كيف “ينقش” العرب في الغرب اللغة على ألسنة أبنائهم؟

6 نوفمبر , 2018

العبيدي: في اللغة أيضًا فاقد الشيء لا يعطيه

لتحفيظ القرآن الكريم دورٌ حاسم في التدرب على الفصحى

أن تُدخل إلى كلامك بالعربية كلماتٍ إنجليزية، ففي ذلك إشارة إلى فهمك العميق، وثقافتك الواسعة، وتحضُّرك البالغ، هكذا يرى بعض الناس، أصحاب هذه القناعة يكثرون من تزيين عباراتهم بمفرداتٍ ومصطلحات أجنبية، لكن هل الحضارة تعني عدم احترام الإنسان لهويته؟ وهل الثقافة تظهر في تخليه عن لغته الأم؟ وهل الكلمات الدخيلة تدل عل عمق فهمه؟

وجهتا نظرٍ تختلف على إثرهما علاقة الفرد العربي بلغته الأم، وكذلك تؤثران على اهتمامه بإتقان أبنائه للغة، وإذا كان هذا الأمر في البلدان العربية، فإن ثمة مؤثرات أخرى تمسّ لغة الأبناء الذين يعيشون في دول غربية، فقد يؤمن الأبوان بأهمية اللغة لكنهما يعطيان الأولوية للغة الدولة التي يقيمان فيها، فيعلمانها لأطفالهما ليتمكنوا من التواصل مع المجتمع، وربما يحاولون تعليمهم العربية لكنهم يقعون في أخطاء تؤدي إلى فشل المهمة.

عن إتقان الطفل العربي في الغرب للغة العربية، نحاور رئيس المرصد الأوروبيّ لتعليم اللّغة العربيّة في باريس بشير العبيدي، وهو كاتبٌ ومحاضر تونسي، وباحثٌ في مجال اللغة والتفكير.

اكتساب وتعلّم

يصف العبيدي اللغة بأنها: 

الوطن الحقيقي للإنسان، وفي كنفها تتم صياغة شخصية الإنسان 

مؤكدًا أنها ليست مجرد وسيلة للتواصل. يقول: يظنّ عدد من الناس عن حسن نيّة وعن قلّة دراسة ودراية، إنّ اللغة هي مجرّد وسيلة للتواصل، وهذا يعني أنه يمكن برمجة تعليم اللغة في السنّ الأنسب لتعليم التواصل باللغة الثانية، والحقيقة هذا خطأ له آثار سيئة، فاللغة أعظم وأعقد من مجردّ كلمات تواصلية، بل هي النظّارات التي يرى الإنسان بلونها العالم، وهي التي تشكّل نمط تفكيره وتورّثه كلّ الإيجابيات والسلبيات التي تطبع ثقافة من الثقافات، وهذا هو السبب الذي يجعل عديدًا من العرب حين يهاجرون، يتم استلابهم ثقافيًا.

ويضيف: يوجد فرق كبير بين التعليم والاكتساب، فالاكتساب يتم بشكل تلقائي من الأولياء، بينما التعليم عملية تأتي لاحقًا حين تتشكل عند الطفل ملكات التفكير والنطق وكل متطلبات التفاعل اللغوي والنفسي مع البيئة والمحيط، وإذا كان الوالدان عاشا في بيئة عربية، ويتقنان اللغة العربية، فلا يوجد عمر يمكن البدء به، لأن الطفل يبدأ في الاستماع للغة وهو في بطن أمه، وكلما كانت الأم حريصة في كلامها على حسن اختيار اللفظ والتركيب، فجنينها الذي في بطنها قد بدأ بعد مرحلة الاستماع إليها بشغف كبير، وهي مرحلة الإنصات التي تسبق الاكتساب.

ويتابع في تفريقه بين التعليم والاكتساب: الحديث عن التعليم كأنّه يجعل من اللغة (عمليّة واعية) و(إدراك غير تلقائيّ)، وهذا خطأ جسيم قد نرتكبه نحن الذين نرغب في تعليم أولادنا الفصيح من اللسان، لأنّ تعليم كلّ شيء ينبغي أن يكون تلقائيا وعبر اللعب والمرح، فإن تحوّل الأمر إلى عمليّة واعية متّسمة بالضوابط الصارمة في التراكيب والصيغ، فقدت وهجها الطبيعي التلقائي وتحوّلت إلى عملية صناعية مقصودة، يراها الطفل كأنّها عبئًا أو مهمة شاقة ينتظر متى يتخلّص منها ويهتم بشيء آخر مدهش في عينيه.

ويواصل: في حالة الاكتساب، يكون الأبوان أو أحدهما يتقن لغته الأم أو لهجته الأمّ، ويريد أن يعلّمها إلى نسله. هنا لا يوجد عمر محدد، بل منذ اللحظة الأولى للولادة إن لم يكن قبلها عبر التسميع الذي أشرنا إليه آنفًا، أمّا في حالة التعلّم، فإن تعلّم لغة أجنبية يبدأ من نهاية السنة الرابعة من عمر الطفل، وهو بين الخامسة والسابعة في أقصى استعداد لتلقي أكثر من لغة إضافة إلى لغته الأمّ. فالاستعداد اللغوي لدى الطفل يبدأ بنهاية سنته الرابعة ويبلغ أوج الاستعداد مع نهاية السابعة. أما بعد ذلك العمر، فاللغة تصبح موضوعا واعيا، يأخذها الطفل على أنها نشاط تعلمي مثله مثل غيره.

يُقال إن العلم في الصغر كالنقش على الحجر، فهل هذا المثل ينطبق على تعليم اللغة؟

يجيب العبيدي: هذه المقولة صحيحة إلى حدّ بعيد، فكلّما كان تدارك الطفل في سن مبكّرة، كلما كان الأمر أفضل، وعلى كلّ عربيّ أن يفهم أن هذا الأمر ليس جديدًا علينا نحن العرب، فكلنا تعلمنا أن النبي محمدًا صلى الله عليه وسلم أخذته حليمة السعدية بأمرٍ من جدّه إلى البادية في سنّ مبكّرة، ولكن للأسف، ما بقي العرب يتذكرون من القصة سوى زيادة الحليب في ثدي حليمة وتحسن حالها بوجود الصبي محمد معها، ولا أحد يكاد يلقي بالًا في ثقافتنا الشعبية للثروة اللغوية التي أدت إلى ثورة فكرية بعد ارتواء الطفل محمد من لغة البادية الصافية البديعة فيما بعد، وأثر ذلك على قيام حضارة الإسلام، حضارة اقرأ، وإنني بعد خبرة طويلة أجد أنه من الطريف العجيب أن السن التي أُرسل فيها النبي إلى البادية تصادف في زماننا السن الأهم في اكتساب اللغات وتعلّمها عند كل مدارس اللسانيات التطبيقية.

في أي مدرسة؟

أخذ اللغة بالاكتساب أمرٌ يتولاه الأبوان، أو المربّي المكلّف بالتربية عند انشغال الوالدين، بحسب العبيدي، الذي يوضح:

لا ينبغي ترك الأمر يسير بشكل غير منظّم، بل ينبغي الحرص على ضمان عدد من السّاعات لما يسميه أهل التخصص بالتعرّض اللغوي لفائدة الطفل ومعرفة مضمون اللغة التي يتعرّض لها، والمدة الزمنية اليومية التي يكون فيها في تفاعل مع اللغة الأمّ المُكتسبة أو مع اللغة الثانية المُتعلّمة، بما في ذلك الحديث الأسري، ومتابعة البرامج على الشاشات ووسائل الإعلام، أو التنشيط التعليمي في رياض الأطفال… كلّ ذلك يُحسب في نطاق الاكتساب أو مسار التعلّم، ومنطقي أنه كلّما قلّت ساعات التعرّض اللغوي، كلّما ضعف الاكتساب لفائدة لغة أخرى طاغية، أو كلّما ضعف التعلّم عند الطفل.

ويشير إلى أن تحفيظ القرآن الكريم في هذه المرحلة يؤدي دورًا حاسمًا في التدرب على الفصحى، حيث يتعلّم الطفل ما لا يقل عن سبعة آلاف كلمة إضافية، حتى وإن كان لا يفهم معناها، إنما التمكن منها صوتيا يساعده فيما بعد على فهمها بشكل سريع.

عندما يحين موعد التحاق الطفل بالمدرسة، قد يقع الأهل بين خيارات مختلفة كإلحاقه بمدرسة عربية لضمان تعلمه اللغة، أو مدرسة تتحدث بلغة الدولة لضمان اندماجه في المجتمع، مع تعليمه العربية بطريقة أخرى، وعن ذلك يقول العبيدي: الحالة المثلى أن يتعلم الطفل العربية إضافة إلى بقية اللغات في محضن واحد، لأن المدارس التي تُفتتح في نهاية الأسبوع لتكميل دور المدرسة النظامية الرسمية لم تكن نتائجها حتى الآن نتائج مرضية رغم التحسن في الأداء، بسبب كون أغلب الأطفال يشعرون أنها تأخذ من وقت راحتهم، وأن إجبارهم على الذهاب نهاية الأسبوع لتعلم اللغة العربية يكون دون رغبة منهم.

ويضيف: وإن لم يوجد سوى هذا الحل، فلا بد من اللجوء إلى المدارس التكميلية، شرط ألا توضع المدارس التكميلية في صورة النقيض والمناهض للمدرسة النظامية، بعض أولادنا يلبسون الطرابيش والأزياء العربية عند حضورهم لدروس اللغة العربية، ثم يغيرون أزياءهم مع المدرسة النظامية، وهذا يخلق ازدواجية سلبية، هذا واقع يعرفه المربون في البلاد الغربية ويعانون منه أحيانًا، لكن بدأ في التغير رويدًا رويدًا مع الزيادة في الدورات التدريبية للمدرسين.

ويتابع: الأمر يتطلب معرفة مسائل دقيقة في علوم شتى مختلفة، واللغة العربية بدأت تدخل شيئًا فشيئًا في أنظمة التعليم الرسمية الغربية، ناهيك أن أعدادًا متزايدة من الشباب من أصول عربية ومسلمة كبرت واستوعبت الصدمة الثقافية نسبيًا وبدأت تبدي اهتمامًا كبيرًا بتعلم العربية كلغة مستقبل.

أطفالكم يفهمون

ومن واقع تجربته يقدم العبيدي مجموعة من النصائح لأولياء الأمور العرب في دول غربية ليتمكنوا من تعليم الابن اللغتين، وأولها: فاقد الشيء لا يعطيه، ينبغي أن يحسن الولي اللغة العربية أولًا عن طريق القراءة باستمرار وتطبيقها في حياته اليومية لكي يستطيع إكسابها لأولاده، وفي حالة الضعف اللغوي للأبوين أو للمعلّم، يكتشف الطفل بسرعة كبيرة أن وليّه أو معلّمه يتكلّف، ولا يحدث ذلك التفاعل النفسي الحميمي المرجو مع اللغة، وتكون النتائج غير تلك التي ينتظرها الوليّ والمربي، ومنها تخلّي الطفل نهائيًا عن استعمال اللغة حتى وإن كان يحسنها، لأنه أحسّ أنها مصطنعة متكلفة غير طبيعية. فالطفل يحب التقليد ويميل إلى الاقتداء العملي لا القولي، لا يمكن أن تطلب المعلمة مثلا من الطفل الكلام بالفصحى، ثم هي حين تجيب على هاتفها أمام تلميذها تجيب بكلام خليط ممزوج من لغات شتى، هنا، تنسف المربّية عملها نسفًا.

وثاني نصائحه: اللغة التي في بيئة الهجرة سيتعلّمها الطفل بسرعة كبيرة، خصوصا في المجتمعات التي تولي أهمية كبرى للغاتها مثل المجتمعات المتحضرة، ولذلك فالاهتمام ينبغي أن ينصبّ على اللغة العربية لا على اللغة التي ينشأ في مجتمعها الطفل، ولقد عاينت ذلك في بلاد النرويج، إذ ينصح النرويجيون الآباء بأن يعلموا أولادهم اللغة الأصلية، لأنهم اكتشفوا أنه بقدر ما يكون الطفل قويا في لغة والديه المكتسبة بقدر ما يكون قويا في اللغات الثانية.

وثالثًا، ينصح بـالحرص أشد الحرص على عدم تعليم اللهجات العربية الهجينة المخلوطة بكلمات أجنبية، فإذا اختار الولي أن يعلّم ابنه اللهجة العربية المحليّة، فليكن، بشرط تنظيف لهجته من كل الكلمات الدخيلة واستبدالها بالكلمات العربية الصحيحة… فالثلاجة ثلاجة وليست (فريزر)، وحسنا هي حسنا وليس (أوكاي)”.

وينصح كذلك بمراعاة التلقائية والتمرين والتدريب في جو من المرح واللعب وليس بشكل مدرسي صارم، وهذا صحيح في الاكتساب كما في التعلّم، إذ كلما تمّ تعليم اللغة في جوّ لطيف غير مصطنع، كان ذلك أنفع للمعلّم والمتعلّم على السواء.

ونصيحة العبيدي الخامسة هي: عند مراجعة العلامات مع الطفل، ينبغي حتما إبداء درجة الاهتمام نفسها بعلامات اللغة العربية إضافة إلى بقية المواد دون تفاضل، أما إذا أعرض الأبوان عن علامات التقدم في العربية بحجة أنه لن يستعملها في حياته العامة، فالطفل سيستبطن ذلك، ويتخلى عن اللغة بمجرد بلوغه سن الاستقلالية والرفض.

ويستمر بسرد نصائحه: أقول لكل الأولياء: إذا تقاسمتم الأدوار، كأن تُكسِب الأم اللهجة العامية والأب الفصحى، فلا ينبغي الخلط اللغوي إطلاقًا حتى يتمكن الطفل من كلّ لغة. فإن عوَّد الأب أطفاله على الفصحى فعليه أن يواصل إلى النهاية دون انقطاع. وكذا الأم. لا للخلط اللغوي، كأن يكون في شكل جملة بالعربي الفصيح، وجملة باللهجة العامية وجملة بلغة أجنبية. هذه الظاهرة شائعة كثيرا عند العرب المهاجرين، وأدت إلى ضعف لغوي فادح وشامل لكل اللغات، وطبيعي أن الضعف اللغوي أدى إلى ضعف معرفي وفكري وإدراكي، وشعور مكبوت بالعجز عن استيعاب حياة الحداثة والتأقلم معها وإحساس بالدونية.

ويقول: سابعًا: عدم تكرار المقولة التي نسمعها دومًا (الطفل لا يفهم)، الطفل يفهم والديه ومعلمه أكثر من فهم الوالدين والمعلم لأنفسهم، لا شيء لا يفهمه الطفل إطلاقًا، بل أنا أزعم أن المشكلة هي في حدة فهم الطفل ما لا يقال بالكلام، يوم لا يفهم الطفل شيئًا، فذلك يعني أن الأب والأم والمعلم فشلوا في إيجاد الصيغة المناسبة لتناول الموضوع.

لا للإكراه لتعليم اللغة العربية

وفيما يتعلق باهتمام العرب في الغرب بتعليم أبنائهم العربية، يقول العبيدي: لم يكن هذا الاهتمام في البداية، ولكن تراكم تجارب المهاجرين، ونزوع بعض المجتمعات لرفض المهاجرين وإبعادهم عن حواضرها، ساهم في تأقلم إيجابي مع الأحداث، وصارت اللغة العربية اليوم هي الثانية من حيث عدد المستخدمين في دول عريقة مثل فرنسا وإيطاليا وألمانيا.

ويوضح: مهما بلغنا من درجة الاهتمام بالعربية، فما زلنا بعيدين عن الهدف: نرجو أن يتخرّج من أوروبا والبلاد الغربية وغيرها الكتاب والشعراء والمبدعون باللغة العربية ويفيدوا بها أنفسهم وأهاليهم وأوطانهم الجديدة وأوطانهم الأصلية.

ومما يراه من أحوال العرب من حوله، لاحظ العبيدي أن الابن يلوم والديه عندما يكبر ويكتشف أنهما لم يعلماه اللغة العربية.

جارٌ عربي لضيفنا، يشعر بالأسى كلما سمعه يتحدث مع أبنائه بالعربية، فذلك الجار لم يُعلّم أبناءه العربية، وهم اليوم يلومونه بشدة، وهذا اللوم هو ما يفعله أغلب العرب الذين نشؤوا في الغرب ولم يعلمهم أهلهم اللغة العربية، كما لاحظ العبيدي.

ويلفت إلى أن أكبر خطأ يقع فيه الأهالي العرب في الغرب أنهم لا يستخدمون العربية أمام أطفالهم بكثرة.

وإذا نظرنا لتعليم اللغة من زاوية أخرى، زاوية فيها طفلٌ نشأ في دولة عربية ثم انتقل لدولة ناطقة بغيرها، نتساءل:

كيف يتعلّم هذا الطفل اللغة في البيئة الجديدة؟، يقول العبيدي: شيء واحد ينبغي أن ننساه: الإكراه والإلزام بالقوة والبطش، ليس ذلك صالحًا، ونتيجته عمى البصيرة، وطالما الطفل قضّى في البيئة العربية أجمل أيام حياته وهي ما بين الميلاد إلى سن المراهقة فلا خوف عليه، سيندمج بسرعة ويتفوق، الخوف هو على الطفل الذي عاش في بيئة غير صحية تتقاذفه الأهواء والتناقضات.

كالرسوم المتحركة!

ننتقل إلى التجربة العملية، لضيفنا بنتان وولد، الابنة الكبرى (23 عامًا) تعمل في منظمة إغاثية عالمية، والبنت الأخرى في الثامنة عشرة التحقت بالجامعة هذا العام، أما الابن فهو في الواحدة والعشرين من عمره، يدرس تخصصًا علميًا في الجامعة، ووالدتهم عربية تنحدر من أسرة محافظة من جزيرة جربة التونسية.

في طفولتهم نشأ الأبناء في محيط متنوّع كثيرًا من الناحية الثقافية واللغوية، لأن العائلة انتقلت من جنوب فرنسا إلى شمالها، إضافة إلى رفض الأب العيش في الأحياء التي يتكدّس فيها أبناء المهاجرين.

ويوضح العبيدي عن رفضه العيش في تلك الأحياء: يعود ذلك لقناعتي الراسخة بأن الأنسب هو العيش بشكل طبيعي مع المجتمع الفرنسي والأوروبي كما هو، ولأن النشأة في محيط أسري فيه كثير من الناطقين بالعربية، لا تعني الكثير بالنسبة لتعلم اللغة، لأن اللهجات المغاربية بصدد الذوبان شيئًا فشيئًا، وهي بعد لهجات ضعيفة جدا لا تستطيع أن تجاري الحياة المعاصرة وعباراتها وكلماتها الجديدة التي تطلق خاصة على الوسائل التقنية ومجتمع المعرفة.

ويقول في تجربته مع أبنائه: فضلت تعليمهم اللسان الفصيح بدل العامية لأسباب، أولها جمال اللغة العربية الأخاذ، فحين أتأمل اللسان العربي أجده لسانا فنيا موسيقا فائق الجمال، فأحببت أن أعلم هذه اللغة الجميلة لأولادي.

ويضيف: ومن الأسباب اقتناعي أن اللهجات العربية المستعملة حاليًا في البلاد الأوروبية لا مستقبل لها، لأنها غير قابلة تمامًا أن تستجيب للاحتياجات، فمثلًا هي غير قادرة على توليد أسماء لألعاب الطفل، وهي في حاجة للغة الاشتقاقية الفصيحة لكي تجد أسماءً لتلك الألعاب، ومنها رغبتي أن أسهّل على أولادي تعليم اللغة وهو ما حصل بالفعل، حيث كانوا الأوائل دومًا مع معلميهم بالعربية. وكذلك رغبتي أن يتواصلوا مع جميع العرب، بالإضافة إلى رغبتي أن يستخدموا العربية في عملهم، واليوم ابنتي الكبرى تعمل في منظمة إغاثية أوروبية، وجميع المراسلات بالعربية تُحال إليها لأنه لا أحد في فرع المنظمة في باريس يجيد العربية غيرها، بل إنها تحصلت على العمل بفضل كفاءتها وكذلك بفضل إجادتها للفصحى.

اكتساب الأبناء للغة كان ثمرة جهد مشترك بين العبيدي وزوجته، إذ يوضح: في البداية كانت الفصحى فقط من طرف الوالدين، ثم لما تمكنوا من اللغة، علّمتهم والدتهم اللهجة التونسية، أما من جهتي، فبقيت الفصحى إلى اليوم، لم أغيرها، ولا أطفالي يريدون تغييرها فقد ألفوا التواصل معي بها.

ويبين: بدأت في عملية إكسابهم اللغة منذ ولادتهم مباشرة، كانت الفكرة عدم تغيير اللغة، وفهموها بسرعة كبيرة، ولما بدأت قناة الجزيرة في بثّ محتويات للأطفال، استفادوا منها كثيرا.

إذا كان العبيدي أسس نظامًا داخل أسرته، فهذا النظام بالتأكيد غير منتشر في البيئة المحيطة، يتحدث: تجاهلت المحيط بكل بساطة، عملت على بناء التواصل اللغوي بالفصحى دون تقعر ودون ابتذال، والأطفال لم يعيروا كثير اهتمام للمحيط، لأنهم فهموا بسرعة أنهم يتعلمون لسانًا غير منتشر بين الناس اتصاليًا، لكنه لسان حاضر في الصلوات وقراءة القرآن والأخبار الرسمية والخطب الرسمية، لقد استوعبوا أنها لغة موجودة وقائمة، لكنها ليس لغة تواصل يومي عند ناسها وأهلها.

ويؤكد: حين يتم تعليم الفصحى منذ الولادة، من الطبيعي ألّا يتساءل الطفل أبدًا لماذا الفصحى، إنما التساؤل طرحه الأبناء حين كبروا.

الاستغراب والسخرية، كانا أبرز ردود الأفعال على حديث العبيدي وأبنائه بالفصحى، فكما يقول: كان المحيط الأسري والسكني في فرنسا مستغربًا حينا وضاحكًا ساخرًا في البداية، لكنه لم يكن رافضًا، كان على الحياد تقريبًا، ثم تأثرت بالتجربة عديد العائلات، وانتقلت اليوم إلى جيل من الشباب، واكتشفت أن قراري لم يكن منفردًا وأن أسرًا كثيرة قامت بالتجربة ولله الحمد.

وبالحديث عن المحيط، يحدّثنا ضيفنا عن بعض المواقف التي يمر بها أبناؤه بسبب استخدام الفصحى، يقول: كنا في زيارة عائلية إلى معرض في باريس، فإذا بأسرة تمرّ بجانبنا تتكلم بالفصحى، فنظر أطفالي وأطفال الأسرة الثانية في عيون بعضهم بغرابة شديدة، وقالوا لبعضهم: (أنتم أيضًا؟!)، ثم انفجروا بالضحك، مضيفًا: لقد ظن أولادي أنه لا يوجد غيرهم، تمامًا كما ظن أولاد الأسرة الثانية، ثم تواصلنا وتزاورنا وفكرنا في تكون جمعية للناطقين بالفصحى، وسرعان ما تخلينا عن الفكرة، فالفصحى ينبغي في نظري أن تكون لغة الشارع، وليست لغة خاصة ببعض الأعضاء في جمعية.

ويتابع: كانت للأطفال مواقف لا تُنسى بفضل الفصحى، منها أن ابنتي الكبرى تركناها مرة مع جدتها التي لا تحسن الفصحى، فطلبت ابنتي من جدّتها (ملعقة) لكي تأكل، فظنت الجدّة أنها تطلب (مالجًا)، هذا الذي يستخدمه البناؤون لمعالجة الاسمنت في البناء، فلما لم تفهم الجدة، قالت لها إذن (شوكة)، فما فهمت الجدة المسكينة شيئًا، وقالت لها: (ما تضعين بالشوك يضرّك؟) فالشوكة في اللهجة التونسية هي الأسلة التي تدمي في النبتة.

هذه المواقف وإن كانت طريفة في ظاهرها، لكنها ليست كذلك فيما تتركه من أثرٍ في نفوس الأطفال، فهو أثرٌ سلبيٌ بحسب العبيدي، الذي يبين: كانوا يعودون في الصيف، وهم صغار، إلى تونس، وكثيرًا ما يتداعى الأقارب والجيران يأتون لرؤيتهم مستغربين ويقولون لبعضهم: (تعالوا اسمعوا الأطفال أتوا من فرنسا يتكلمون مثل الصور المتحركة)، لقد رغب الأطفال عن العودة إلى تونس بسبب مثل هذا الاستخفاف.

ويؤكد: هذه الطرفة الأخيرة، هي ليست طرفة في واقع الأمر، بل هي انعكاس لحالة غير عادية في مجتمعاتنا العربية، هي استبعاد العربية الفصحى من كلام العامة عبر برامج ومحتويات إعلامية معدة خصيصا للتشويه، تظهر فيها اللغة العربية دومًا في مظهر المتخلف عن الركب.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك