كرسيٌّ متحرك وجسدٌ صغير.. كيف أصبحت إيمان أبو صبحة معلمة للقرآن الكريم؟

27 فبراير , 2019

داخل مركز تحفيظ القرآن الكريم التابع لمسجد خالد بن الوليد، الواقع على الأطراف الغربية لمدينة خانيونس جنوب قطاع غزَّة، تنشغل الشابة المحفظة للقرآن الكريم إيمان أبو صبحة، في ترديد آيات الذكر الحكيم وشرح وتفسير معانيه ومفرداته للطالبات المشاركات في حلقات التحفيظ.

هذا المشهد قد يكون عاديًّا ومألوفًا لدى الكثيرين.. لكنَّه لن يكون كذلك إذا ما علمنا أنَّ الشابة إيمان (32 عامًا) هي من ذوي الاحتياجات الخاصَّة، وتعاني منذ ولدت من ضمورٍ وإعاقة حركية إضافة لنقص حاد في الكالسيوم وهشاشة في العظام، وتحتاج لتوفير كثير من الاحتياجات يوميًّا للوصول لمركز التحفيظ، الذي يقع في منطقة غير مهيأة وموائمة لتنقل ذوي الاحتياجات الخاصَّة.

فما هي قصة الشابَّة إيمان مع القرآن الكريم؟ وكيف بدأت في حفظ القرآن الكريم؟ ومتى أتمت حفظه كاملًا؟ ومتى قررت البدء بتعليمه للطالبات؟ وكيف تتعامل مع طالباتها وتتمكن من إدارة الحلقات بشكلٍ منتظم؟ ومن هي الجهات والأشخاص الأكثر مساندة ودعمًا لإيمان؟ وإلى أين ترغب أن تصل الشابة في رحلتها مع القرآن الكريم؟، الإجابات على هذه الأسئلة وغيرها تعرضها لكم شبكة زدني في سياق التقرير التالي الذي يتناول قصة المحفظة إيمان:

طفولة قاسية

تقول إيمان في حديثها مع شبكة زدني“: منذ الطفولة واجهت صعوبات وأشكال مختلفة من المعاناة والألم، إذا أنَّ بداية المعاناة كانت من التحاقها بمدارس المرحلة الابتدائية، التي لم تكن مهيأة وموائمة مع مستلزمات ذوي الاحتياجات الخاصة، متابعة حاولت تجاوز تلك العقبات من خلال الاستعانة بأخوتي وأصدقائي، الذين كانوا ينقلوني يوميًّا للمدرسة باستخدام كرسي متحرك.

وتبين أن من بين المشكلات التي كانت تواجهها باستمرار، هو وجود فصلها الدراسي في الطوابق العلوية، ووقتها لم تكن المدارس مزودة بالمصعد، فكانت المدرسات تضطر لحملها والسير بها حتّى الوصول لفصلها، لتبدأ يومها الدراسي، منوهةً إلى أنَّ هذا الأمر وغيره كان يسبب لها الإصابات في كثير من الأحيان، فكانت دائمًا ما تعاني من كسور وجروح في أماكن مختلفة من الجسد، الأمر الذي يزيد المعاناة.

كسرٌ في اليد اليمنى، وكسر آخر في القدم، لن تستطيعي أن تقدمي الاختبارات بسبب الكسور، لن تتمكني من اللعب، لا يمكنك أن تعانقي وتصافحي رفيقاتك، هذا بعض من تفاصيل الحياة اليومية التي كانت تعيشها إيمان في فترة الطفولة، والتي كانت من الممكن أن تسبب لها يأسًا وإحباطًا كبيرين، لكنَّها تذكر أنَّ هذا الأمر كان حافزًا لها للاستمرار بالحياة والوصول للأفضل.

تتابع كنت أكبر وأنا أرى الأطفال يلعبون لكنِّي لم أستطيع اللعب مثلهم، فعظامي اللينة أقرب ما تكون للكسر بمجرد لمسها بطريقة غير ملائمة، فكثيرًا ما كنت أتمنى الركض واللعب أو حتَّى السلام على إحدى صديقاتي، لذا كانت الكسور عقدتي في الحياة، وبسببها لازمت المستشفى في كثيرٍ من الأوقات، مردفةً مرت الأيام وأنا على ذات الحال الكسور في القدم واليد كل يوم تقريبًا، حتَّى بلغت سن السابعة عشر، وكان الحال قد بدأ بالتحسن، وبدأت عظامي بأخذ وضع أفضل وطرأ تحسُّن ملحوظ على حالتي الصحية.

رحلة مع القرآن

كانت إيمان حريصة جدًّا على التعلُّم وشغوفة بكل جديد، لكنَّها لطالما اصطدمت بعقبة التنقل والموصلات، خاصَّة في أوقات الإجازات المدرسية، فلم يكن أمامها خيار سوى البرامج التلفزيونية التربوية والدينية، التي أصبحت مع الوقت تشكل الطريق الأول لتسليتها، وبعد مدَّة قررت إيمان أن تبدأ بتعلُّم القرآن الكريم وحفظه، فبدأت ذاتيًّا من خلال متابعة البرامج القرآنية والحرص على تلاوته الدائمة.

شاءت الأقدار بعد ذلك، وتمَّ إنشاء مسجد على مقربةٍ من بيتها، فقررت الالتحاق به دون تردد لاعتقادها أنّه لن يحتاج منها جهودًا كبيرة في الذهاب والانصراف، لكنَّ الأمر لم يكن كما توقعت، إذ عانت بدايةً من صعوبات كبيرة، ومع الأيام تنبهت المحفظة لفطنتها وذكائها وقدرتها على الحفظ والتفسير، فقررت أن تخصص لها وقتًا تزورها في منزلها وتعلمها بشكلٍ منفرد.

تكمل حديثها تمكنت بفضل الله من حفظ القرآن الكريم كاملًا خلال فترة ثلاثة أشهر عام 2008م فكان هذا حافزًا جديدًا، وجاءت الفرصة التي كنت أنتظرها، حيث تمَّ اختياري لأكون معلمة ضمن مخيم قرآني تقيمه دار الكتاب في السنة في المساجد، فعملت في المخيم لمدة شهرين وكانت من الفترات الأفضل في حياتي، وتشير إلى أنَّها تميزت جدًّا خلال المخيم القرآني، إذا تمَّ اختيارها من بين أفضل المحفظين على مستوى قطاع غزَّة، وكُرمت من رئيس الحكومة في غزة آنذاك.

شغف التعليم والتعلُّم

عام 2010 كان مَفصِليًّا في حياة إيمان، ففيه أعلنت وزارة الأوقاف والشؤون الدينية عن مسابقة في حفظ خمسة أجزاء من القرآن على مستوى القطاع، لاختيار محفِّظين بعقود دائمة..  استعدت إيمان لها، وتخطت التصفيات الثلاثة للمسابقة، وحصلت في التصفية الأخيرة على المركز الأول، وبذلك التحقت بالعمل في تحفيظ القرآن الكريم ضمن طواقم وزارة الأوقاف، ليتحقق بذلك منامٌ رأتها فيه والدتها تُكرم بالحصول على المركز الأول.

بدأت إيمان من جديد، في الانطلاق نحو المسجد يوميًّا في ساعات الظهيرة لتلتقي هناك طالباتها، بعد عودتهن من الدوام المدرسي، ويجتمعن في باحة المسجد، في حلقةٍ تجلس فيها الطالبات أرضًا وتتوسطهم محفظتهم على كرسيها المتحرك، وتبدأ بترتيل آيات الذكر الحكيم عليهن، ويقمن هنَّ بالترديد خلفها بصوتٍ جماعي، وتستمر الحلقة لعدَّة ساعات يوميًّا يتوزع وقتها بين الترتيل والتسميع وشرح وتفسير بعض المفردات، مردفة عدد طالباتي يزيد عن الثلاثين طالبة في أوقات الدوام المدرسي ويرتفع لأكثر من الستين في أيام العطل والإجازات.

وعن آلية التعامل مع الطالبات في المسجد، تبيَّن أنَّها في البداية واجهت صعوبة في السيطرة على الطالبات، وكانت تلاحظ عدم جدية منهن، لكنَّها اختارت أن تعاملهن بأسلوبٍ يقربهن منها ويتواءم مع طفولتهنَّ، فصارت علاقة بعضهن ببعض مع الوقت أقرب للصداقة.. تشكي لهنّ أوجاعها وهمومها وتشاركهن في أوقات الترفيه والفرح، وتوجههن في شؤون الحياة الاجتماعية، وتقدم لهن حصصًا ثقافية ودينية في المجالات المختلفة.

كرسيٌّ متحرك وأمنية

كل تلك المعاناة في المراحل السابقة كانت قدرًا رضيَتْ به إيمان وآمنت، لكنَّها لم ترض أبدًا عن المؤسسات الخيرية والإغاثية والتي يُفترض بها الاهتمام بحالة إيمان والحالات المشابهة، لكنّ هذا الأمر لم يتم وعانت في كل ذاك العمر من التنقل بسبب اعتمادها على كرسيٍ متحرك عادي، تحتاج لمساعدة آخرين لتنتقل به، ووصل بها الحال لبث مناشدةٍ تعلن فيها عن حاجتها للحصول على كرسي كهربائي عبر وسائل الإعلام المختلفة، تقول: استمع الأسرى في سجون الاحتلال لمناشدةٍ أطلقتها عبر إذاعةٍ محلية، وتبرعوا لي بالكرسي، وبهذا انتهت فصول طويلة من المعاناة.

وتتحدث إيمان عن أمنيةٍ لطالما رافقتها منذ الصغر، وكانت تشعر دائمًا أنّها قريبة من تحقيقها، تحكي دائمًا تخيلت نفسي أطوف حول الكعبة وأرمى الجمرات، وأقف على جبل عرفة، لكنَّ الحُلم كان يصطدم دائمًا بظرفها الخاص، فكيف لشابة مثلها بهذا الوضع، أن تتحمل متاعب السفر ومشاق الحج التي لا يقدر عليها كثير من الناس في معظم الأوقات.. كعادتها أسندت الشابة أمنيتها بالدعاء الدائم والتوجه إلى الله، فكان لها ما تمنت وحققت طموحها ووقفت على أسوار مكة وطافت في الحرم، وكان هذا عام 2014.

تعيش إيمان اليوم، في بيتٍ صغير مجاور لبيت عائلتها تكفل ببنائه لها أهل الخير من خارج فلسطين، ليكون موائمًا لها ولتنقلها بكرسيها المتحرك، وأشرفت الشابة على رسم خريطة بيتها وصممت مسارات مناسبة للكرسي كانت بديلًا عن الدرج المنزلي، وكذلك صممت النوافذ والأبواب والمطبخ لتصبح قادرة على أداء وظائف البيت كاملة دون الاستعانة بالآخرين.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك