لغة الضاد حين تمرح مع معمر القريوتي وتلاميذه

24 مايو , 2018

أغنيتُ حصة “اللغة العربية” بالألعاب التعليمية والقصائد الغنائية

 

وزير مبدع للتربية والتعليمأطمح إلى هذا

 

من حق الطالب أن يعيش حياته الخاصة دون واجبات بيتية

 

أحذّر من المستويات التعليمية المتباعدة في الشعبة الواحدة

 

أن يستثمر معلم الأجواء الرمضانية فيقترح أن تكون محافظة الطالب على صلاة التراويح في المسجد من معايير التقييم الدراسية، فإنه أمر لا يعد غريبًا على معلم اللغة العربية المبدع مُعمر القريوتي، هذا الأستاذ الذي لا  يُخبر طلابه أنه صديقهم المقرب بالكلام، بل يجعلهم يشعرون بذلك عبر معاملة مختلفة بعض الشيء؛ مضى على عمله في سلك التربية والتعليم اثنا عشر عامًا وإن كان – بالأصل – ضمن عائلة تربوية تضم خمسة معلمين للغة العربية، لكنه تميز عنهم بل تميز عن معلمين كثر للعربية في بلده الأردن.

 

بيدأ الحصة بالسلام ومصافحة الطلاب وكثيرًا ما تكون على طريقة الرياضيين أي ضرب الكفين بالكفين، يحاورهم في كل ما يهمهم، ولا يرهقهم بالواجبات أو رعب الامتحانات والعلامات، ويخفف عنهم أكثر في الحصة السادسة والسابعة.

 

إنها الملامح العامة لمعلم ذي شخصية ممتعة إلى درجة أن صاحبها يتفنن في رسم البسمة على وجوه رفاقه الأشبال؛ معتمدًا على أساليب التعليم التفاعلي من خلال اللعب والغناء والتمثيل والمسابقات؛ محتكمًا إلى قاعدة:

“اعط الطالب ما يريد لتأخذ منه ما يريد”.

الأول على المملكة

يستهل الأستاذ معمر حديثه لمراسلة “شبكة زدني للتعليم”: “أنا صديق طلابي أساعدهم في أمرين رئيسيين: الأول أن أرشدهم على معاني الخير عامة، والثاني أن أعلمهم من اللغة العربية ما يحتاجون إليه في حياتهم عامة، كل حسب قدراته الاستيعابية ابتداءًا من تعلم الكتابة والقراءة وبعض القواعد الهامة التي تمكنهم من تذوق جمال العربية وروعتها”.

 

ويصف نفسه: “كنتُ طفلًا كثير الحركة؛ محبًا للمرح والنشاط؛ ترأّست مجلس الطلبة في مرحلة الثانوية؛ وحصلت على المركز الأول في “التوجيهي الأدبي” على مستوى المدرسة”.

 

ويخبرنا عن أكثر المعلمين الذين أثروا فيه قائلًا: “لا أنسى أبدًا معلمي في المرحلة الإعدادية الأستاذ عبد  الحميد الطيراوي، فقد كان يعطينا من وقته خارج الدوام المدرسي ليتابع شؤوننا التربوية والتعليمية، حقًا كان كالأب”.

 

كان المعلم معمر البالغ من العمر (34 عام) جريئًا في خياراته انطلاقًا من الآية الكريمة “بَلِ الْإِنسَانُ عَلَىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ “؛ يتحدث عن اختيار التخصص الجامعي الذي رآه الأصلح له: “رغم رغبتي بتخصص اللغة العربية إلا أنني درست المحاسبة لمدة سنة، لأن مستقبلها الوظيفي أفضل، ولكني لم أكن سعيدًا بهذا، فقررت أن أعيش اللحظة سعيدًا “وما بني على سعادة فسيأتي بسعادة أكبر” علمًا أن قراري واجه اعتراضًا من الأهل والأصدقاء غير أن ذلك لم يمنعني من الاستمرار فيما أراه الأنسب لي”.

 

 

اختيارك لمهنة التدريس.. ماذا كان يعني لك؟

بروح مفعمة بالإيجابية يقول: “التدريس على ما فيه من متاعب إلا أنه باب عظيم للشعور بالسعادة إذ تستحضر الأجر الكبير من الله تعالى، وتكون سببًا في سعادة طلابك وأنت تقودهم إلى تحقيق آمالهم وطموحاتهم.

 

ما المهارات التي اكتسبتها من هذه التجربة؟

“لعل أبرزها التعرف على أنماط الشخصيات والتعامل معها، والشعور بالأمانة والمسؤولية، وعدم الاستسلام للواقع والبحث عن حلول إبداعية؛ كما أن ثمة شيء آخر نضج لدي وهو عدم الأنانية؛ إذ أشعر أن نجاح الحصة ليس بسببي وحدي وإنما بفضل تعاون الجميع”.

 

هذا الأستاذ الصريح والعفوي؛ يمتلك الشجاعة الكافية لأن ينتقد ما لا يعجبه؛ على سبيل المثال حين ينشر على صفحته منتقدًا منهاج الثانوية العامة: (أكاد أقسم أن من معلمي التوجيهي من لم يستوعب درس الإعلال، فكيف بالطلاب؟!).

 

سألته عن المرحلة التي استمتع بها كثيرًا؛ ليقول: “بكل تأكيد مع طلاب المرحلة الابتدائية حيث الأرض الخصبة لزراعة العلم والقيم، وقد أثمرت حين قال الأول على المملكة في الفرع الصناعي في مقابلة إذاعية له: “إنني لم أنس تشجيع معلمي معمر القريوتي لي وأنا في الصف الخامس قائلًا لي: ستكون من الأوائل على مستوى المملكة يا قصي”.

 

بعد خمس سنوات في المرحلة الابتدائية انتقل الأستاذ معمر إلى تدريس المرحلة الثانوية وفيها ذاع صيته؛ فيقول: ” لكل مرحلة دراسية مميزاتها وأسلوبها وأهم ما في المرحلة الثانوية أن يشعر الطلاب أن المعلم صديقهم فعلًا لا قولًا، فيهتم بمطالبهم ويساعدهم في حل مشكلاتهم ويجتهد في تنمية مواهبهم وصقلها”.

 

لا بد وأن الجميع متحمس لمعرفة الدافع الذي يقف خلف فكرة تعليمه بطريقة فكاهية فيها من الغناء والتمثيل والألعاب وكل ما يبهج القلب؛ يتابع الحديث بصوته البشوش: “إيماني الراسخ أن العقل لا يستوعب بالإكراه، وأن فهم العلم وحفظه يجب أن يكون مسبوقًا برغبة في التعليم، وغالبًا ما تكون هذه الرغبة معدومة أو قليلة جدًا عند الطلاب؛ بسبب ذلك رأيت أن الأسلوب التقليدي سيزيد الطلاب نفورًا وكرهًا للتعليم، وباستطاعتي حل المشكلة باستخدام نظريات التعلم بالترفيه بما أنعم الله علي بشخصية مرحة؛ علمًا أن قلة قليلة كانت تراه أسلوبًا غير مفيد، وفيه مضيعة للوقت، خاصة أولئك الذين يلتزمون بالمنهاج الدراسي حرفيًا”.

 

بين المشرف والطلاب

اللافت في أداء القريوتي استعانته بتراث الأغاني الشعبية؛ ليقدم الدرس المطلوب فيما خزانة الصف تحتفظ بالدفوف- والفيديوهات المرفقة يتجلى فيها مدى التفاعل-؛ مفصحًا: “منها ما أجهزه مسبقًا ومنها ما يأتي ارتجاليًا تأليفًا وتلحينًا؛ علمًا أنني ملم بكثير من الأغاني والأناشيد الشعبية وغير الشعبية؛ والقصائد جميعها ألحنها على شكل مواويل أولًا ثم ألحنها على شكل أغنية؛ وكذلك البحور الشعرية في علم العروض”.

 

ويؤكد أن لا تحفيز أفضل من الكلمة الطيبة، أما نوع العقاب الذي يجيده فهو،”كلمة قاسية مكسوة بنور المحبة”.

 

أما من يرى التعليم مهنة فاشلة ومملة فإن القريوتي يتنهد قائلًا: “إن المعلم غير مكتف ماديًا، فالوضع الاقتصادي يلقي بظلاله على النظام التعليمي، مما  أثر سلبًا على جيل المعلمين الشباب الذين تطاردهم التزامات الحياة الكثيرة؛ فيفرون من التعليم، ولا بد من تحسين الوضع الاقتصادي للمعلم الذي هو السياج الفكري والأمني للوطن، ومن الأسباب أن نوعية الطلاب بحاجة لمعلم ذي قدرات متميزة لضبطهم، فمن لا يمتلك تلك القدرات سيتعب كثيرًا، وأما من يراها مملة فذلك لأنه شخص ممل لا يسعى لتعلم الأساليب التعليمة ولا ينمي مهاراته”.

 

ويدخلنا إلى أجواء حصة مختلفة كعشرات الحصص التي يحتفظ بها تاريخه: “غالبًا حينما يزور مُشرف معلمًا في حصته فإن الزيارة تتحول إلى مسرحية؛ فالمعلم يجتهد في أن يظهر أنه حضرّ درسه على النحو الصحيح وأن طلابه متفاعلين معه؛ فيما المشرف يعطيه الملاحظات الروتينية؛ لكني أردت مرة أن يكون المشرف جزءًا فاعلاً في الحصة؛ فحوّلتها إلى حصة محادثة ودفعت الطلاب إلى محاورة المشرف.

فطرحت موضوعًا يلمس هموم الطلاب عنوانه: “آلام الطلاب وآمالهم” كي استحثهم على التفاعل؛ واقنعتهم أن الفرصة قد حانت للتعبير عما يعتمل في صدورهم، لأن المشرف بوسعه إيصال مقترحاتهم وأفكارهم للمسؤولين؛ وبدورهم لم يقصروا في طرح همومهم؛ مما اضطر المشرف للإجابة، كانت الحصة من أجمل ما يكون؛ وحين خرجنا عبّر عن استغرابه من هذا الأسلوب؛  فأخبرته أني نجحت في تحقيق الأهداف المرجوة بشكل أفضل مما لو كانت الحصة تقليدية؛ وبصفة عامة فإن الحصص التي تحوي ألعابًا تعليمية تجعل الطلاب في غاية الانسجام؛ وقد أكتفي بمعلومة واحدة وأكررها عبر أكثر من وسيلة حتى أضمن أن الطلاب كلهم قد فهموها”.

 

ويحاول معمر استثمار مواقع التواصل الاجتماعي في دعم أهدافه التعليمية بعد أن ابتعد الجيل الحالي عن لغته الأم، مرتكزًا على مقولة: “داوها بالتي كانت هي الداء”، فيجعلهم أحيانًا يكتبون ما تعلموه من الحصة على شكل منشور على صفحاتهم في (فيس بوك).

 

إصلاحات قادمة

 

 

يُسابق صغيرَه عبادة ابن الثلاث سنوات فيغدو طفلاً أكثر منه؛ هو نفسه الذي يتطلع إلى أن يكون يومًا وزيرًا مبدعاً للتربية والتعليم؛ متابعًا بهمة متوقدة كل ما هو جديد في عالم التربية والتعليم، ومطبقًا ما يرتأيه مناسبًا.

 

سألته عن أول قرار مجنون سيتخذه في حال تحققت الأمنية؛ على الفور قال:

“أولاً سأعين معي رؤوساء أقسام جادون ومخلصون يعشقون التغيير والإبداع؛ ونتلمّس معًا حاجات الواقع الميداني؛ ثم سألغي الدراسة البيتية تمامًا؛ مما يقتضي وضع مناهج تنسجم مع ذلك”.

 

يتوقف عند هذه النقطة؛ ليشرح وجهة نظره:

“أؤمن جدًا بفكرة أن حق الدراسة محدد بوقت دوام الطالب في المدرسة أو الجامعة فقط؛ وخارج ذلك الوقت هو حق للطالب أن يعيش حياته الخاصة، فلا واجبات بيتية، ولا دراسة للامتحانات خارج ساعات الدوام الدراسي، الطالب يقضي يوميًا عدا الجمعة والسبت خمس ساعات دراسية – على الأقل-  داخل الغرفة الصفية؛ فلماذا نزيد عدد الساعات خارج المدرسة، أليس له حياته الخاصة التي ينمي فيها مهاراته الحياتية، ويمارس الأنشطة المتنوعة بما يناسب ميوله، فعلى المدرسة أن تتيح للطالب أن يستعد لامتحاناته ويحل واجباته ضمن ساعاتها المخصصة، وتقيم شراكات مع المراكز الثقافية والرياضية والعلمية المتنوعة وتعيد النظر في معايير التقييم وأساليبه بناء على ذلك، فليست عملية التقييم عبارة عن أرقام حسابية يجمعها الطلاب ويسمونها العلامات، ثم من تكون علامته الأعلى فهو الأول على الصف، برأيي لا يوجد شيء اسمه الأول على الصف بل كل له الأولية حسب استعداده وميوله”.

 

مُعمر المليء بالمرح استقرت في قلبه هذه الذكرى؛ حين انتقل أحد الطلاب من المدرسة فودعه باكيًا ثم احتضنه؛ ويشير إلى دور مهم للمعلم المتميز: “الطالب عندي يحصل على العلامة ليس فقط لأنه مجتهد باللغة العربية؛ بل لأنه موهوب، نتعاون معًا لاكتشاف موهبته وصقلها، مثلا أحد طلابي موهوب باللغة الإنجليزية طلبت منه أن يقدم لنا برنامجا إذاعيا بالإنجليزية “.

 

ويتطرق في حديثه الماتع إلى بعض المسائل التي تؤرقه، مثل ثنائية القوانين الإدارية والطلاب: “قد يعاني المعلم من مطرقة الإدارة حينما يريد اتخاذ قرار يراه مناسبًا لطلابه لكن القوانين الإدارية تمنع ذلك، فمثلاً قد يجد المعلم طلابه في يومٍ ما في حالة ممل رهيب ولا يرغبون في الحصة السادسة والسابعة؛ في ظل ظروف تعليمية صعبة، فبعض المدارس تفتقر إلى بنية تحتية سليمة، وأساليب تدريس حديثة، ووسائل ترفيه، بل يتعرض طلابها للعنف اللفظي والجسدي، فيرى المعلم أن يغادر الطلاب الصف مكتفين بخمس حصص أو ست، أو أن يسمح لهم بنشاط رياضي، لكن قوانين الإدارة تمنع مغادرة الطلاب قبل انتهاء برنامجهم الدراسي، فيدخل المعلم إلى الحصة وهو يرى الصف سجنًا له ولطلابه منتظرين براءتهم عند قرع الجرس”.

 

ويستاء من بعض الأفكار التي تنتشر في الوسط التعليمي، على نحو قولهم (حبة بندورة خربانة بتخرب بكسة كاملة)، وللحفاظ على الصف (البكسة) من الطالب (حبة البندورة الخربانة) يقررون ترسيبه، على أمل أن يترك المدرسة.

 

ويعارض بشدة أن تكون مستويات الطلبة متباعدة في الشعبة الواحدة، مبينًا مقصده: “قد تجد في شعبة ما مجموعة من طلاب الثانوية لا يحسنون القراءة والكتابة ومجموعة أخرى يتفننون في الإعراب، هذه الشعبة المشوهة من شأنها أن تترك أثرًا سلبيًا على الطلاب عندما يرون البون الشاسع بينهم، فالبعض يتسلل الإحباط إليه، والبعض الآخر يتسلل الغرور إليه؛ ومن ناحية أخرى فإن اهتمام المعلمين غالبًا ما يتوجه للطلاب الأعلى تحصيلًا مما يؤثر سلبًا على الطلاب الأقل تحصيلًا فلا يجدون اهتمامًا فيشعرون بالنقص”.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك