في اليوم العالمي للغة العربية.. متمسكون بالفصحى يتحدثون لـ”زدني”

18 ديسمبر , 2018

الداية: متعةٌ يُحرم منها من لم يتذوقها

عطية: أتحدث الفصحى فيأتيني الطلبكلمني عربي

البطش: الاستغراب ردُّ فعلٍ موحَّد

وسِعتُ كِتابَ اللهِ لَفظًا وغايةً.. وما ضِقْتُ عن آيٍ به وعِظاتِ

 فكيف أضِيقُ اليومَ عن وَصفِ آلةٍ.. وتَنْسِيقِ أسماءٍ لمُخْترَعاتِ

بيتان من قصيدة للشاعر المصري حافظ ابراهيم، تحدّث فيها على لسان اللغة العربية، ليؤكد مناسبتها لكل العصور، وقدرتها على مواكبة التطور، واكتفائها بذاتها دون الحاجة للاستعانة بكلمات من لغات أخرى.

وهذا ما يمثل قناعة راسخة لدى الكثير من العرب، وأحيانًا تأخذ هذه القناعة أصحابها إلى تمسكٍ أقوى بلغتهم الأم، فلا يكتفون باستخدام اللهجات العامية التي تجري على ألسنة أبناء مجتمعاتهم، وإنما يتحدثون العربية الفصيحة في مختلف المواقف التي يمرون بها حياتهم اليومية..

في اليوم العالمي للغة العربية نستمع لتجربة بعض المتمسكين بالفصحى، نسألهم لماذا يتحدثونها؟ هل يستمتعون بها؟ كيف يتفاعل معهم الناس؟، والكثير من الأسئلة الأخرى..

غربة الفصحى

أستاذ اللغة العربية في الجامعة الإسلامية د. رائد الداية اعتاد منذ كان في الثانوية العامة على التحدث بالفصحى في معظم شؤون حياته اليومية، وذلك انطلاقًا من قناعته بجمالها، وقدرتها الفائقة على الإقناع والإمتاع، كما يقول في حديث لشبكة زدني.

تلك القناعة جذبته بعيدًا عن طموحاته السابقة، فبعدما كان يخطط لأن يكون شخصية علمية مميزة في علم الأحياء الذي بدأ بدراسته بعد التوجيهي، غيّر مساره ليتجه نحو تخصص اللغة العربية.

يوضح: “لم أكن في تردد لأتحدث الفصحى، رغم قراءتي لعيون من يسمعني والتي كانت تقول: (من أي مكان أتى هذا الرجل؟ وماذا يقول؟ إنه كلام غريب)، وأحيانًا أشعر أحدًا يتمتم قائلًا: (يبدو معقدًا)؛ حتى أرى الإعجاب بي في عينيه بعد استمراري في الكلام الفصيح، مبينًا: “يخبرني البعض عن حماسهم للتحدث مثلي، لكنهم يحجموا عن ذلك بسبب نظرة الناس، هذا الأمر يحتاج إلى عزم ومضاء وهمة، وألا يلتفت الواحد منا للخلف“.

ويلفت إلى أنالتعود على ملازمة الفصحى كان صعبًا؛ لكنها سرعان ما صارت سجية وعادة بعد مرحلة من الخلط الذي كان سببه عدم كفاية درايتي بها، حتى تجذرت معرفتي بتفاصيلها إلى حد ما، ومع ذلك لا يبرأ اللسان من الخلط واللغط والزلل“.

ويرى الداية أن: “هناك حرمان من النعم يقع لكثير من الخلق، ومن أعظم الحرمان وأخطره حرمان المرء من حيازة الفصحى، والتسلح بها؛ لمضارعة مواقف الحياة، والتواصل مع الآخرين“.

ويقول: “اعترضتني الكثير من المشكلات، وما زال بعضها قائمًا، وأبرزها الشعور بغربة الفصحى عن المجتمع الذي يهجرها، وقلة من يتحدثون بها، ويتداولونها، وأكثر الألم يقع في أن أجد جل المثقفين قد تخلى عنها، ولم تعد من اهتمامه“.

ويضيف: “البلاغة تقتضي مناسبة الكلام للمقامات المختلفة على قاعدة (إن لكل مقام مقالًا)، ولذا لو خاطبت جاهلًا فلا بد أن يتناسب الكلام مع مستواه العقلي والثقافي والبيئي، وكذا العالم، والتاجر، والصغير والكبير، والرجل والمرأة، والسعيد والحزين وغيرهم، متابعًا: “فلا حاجة، ولا اضطرار عندئذ لاستخدام العامية؛ لا سيما أن البلاغة مستويات تراعي أحوال الناس ومقاماتهم تمام المراعاة“.

ومن وجهة نظره، فإن:الفصحى تعزز العلاقات الاجتماعية، ولا تسهم في غلق أي باب من أبواب تلك العلاقات؛ ذلك لأنها تمكن اللسان من الكثير من الكلمات والتراكيب المناسبة للمقامات الاجتماعية، ولا تخلو من المرونة التي تجعل الحديث شائقًا، ولا عجب لو قلنا: إن الفصحى أكثر جذبًا للعلاقات الاجتماعية من اللغة الدارجة العامية، وسرعان ما يتقبلها المُخاطَبُون، وينشدوا إليها؛ استمتاعًا بها، أو اقتناعا بموضوعيتها، وقدرتها على الإيجاز والإطناب، والتقديم والتأخير والحذف“.

ويقول الداية: “الجمال كله في الكلام البليغ الذي يناسب المقام، والمتعة كلها في استخدام الكلمات والتراكيب اللغوية التي تستقيم مع قواعد اللغة وأعرافها، وتبتعد عن الابتذال؛ وهذا الحس الذي أجده في كل وقت، لا ألمسه من طلبتي في الجامعة عند سماعهم لي في أول محاضرة وأنا أتحدث إليهم بها، ومع ذلك أجدهم قد أثيروا، ثم أسمع كلمات الإعجاب منهم، وهذا دليل على أن الفصحى تأسر النفوس بجمالها“.

ويؤكد: “يصلح استعمال الفصحى في كل زمان، وكل مكان، ولا حرج في درجها على الألسن، وهي تستغني الاستغناء كله عن دخيل الألفاظ وعجمتها، فمما تتميز به العربية قدرة جذور كلماتها على استنبات أعداد هائلة من الكلمات الأخرى، ومن زاوية أخرى يحرص اللسان الفصيح ألا يختلط لسانه بالألفاظ الدخيلة لا سيما مع وجود البديل الجميل، وهذا حدا بي أن انتقي الألفاظ حال استعمالها في الكلام“.

قناعته بفكرة استخدام الفصحى في الحياة اليومية دفعته لتشجيع أفراد أسرته على التحدث بها، لذا فهو يُجري حوارات مع أبنائه تهدف إلى إثراء لغتهم، ودفع الحرج عنهم، وتعويدهم، ويحثهم على سماع ذلك من قنوات إعلامية تعتمدها في برامجها وفقراتها.

ومنذ بداية ارتباطه بالفصحى في بداية تسعينات القرن الماضي، مرّ الداية بالكثير من المواقف الطريفة، يذكر منها أن طالبًا طلب منه الإجابة عن بعض أسألته، فردّ عليه: “رحبًا وسعة، فإذا بالطالب يقول: “ما بعرفهم!”.

لا مبالغة

احكي معنا عربيهذا ما يطلبه البعض من د. فؤاد عطية عندما يتكلم معهم بالفصحى، وآخرون تصل بهم الصراحة إلى محاولة إسكاته بالقول: “الله يرضى عليك لا تتفلسف، وفي المقابل هناك من يبدي إعجابه الشديد بالأمر.

عطية درَس اللغة العربية، وعمل في تعليمها في مدارس قطاع غزة، ثم أصبح مشرفًا على معلميها، منذ  أكثر من 20 سنة، بدأ باستخدام الفصحى في حياته اليومية بدلًا من العامية.

يقول: “بدأت أدخل الفصحى في حديثي في فترة الجامعة، وزاد تمسكي بها أثناء عملي معلمًا، لقناعتي بأنه لا يصح لمعلم العربية أن يتكلم بالعامية أمام طلابه، وزاد أكثر وأكثر عندما أصبحت مشرفا للمادة، فصرت أنشر الوعي بأهمية اللغة بين الطلبة والزملاء“.

ويضيف: “لغتنا عظيمة وتستحق أن نتحدثها كما نزلت في القرآن، ولا مبالغة في استخدامها في التواصل، فهي الأصل وليس العامية التي ألِفناها“.

ويتابع: “عندما قررت أن أتحدث الفصحى، ترددت لبعض الوقت بسبب ما وجدته من استغراب وعدم تقبل، حتى وصلت لقناعة بأنني لا أتحدث الفصحى لأجل الآخرين، لذا فلا يعنيني من لا يعجبه حديثي بها“.

لم يكن تطبيق الفكرة سهلًا، ففي السنة الأولى كان عطية يقع في بعض الأخطاء الإعرابية، وهو ما زال بالاعتياد، لكن العامية ظلّت تتسل إلى حديثه لعشر سنوات تقريبًـا.

أما فيما يتعلق بتناسب اللغة مع الواقع والتطور الحالي، فلا صعوبة بالنسبة له، إذ يرى أن:الفصحى مناسبة جدًا لكل تفاصيل حياتنا، هي أصلًا لغتنا الأم فلماذا نستصعب التحدث بها ونتذرع بأنها لا تصلح للتطور الذي نعيشه!، كل المصطلحات يمكن تعريبها، ونحن أولى الناس باستخدام لغتنا وفق قواعدها الصحيحة من القرآن والأحاديث النبوية“.

وعن الفصحى والعلاقات الاجتماعية، يوضح: “قد تتأثر بعض العلاقات سلبًا مع من يتحدث الفصحى، بسبب ثقافة المجتمع القائمة على العامية، فمن الناس من يجد صعوبة في فهم الفصحى“.

ويبين: “أتمسك بالفصحى مع أهل الاختصاص وطلبة العلم، وأعود للعامية عند الحديث مع بعض الفئات ككبار السن، لافتًا إلى أن الأطفال ليسوا ممن يتنازل عن الفصحى عند التواصل معهم، فهم من وجهة نظره أكثر تقبلًا لها، أضف إلى ذلك أن محادثتهم بها يعني تعلميهم التمسك بلغتهم وهويتهم، وقد جرّب ذلك مع أبنائه الذين وجد منهم استجابة عالية.

ويشير إلى أن أغلب الأشخاص يستغربوا حديثه في بداية تعاملهم معه، ومنهم من يطلب منه توضيح معاني بعض الكلمات، لكنهم مع الوقت يعتادوا عليه، ومنهم من يبادله الفصحى بالفصحى.

ويؤكد على ضرورة انتقاء الكلمات بعناية، بحيث تكون فصيحة لكنها غير معقدة، وقريبة من الناس وفهمهم، ليكون التواصل سلسًا وغير منفر.

إلى يثرب!

انتصار البطش، أوسيبويه غزةكما لقبتها معلّمتها، شابة تدرس الإعلام وتكنولوجيا الاتصال، تتحدث الفصحى منذ كانت طفلة في المرحلة الإعدادية.

تقول: “قبل ثمان سنوات، تولدت لدي الرغبة بتحدث الفصحى بدلًا من العامية، إعجابًا بطريقة معلمة اللغة العربية في الحديث، فقد كانت تشرح الدروس بالفصحى“.

وتضيف: “عندما بدأت، واجهت صعوبة بالغة، بسبب استغراب الناس، وعدم اعتيادي على الاكتفاء بالفصحى، إذ كنت أستخدم بعض الكلمات العامية، حتى تغلبت على ذلك بالممارسة“.

وتتابع“: “رغم ذلك لم أتراجع، خاصة أنني وجدت تشجيعًا من عائلتي، فأمي كانت تتحدث معي بالفصحى، وأبي يشتري لي الكتب التي أحتاجها“.

وتلفت البطش إلى أنها تعلمت قواعد اللغة من القرآن الكريم، ثم المناهج الدراسة، والقراءة والاستماع.

الحديث بالفصحى يمنح البطش شعورًا بالسعادة، وتزداد سعادتها أكثر عندما يتحدث معها الآخرون بذات الطريقة، هذا رغم ما يواجهها من سخرية واستهجان.

توضح: “الاستغراب هو ردّ الفعل الذي أجده من كل من أتحدث معهم تقريبا، ولكنه يزول بالتدريج وبتكرار اللقاءات، مبينة: “الكثير من الناس يظنون أنني أستخدم العربية للمزاح حتى يُفاجؤوا باستمراري بالتكلم بها“.

وتشير إلى أنها تتمسك بالفصحى في كل تفاصيل حياتها، ولتتمكن من الاستمرار في ذلك فهي تراعي المستوى العمري والثقافي لمن تخاطبهم، فمثلًا تتحدث مع الأطفال بطريقة الرسوم المتحركة.

وعلى ذكر الرسوم المتحركة، تخبرنا البطش أن من أكثر التعليقات التي تسمعها أن يطلق عليها الآخرون أسماء شخصيات كرتونية، ومنهم من يطلق عليها اسم قناة الأطفالسبيس تون، وعلى طريقة القناة ينهوا لقاءاتهم معها بعبارةسنعود بعد قليل، ومن الناس من يذهب إلى ما هو أقدم من ذلك، فيقول لها: “هيا بنا إلى يثرب، أو يسألها: “كيف حال قبيلة كذا؟..”



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك