يستفد أحد من زملائي منها، باستثناء طالبة، وذلك لأننا جميعًا عاملون سواء كأساتذة أو إطارات، بالإضافة إلى نوعية التخصص، فكل تخصصات العلوم الإنسانية لا تستفيد بشكل كبير من هذه المنح، و لم أشهد على أحد استفاد منها، أو استفدت منها شخصيًا، رغم أني كنت متفوقًا طيلة مساري الدراسي.
– صرح وزير التعليم العالي والبحث العلمي الطاهر حجار مؤخرًا، بأن ظاهرة السرقات العلمية والأدبية في الجامعة الجزائرية تبقى محدودة، في حين تبقى الجهود المبذولة للحد من هذه الظاهرة ناقصة وغير كافية، هل توافقه فيما قال؟ وما هي الخطة التي تتبعها الجامعة للقضاء على هذه الظاهرة الخطيرة؟
ظاهرة السرقات العلمية والأدبية، منتشرة عبر كافة العالم، ففي كل مرة نسمع عن دكتور في بلد ما قدم استقالته، بسبب كشف سرقته العلمية على العلن، أنا مع الوزير في كلامه بأن السرقات محدودة، وهذا حسب تعريفي للسرقة، أرى بأن الاستفادة من دراسات سابقة، ومحاولة تطبيقها في دراسة حالة، أو في دراسات ميدانية جديدة، يمكن أن تأتي بالجديد، فالجانب النظري ليس بمعلومات حصرية خاصة بأصحاب البحث، بل هو مجرد أفكار تم جمعها من عدة كتب.
– الجامعة الجزائرية تبذل مجهودات معتبرة لمحاربة هذه الظاهرة، فقد سمعنا بالعديد من الحالات التي تمت معاينتها على مستوى الجامعات، باعتبارها تمتلك أنظمة تعمل على كشف السرقة، حيث يتم وزن المذكرة في برنامج يحتوي على قاعدة معطيات، لكافة الأطروحات والمذكرات المسجلة، عبر كافة التراب الوطني.
– هل تمنحكم الجامعة الوقت الكافي للتكوين، من خلال إشرافكم على تقديم الدروس، وكذا المشاركة في مختلف الملتقيات والندوات المقامة في جامعتكم؟
الجامعة في هذا الصدد والحقيقة تقال، توفر لنا الفرصة للتدريس والاحتكاك بالتعليم، أو المشاركة في كافة الملتقيات والندوات المقامة، لكن وجب قول الحقيقة هنا، بأن أغلب الطلبة مقصرين في هذا الجانب، فتجد أغلب طلبة الدكتوراه عاملين خارج الجامعة، وبالتالي تجدهم لا يتقيدون بالشكل الكافي مما توفره الجامعة، و ذلك لانشغالهم بالعمل وانجاز الأطروحة، كما لا ننسى أن بعد المسافة بين مسكن الطالب والجامعة أحيانا، يجعل هذه المهمة صعبة نوعًا ما.
– في العديد من الملتقيات التي تعقد بالجامعات اليوم، نجد حضورًا لافتًا لممثلين عن شركات وطنية وأجنبية، تعمل لتنفيذ جملة التوصيات والمقترحات، التي تتمخض عن هذه الندوات، في نظرك هل بالإمكان الارتقاء بهذه البحوث النظرية، إلى مشاريع عملية، يتم تجسيدها على أرض الواقع؟ وما هي السبل الناجحة لتحقيق ذلك؟
إن توجه الجامعة الجزائرية لإشراك الشركات الوطنية والأجنبية في مختلف الندوات والملتقيات، هدفه مشترك وهو إيجاد آلية لاستفادة كل طرف من الآخر، بالنسبة للجامعة من أجل تكوين الطلبة وتوظيفهم لاحقًا، أما بالنسبة للشركات، فمن أجل الاستفادة من طلبة مكونين تكوينًا متخصصًا حسب احتياجاتهم، لكن بالرغم من ذلك أرى أننا لم نصل بعد إلى أن نجسد ما وصل إليه البحث العلمي على أرض الواقع، في ظل السياسة التي تتبعها بعض المؤسسات الاقتصادية، والتي ترفض استقبال الطلبة لإنجاز مذكراتهم.
– هل سيؤدي إشراك المتعاملين الاقتصاديين، في مجالس التسيير الخاصة بالجامعة، إلى تجسيد المطالب المستجدة في البرامج الجامعية والبحوث العلمية؟
أنا مع هذه الخطوة، وذلك لنجعل الجامعة أقرب إلى الواقع، حيث يكون لكل طالب يدرس تخصصًا معينًا، مستقبل محدد وموجه، بحيث يضمن له العمل مستقبلاً في إطار ما تكون به، هكذا نجحت أغلب دول العالم في الوصول إلى تطوير جامعاتها، خاصة في مجال الإلكترونيات، حيث ترعى الكثير من الشركات الطلبة، وتوفر لهم كل ما يلزم للاختراع و الابتكار.
– بعد أيام قلائل سيتوجه العديد من طلبة الماستر، لاجتياز مسابقات الدكتوراه في كل التخصصات، ما نصيحتك لهم؟
نصيحتي لكل طلبة الماستر أن لا يصغوا إلى الكلام السلبي، وأن لا يتركوا الإحباط يتسلل إلى نفوسهم، ثقوا بالله أولاً، ثم بقدراتكم ثانيًا، واجعلوا هدف الدكتوراه بين أعينكم، والمراجعة ثم المراجعة، والعمل على التحضير الجيد، من أجل اجتياز هذا الامتحان، الذي يعتبر نجاحك فيه ، ممرًّا لمرحلة جديدة في مسار حياتك، ويجعل منك باحثًا يساهم فيرقي بلاده وتطويرها نحو الأفضل.
– بصفتك أستاذ في الطور الثانوي، ما تقييمك للمنظومة التربوية عمومًا؟ وهل هناك جهود حقيقة تبذل من أجل إصلاح التعليم في الجزائر؟
-بالنسبة للمنظومة التربوية في الجزائر، تنطبق عليها حالة التعليم العالي، فهي في مرحلة صعبة نوعًا ما، لأنها تشهد تحولات كثيرة، خاصة مع قدوم الوزيرة الجديدة، والتي رغم الانتقادات التي توجه إليها، أرى بأنها تسيير في طريق سليم، و سنرى خيرًا بإذن الله في المستقبل القريب، ونأمل من الجيل الجديد مثلي ومثلك، أن يكون خير خلف لخير سلف، لنحمل المشعل كي نجعل من التعليم في الجزائر، النواة التي يقوم عليها هذا البلد الجميل.

 

– ختاما كلمة توجهها لقراء زدني عمومًا، وللطلبة المقبلين على تحديات جديدة في كل الأطوار التعليمية.
أقول لزدني أنني سعيد بهذه الإطلالة، فأنا متابع شغوف لكل مقالات ونشاطات الشبكة، ولا أخفيك سرًا، فقد قمت باستعارة بعض المقالات، التي تتحدث عن النجاح و الطموح، وألصقتها في القسم من أجل أن يراها تلاميذي، وسروا بها كثيرًا، فشكرًا لكل العاملين فيها، أتمنى لها مزيدًا من التألق والنجاحات، أما بالنسبة للقراء فأضيف أنا سعيد بمشاركة رأيي معكم، ولن أدخر جهدًا لخدمتكم، دمتم أوفياء لزدني.
ولكل طالب مقبل على تحدّ علمي، أقول له لا تتوقف أبدًا، ولا تستسلم، وكما جاء في الأثر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “لا يزال الرجل عالما ما طلب العلم، فإن ظن أنه قد علم فقد جهل”.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك