في صرح أكاديمي عريق تعلَّمت وعلَّمت .. رجاء أبو مِزيد و”العلاقات العامة” صَداقة بالفِطرة

26 يوليو , 2019

 رجاء أبو مِزيد  هي أول سيدة تُكلف برئاسة قسم الإعلام في دائرة العلاقات العامة بالجامعة الإسلامية بمدينة غزة؛ وكم كان هذا الصرح الجميل فطِنًا حين قرر وضعها في المكان المناسب.

رجاء أبو مِزيد الودودة الحازمة وأكثر من يجيد وضع المسافات بذكاء؛ لا أحد يمكن أن يقلد ابتسامتها الأنقى من نهر.

ليس بيدها أنها أحبت رقم “1” فعلى ما يبدو أنه يجري في دمها؛ وعلى سبيل الدعابة كانوا ينادونها بــ أستاذة الأساتيذ وسلاح التلميذ وحينها تضحك عيناها اللوزيتان ويخفق قلبها بطموحات أكبر.

تم تعيينها عام 2006م لتترأَّس القسم بعد ست سنوات من العمل المخلص في هذا الحقل؛ فعندما أعلنت الجامعة في ذلك الوقت عن وظيفةٍ في مجال العلاقات العامة تقدمت لها وحصلت على المركز الأول، وها هي تحاضر حاليًا في قسم الصحافة والإعلام بعد أن مكثت لسنوات تعمل أكاديمية غير متفرغة.

شبكة زدني للتعليم تستضيف رجاء التي حازت على جائزة الجامعة الإسلامية للموظف الإداري المتميز عام 2011. وقد أدارت الكثير من اللجان الإعلامية للمؤتمرات العلمية ناهيك عن المشاركة في لجانها التحضيرية؛ وحصلت على درجة الماجستير في الصحافة بتقدير ممتاز مع مرتبة الشرف، تخبرنا المزيد عن تجربتها في ثنايا حوار اجتمع فيه التمر مع القهوة:

اختيارك لدراسة الصحافة والإعلام مرَّ بعدة محطات مهمة.. تعالي نبدأ حديثنا بها.

حسنًا سأعود بذاكرتي إلى سنوات مضت؛ فإنني أثناء دراستي في الثانوية العامة حصلتُ على المرتبة الأولى في مسابقة الخطابة والإلقاء على مستوى طلبة الثانوية، فضلًا عن حصولي حينها على مواقع متقدمة في مسابقات الكتابة الصحفية والإلقاء.

حصلت على شهادة الثانوية العامة عام 1995 وكان بفضل الله ترتيبي الثالث على طلبة فرع العلوم الإنسانية في محافظات قطاع غزة، وحزت منحة السيد الرئيس الراحل ياسر عرفات للدراسة الجامعية، وتوجهت عندئذ إلى الجامعة الإسلامية للالتحاق بقسم الصحافة والإعلام.

شجعتني أسرتي على اختياري، ووجدتُ منها كل سند معنوي وتقدير على مدار سنوات من دراستي الجامعية، ومما أثار الاستغراب وقتها أن باقي العشرة الأوائل في الفرع الأدبي درسوا إما آداب أو تربية لغة إنجليزية، وكنت الوحيدة من بينهم التي اتجهت لدراسة الصحافة والإعلام.

ومرة أخرى حصلتُ على المرتبة الأولى في الصحافة والإعلام في مرحلة البكالوريوس، والمرتبة الأولى على طلبة كلية الآداب عام 1999.

ثم التحقت ببرنامج الماجستير في التخصص نفسه عام 2011، وحصلت فيه على المرتبة الأولى بتقدير ممتاز مع مرتبة الشرف، ولي الفخر أني أول طالبة تناقش رسالة ماجستير في الصحافة في جامعة فلسطينية وذلك عام 2013.

ما أهم المبادئ التي تشرَّبتها خلال عملك بمجال العلاقات العامة في مؤسسة أكاديمية مشهود لها بالتميز محليا وعربيا؟

استوعبت جيدًا أن العمل في العلاقات العامة ليس مجرد مهنة في مؤسسة وإنما حياة بأكمها؛ هي تجربةُ للتنافس على البر والود والصفاء؛ وأن الاتصال الإنساني الإيجابي من شأنه أن يعزِّز الشعور بالأمان والاستقرار والطمأنينة.

ومما أدركته أن العلاقات العامة فنٌ وعلم، العلم يحتاج إلى مهارة لتطبيقه لكن الإبداع في طريقة التقديم يحدث فرقًا.

أما أن تتاح للمرء فرصة للعمل في مؤسسة مميزة مثل الجامعة الإسلامية فإن الجهد المبذول يكون ضخمًا والخطأ غير مسموح به، وفي مجالنا على وجه الخصوص يتوجب إنجاز العمل بسرعة وبشكل إبداعي وفقًا للأصول المهنية والرسمية.

إن أبرز التحديات التي واجهتنا تتلخص في نوعية الصورة الذهنية المُكونة عن الجامعة لدى المجتمعات الأخرى، هي صورة نمطية فبعض الناس يعتقد أنها لكونها تتبنى الثقافة الإسلامية فهي تقتصر على العلوم الشرعية؛ فلا يعرفون أن لديها من التخصصات الطبية والتقنية والهندسية والإنسانية والتنموية مما يساعدها على المنافسة العالمية خاصة أن لديها طاقمًا أكاديميًا تخرَّج من عدد كبير من الجامعات العريقة حول العالم، فمسألة بناء الصورة الذهنية وكسب تأييد الرأي العام والتسويق الخارجي للجامعة خاصة خارج حدود العالم الإسلامي والعربي كان من أهم التحديات التي كان لا مفر من تجاوزها.

الدراسات العليا ماذا أضافت إلى رصيدك؟

هي تجربة جددت في حياتي العلمية التي لم يخفت وميضها؛ إلا أن الدراسة بصفتها التزامًا علميًّا وأدبيًّا حفّزتني على مواصلة تحقيق الهدف، لقد نجحت دراستي الأكاديمية في مرحلة الدراسات العليا في وضع قدمي على جادة الطريق في مجال البحث العلمي، وآمل أن أحصل على الدكتوراه قريبًا في الإعلام، وأن أعكف على تأليف كتب تشكل إضافة جديدة إلى المكتبة العربية.

أخبرينا عن الأشخاص الذين أشعلوا لكِ القنديل؟

هم كُثر؛ أذكر منهم رحمة الله عليه الدكتور أحمد شويدح وزير العدل الفلسطيني وعميد كلية الشريعة والقانون الأسبق، وأستاذي في مرحلة البكالوريوس؛ فقد كان عنوانًا للفكر المستنير، والأب الكبير، والعالم الجاد، والأكاديمي المجتهد.

ولا أنسى من تشرَّفت بالتتلمذ والتنشئة العلمية على يديه وهو الأستاذ الدكتور جواد الدلو إنه في مقام أبي، فقد علمني كيف يصبح البحث العلمي ثقافة أمارسها في حياتي اليومية وكيف أسبر أغوار البحث وكيف أتجاوز النظرة التقليدية لمواضيع البحث العلمي.

كما أنني ممتنة كثيرًا لأخي الكبير الدكتور أحمد عرابي الترك فهو مدرسة قيمية وأدبية وإنسانية؛ الذي كان يمازحني بوصفي أستاذة الأساتيذ.

بهذا القنديل مرَّ أيضًا كل من الأستاذ الدكتور محمد شبير والدكتور كمالين شعث رئيسَيِ الجامعة الإسلامية السابقين، والأستاذ خالد الهندي أمين سر مجلس أمناء الجامعة.

من وحي خبرتك؛ ما المهارات التي لا بد وأن يتحلى بها الأكاديمي ليضع البصمة المرجوة؟

الأكاديمي باحث، وهذا يحتاج منه إلى صبر ومثابرة، التواضع العلمي دائمًا يجعله في حالة شغف حثيثة للمتابعة، عليه أن يتخلَّق بالحكمة والبصيرة وتقبل الآخرين، الأكاديمي قارئ ومثقف وصاحب روح متجددة؛ وقادر على الإقناع والاتصال ولديه مهارات إتقان أكثر من لغة، هو قدوة بشكلٍ أو بآخر.

تتناولين جوانب عملية في مساقاتك ومن بينها قواعد المراسم والتشريفات؛ والكتابة الصحفية للعلاقات العامة.. على أي وتيرة تسيرين؟

أستخدم وسائل متعددة على رأسها العروض والأدوار التمثيلية، وتبادل الأدوار مع الطلبة، وحلقات النقاش وورش العمل والزيارات الميدانية والمواد الفيلمية والتعليم الخدمي من أجل تلَمس احتياجات المؤسسات ذات العلاقة.

وبكل تأكيد لا غنى عن نزولهم إلى الميدان الذي يربطهم بالبيئة المستقبلية لذا أعمد إلى تقسيم الطلبة إلى مجموعات عمل تحاكي الواقع عن طريق محاكاة الواقع الفعلي مما يجسر الهوة العملية وحتى النفسية لديهم.

ألا تشعرين بالروتين في العمل الأكاديمي وتخشين أن يسرقك من شغفك الأصلي؟

أحب هذه الخلطة الجميلة: العمل الأكاديمي والبحث العلمي والعمل في الحقل الاجتماعي الإعلامي؛ إنها تجدد طاقتي بهذا الشكل المتداخل.

ما هو الخط الرفيع في العلاقات العامة الذي لو انزلق عنه صاحبه لألحق الضرر بنفسه وبمؤسسته؟

الصدق والواقعية؛ إننا نعبر عن الواقع أو الصورة الإيجابية أو حتى الأداء كما ينبغي أن يكون إيجابيا؛ برأي أننا علينا اعتناق مبدأ الأعمال تتحدث عن نفسها إن وجد الصدق والحكمة والبصيرة والوفاء لسمعة المؤسسة كان الإنجاز مؤكدا بإذن الله تعالى.

برأيك ما الذي ينقص أقسام العلاقات العامة في المؤسسات المحلية.. هل يسير الأمر غالبًا بشكل ارتجالي؟

نفتقد إلى الاهتمام باللغات الأجنبية التي يمكن أن تساعدنا إلى حد كبير في تسويق إنجازات وبيئة التعليم العالي الفلسطينية لا سيما أن الإنسان لدينا هو المورد الأثمن للشعب الفلسطيني، كما أنه يلزمنا تطوير أدائنا في تحويل العمل الإعلامي الخاص بالمحتوى على شبكات التواصل الاجتماعي إلى صناعة.

الاستعداد للمحاضرة ماذا يتطلب منك؟

إن قاعة المحاضرة هي حياة بأكملها يتفاعل فيها الفكر مع الإنسان؛ ليحدث التأثير الإيجابي؛ استعد عادةً للمحاضرة بإقبال نفسي كبير وأربط المحاضرة بالأهداف وأحرص على وضع مخرجات لقياس الأداء نهاية كل محاضرة، ويفيدني الاطلاع المعرفي وأخذ لمحة عن تجارب الآخرين.

ماذا تودين أن تقولي لمن يضعون أقدامهم على هذا الطريق؟

العلوم متجددة فلا تنقطعوا كثيرًا بين درجة علمية وأخرى. احرصوا دائمًا على إثراء رصيدكم البحثي بما يخدم التنمية الشاملة في مجتمعاتكم فهذا جزء من تراثكم العلمي.

الحضور لا يتأتى بأناقة براقة.. إذن سحر الكاريزما من أين يتسللّ؟

أناقة الروح تجلب هذا النور.

ماذا عن النصيحة التي أسداها لكِ أحدهم وكانت نقطة قوة عظيمة في تجربتك؟

كانت زهرة جميلة في بداية حياتي المهنية. أذكر يوما أني شاركت في جلسة عمل مع المهندس إسماعيل أبو شنب وكان عميد كلية العلوم المهنية حينها؛ فقلت له أوصني يا عمي أبو حسن، فقال: يا ابنتي هي تذكرة للمؤمنين جميعا (واتقوا الله ويعلمكم الله)، و (إن الله لا يضيع أجر من أحسن عملًا)”.

ما الهدف الذي إن وصلت إليه مع طلبتك في نهاية الفصل الدراسي تشعرين بالإنجاز؟

أن أرى في الطالب الإعلامي الإنسان، الإعلامي المهني، الإعلامي الذي يربط حياته بهدف.

ما بين لطف وصرامة.. كيف تضبطين أمر التوازن في التعامل مع الطلبة؟

يقع على عاتقي واجب الاحتواء، أؤمن أن كل حزم في داخله عطف ورأفة مما يبني صداقة مع النفس.

كيف تكافئين طالبًا تكتشفين موهبته في العلاقات العامة؟

أوجهه وأدرِّبه بنفسي، من الممكن أن أتواصل مع مؤسسة إعلامية وأرشحه لها، كما أني أعطيه الحق في المشاركة بقيادة المحاضرة وأشجعه على الانخراط في اللقاءات والأنشطة العلمية.

متى يزيد بذل جهدك عن معدله الطبيعي في هذه المهمة النبيلة؟

كلما تضاعف عدد الطلبة واختلفت كثيرا الفروق الفردية فيما بينهم يزداد حجم الجهد المبذول.

أخيرًا.. وكأن من صفات العامل في العلاقات العامة أن يكون قادرًا على التبسم في وجه الجميع مهما بلغت منه الهموم.. أنت تنجحين في ذلك بجدارة؛ من أين تستمدين القوة؟

لعله اليقين بما ينبغي أن نكون عليه، وأن ليس للإنسان إلا ما سعى وأن سعيه سوف يُرى، ولعله رضا الله الذي يتنزل بسبب رضا الوالدين فهما النور الذي نبصر به والبسمة التي تعتلي مُحيانا.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك