في غزّة.. طريق “مهندس الإلكترونيات” قد يمرّ بهذا النادي

3 يوليو , 2018

على طاولةٍ خشبية صغيرة داخل إحدى الغرف في نادي “مهندس المستقبل”، تنشغل الطفلة جنى (9 سنوات) في تجميع أجزاءٍ وقطع إلكترونية مختلفة؛ لتتمكن من إنشاء دائرة كهربائية متكاملة، تستطيع من خلالها تشغيل آلةٍ موسيقية صغيرة تُحدِثُ صوتًا لطيفًا، تُطلق معها الطفلة العنان لابتسامتها فرحًا بهذا الإنجاز.

 

في زاويةٍ أخرى من الغرفة نفسها يحاول الطفلان محمد وياسر (10 سنوات) وضع اللمسات الفنية الأخيرة على الروبوت الخاص بهما، الذي يقترب شكله الخارجي من شكل ألعاب الأطفال البلاستيكية، الطفلان استطاعا إنجاز هذا الروبوت مؤخرًا وتصميمه من ألفه إلى يائه، بعد تلقيهما تدريباتٍ مكثفة في مجالاتٍ إلكترونية وبرمجية مختلفة، زادت مدتها عن ثلاثة أشهر في النادي الذي يقع مقره وسط مدينة غزة.

 

بدايةٌ وتحديات

 

 

قبل خمسة أعوام لم تكن فكرة إنشاء فريقٍ أو نادٍ يهتم بتعليم الأطفال القواعد الأساسية للهندسة الإلكترونية، سوى خيال يجول في خاطر المهندس عبد الرحمن عوض وزملائه الأربعة، لاسيما أنّهم كانوا طلبةً في المستوى الثالث بأقسامٍ هندسية مختلفة  في جامعة الأزهر المحلية، إضافة لغياب الجهات الداعمة لهذه الأفكار والمشاريع الريادية.

 

استطاع الزملاء الخمسة عام 2014م تجاوز كلّ العقبات، بما لديهم من إيمانٍ بأهمية مشروعهم وقدرتهم على إيجاد مساحة خاصّة لهُ، إذا ما تمّ تنفيذه بشكلٍ صحيح.

 

يقول المهندس عوض في حديثٍ لـ “شبكة  زدني”: “كنا نعلم مسبقًا أنّ المؤسسات التعليمية والحكومية الرسمية لن تلتفت لنا في البداية، إذ إنهم يهتمون بالمشاريع على الأغلب بعد أن تحقق النجاح، فبدأنا بجهودنا الشخصية وقدراتنا الذاتية”، مكملًا :”تمكنا خلال مدّة بسيطة من وضع فكرتنا ضمن أهم المشاريع الريادية الناجحة في غزّة، وحصلنا مؤخرًا على تمويلٍ ودعم للمشروع من جهاتٍ متعددة أهمها منحة seed2 في حاضنة (BTI)”، التي تهدف الحاضنة  لدعم المشاريع الناشئة وإمدادها بالدعم المالي والفني لتصبح قادرة على الاستمرار والمنافسة.

 

برامج مختلفة

 

 

ويقدم النادي برامجه للأطفال من عمر 5 سنوات حتّى 15 سنة، بشكلين مختلفين: الأول يهتم بتعليم الأطفال أساسيات الهندسة الإلكترونية والتطبيقات الموسعة اللازمة لها، ويتدرب فيه الطالب على تجميع الدوائر الكهربائية والتعرف إلى أجزائها المختلفة؛ ليصبح في نهاية الأمر قادرًا على تصميم مشروع تخرجه من المستويات التدريبية المحددة.

 

أمّا الشكل الثاني فهو يتلخص بتعليم الأطفال أساسيات تصميم الروبوتات باستخدام الميكروكنترولر (وهو دائرة إلكترونية متكاملة تحتوي على معالج صغير داخلي وذاكرة قابلة للبرمجة لتخزين البرنامج التحكمي فيها)، ويتمكن الطلبة الملتحقين بالمستويات التدريبية الخاصة بهذا البرنامج من التعرف إلى الروبوت والأجزاء المختلفة، وآليات الربط بينه وبين التطبيقات الموجودة على الحاسبات اللوحية التي يتم من خلالها التحكم بها عن بعد.

 

يتابع المهندس عوض قوله: “التعليم في النادي يتم من خلال مستويات تدريبية متسلسلة، إذ يخضع الطالب لامتحان قبلي لتقييم المستوى المناسب له ليتم إلحاقه به، ويتم تقسيم الطلاب إلى مجموعات متنوعة ومتناسقة”، ويذكر أنّ الهدف الأساسي للقائمين على المشروع هو:

 

“تعزيز روح الإبداع والابتكار لدى الجيل الجديد، وإيجاد منصة إبداعية لهم تمكنهم من تنمية مواهبهم وتطويرها في المجالات الهندسية والإلكترونية، بعيدًا عن الأوضاع الصعبة التي يعيشها القطاع كافّة”.

 

إقبالٌ ورضى

 

 

ويبيّن أنّه لا شروط للالتحاق بالنادي، تقيّد مشاركة أيّ طفل بأنشطته وتدريباته؛ “لأنّ أسلوبهم في التعليم تفاعلي وتطبيقي، أي أنّه يختلف كليًا عن أسلوب المدارس المتبع والقائم على التلقين والحشو النظري”، لذلك فإنّه قد يظهر عند الطالب حتّى لو كان تحصيله العلمي في المدرسة ضعيفًا، قدراتٍ ومهاراتٍ مختلفة يستفيد منها في بناء شخصيته المستقبلية، التي من الممكن أن تكون شغوفة بالجوانب التطبيقي والمهنية أكثر من النظرية.

 

عن مستوى إقبال الأطفال ورضى عائلاتهم عن الأداء المقدم في النادي، يردف المهندس عوض: “حتّى الآن شارك في برامجنا أكثر من 7000 طالب، هذا فخر لنا ودليل على السمعة الطيبة التي تركناها عند جمهورنا المستهدف”، مضيفًا :”الكثير من المؤسسات تقدمت لنا في الفترة الأخيرة لتنفيذ أنشطة مشتركة معها، أهمها مديرية التعليم في غرب غزّة، إذ نفذنا دوراتٍ تدريبية لأكثر من 500 طالب من طلبة المرحلة الإعدادية التابعين للمديرية، وأيضًا أقمنا عددًا من المعارض داخل المدارس.. هذا شاهدٌ آخر على النجاح “.

 

تطوير مستمر

 

 

وفي محاولة لتطوير المشروع، نجح الطاقم في ابتكار أول حقيبة إلكترونية تُباع في المتاجر بقيمة تصل لـ 50 دولار تقريبًا، يتمكن أيّ طفل بعد امتلاكها من تجميع دوائر إلكترونية مختلفة، وإنجاز مشاريع بسيطة إذا ما اتبع المخططات والتعليمات المعدّة له مسبقًا من قِبَل فريق النادي والمرفقة داخل الحقيبة في كتيبٍ إرشادي، ونجح الفريق بتسويق المئات من الحقائب في السوق المحلي، ويتطلعون للسوق العربي والدولي، لكنّ الحصار يقف في وجه هذه الخطوة كما يوضح عبد الرحمن.

 

ويستثمر الفريق أوقات الإجازات لعقدِ المخيمات التعليمية الصيفية منها والشتوية، وفي باقي أوقات العام يسعى الفريق لعقد الدورات والبرامج بالتعاون مع بعض المدارس الخاصة والمؤسسات الموجودة في قطاع غزّة، إذ أنّ الفريق نجح في عقد سبعة مخيمات صيفية في الفترة الماضية، إضافة لعشرات الدورات في جوانب تفصيلية وعامّة.

 

ويختتم المهندس عوض حديثه مع “شبكة زدني” بالتأكّيد على أنّهم مستمرون في تطوير مشروعهم، حتّى الوصول به لمرحلة متقدمة بين المشاريع الريادية ليس على المستوى المحلي فقط، بل على المستوى الدولي، وكذلك يشير إلى أنّهم في الفترة القادمة سيبدؤون بالعمل على برامج لتحويل المناهج التعليمية المعمول بها في فلسطين، لبرامج تفاعلية من خلال الحواسب اللوحية، مردفًا أن هذا الأمر بحاجة لتمويل كبير، وجهود مضاعفة، وسيسعون لتحقيقه.

 



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك