لقاء مع جندي مجهول

31 أغسطس , 2014

[[{“type”:”media”,”view_mode”:”media_large”,”fid”:”1453″,”attributes”:{“alt”:””,”class”:”media-image”,”height”:”480″,”style”:”width: 250px; height: 250px;”,”typeof”:”foaf:Image”,”width”:”480″}}]]

هذه السلسلة ستكون مجموعة لقاءات مع أساتذة مجهولين لم يسجل أسماءهم التاريخ رغم أنهم قد قدموا أكثر من الذين سجلت أسماءهم واللقاءات من الواقع.

 

هنا سنتحدث عن معلم أحبه طلبته بشكل كبير وبحيث أدخل البهجة والمحبة إلى قلوب طلبته وإلى اليوم وبعد أربعون عاماً من التدريس طلبته يتذكروه ويزورنه فهو لليوم لم ينتسى من طلبته لكن التاريخ نسيه أستاذنا هنا سيتحدث وهو معلم لغة إنكليزية.

بدأت بالتعليم منذ حوالي أربعون عاماً تخرجت من معهد إعداد المدرسين وكان تخصصي اللغة الإنكليزية، أحببت اللغة وعملت على إتقانها وهنا لم تسنح لي الفرصة بالتعليم لمدة عامين لأنه لم تظهر مسابقة لتعيين كادر تدريسي جديد، ففي هذين العامين وأصدقائي يسافرون إلى دول الخليج (إعارة) ويعملون هناك ويكسبون المبالغ الخيالية وأنا هناك أتعلم اللغة بشكل أكبر وأتوسع بها وكأنني سوف أقدم بها دراسة، وبعد عامين عملت الحكومة على فتح مسابقة لرفد كوادر تعليمية وهنا نجحت وتعين مدرس في الريف، فقررت أنا أكمل حياتي في هذه المدينة الجميلة التي نحن بها الآن، وعند قدومي إلى هنا واجهتني مصاعب كبير كاللهجة والطبيعة و العادات والتقاليد الجديدة، ولكن منذ قدومي استقبلني الأهالي بأحر التهاني وأفضل التسليم واستئجروا لي هذا المنزل الذي نحن به وقدموا لي الأكل والمؤنة وكأنهم يعلمون أن ليس بجيبي ما يكفيني من مال لآخر الشهر، وعندما نظرت إلى أهل هذه القرية وكيف أحتفوا بي واحترموني وقدموا لي قررت أن أقدم ما عندي من علم لأطفالهم وأعمل على أن ينتج لهذه القرية جيل يحكى به في كل أرجاء العالم، قررت أن أجازي المعروف بالمعروف ولكن قدرتي كانت محدودة في العلم فقط لم أستطع أكثر من ذلك.

وعندما بدأت المدرسة وتعرفت على أولادهم و بدأنا بالرحلة التعليمية وجدت في هؤلاء الأطفال قابلية للتعلم بشكل كبير لكن أغلب الأساتذة لم تقدر ذلك وكان الكادر الإداري مهمته تتوقف عند رواتب المعلمين لم تنظر في شأن المدرسة مطلقاً.

فاعتزمت على أن أصادق الأساتذة وننشأ كادر تدريسي قوي يهتم لشؤون الطلاب وبالفعل فقد قمنا بتشكيل هذا الكادر وبدأنا بالتعليم وبعد فترة من الزمن تفاجأنا بوجود بعض الطلبة ضعيفي التحصيل فقمنا على فتح المدرسة بعد الدوام وإعادة الدروس لهؤلاء الطلبة وللأسف ونتيجة بُعد المدينة عن القرية فلم تهتم المديرية بشؤون هذه المدرسة فرأينا اهتراء السبورات والمقاعد الدراسية فقمنا أنا والمعلمين على تشكيل وفد وذهبنا للمديرية ووجدنا الإقبال من المديرية فقد قدموا لنا كل الود وأعطونا ما نستحقه من السبورات والمقاعد.

بعد عدة أعوام ونتيجة تبدل العديد من المعلمين في المنطقة خرج عدد من المعلمين الجشعين للعمل على فتح مراكز تدرسية بالمال ونتيجة فقر أهل القرية اتفقنا أنا وأصدقائي المعلمين على إبقاء المدرسة مفتوحة طيلة اليوم بعد الدوام وبشكل مجاني ففشل ذلك المركز بعد عدة أشهر وأغلق.

أذكر عندما دخل الحواسيب المدن لم نكن نسمع سوى عن شاشة تقدم الكثير فعملت على أن أقدم بأحداها وأعلم أولاد المنطقة عليه ولكن كانت وزارة التعليم قد سبقتني لهذه الخطوة فعملت على إنزال مادة الحاسوب في المناهج وفتح مراكز حاسوبية في كل مدرسة وكان منها مدرستنا فأرسلت المديرية من المدينة مدرس حاسوب وعدة أجهزة.

أذكر في يوم التقاعد كنت ذاهب للمدرسة وفي قلبي غصة وكأنني أعلم ما سيحدث وعند دخولي المدرسة تراء لي أنه يوجد احتفال بعيد أو احتفال بعيد ميلاد أحد الطلبة، فنحن كنا نقوم بالاحتفال بأعياد ميلاد الطلاب وذلك نوع من المشاركة بين المعلمين والطلبة نفسهم في فرحة أحد الطلبة، لكن ذلك اليوم لم يكن بذلك وخاصةَ السكون الذي يعم المدرسة وفجأة بدأت الألعاب النارية والاحتفالات وبدأ أهالي القرية الذين قدموا من أرجاء القرية يباركوا لي في التقاعد لكن لم يكن يعلموا بالحزن الذي في داخلي.

وبعد أنتهاء الاحتفال أقر مدير المدرسة أنه لن تغلق المدرسة بعد الدوام وسأظل أعطي الدروس وبالمجان وأن القرية لن تتركني مهما كلف الأمر ففرحت بذلك الخبر لأن التعليم أصبح جزء مني ورؤية الطلاب من حولي تعيد لي شبابي الذي بالكاد أتذكره.

وبعد قيام الحرب في سوريا ودخول قوات المعارضة للمنطقة قدموا لتحويل المدرسة لثكنة عسكرية وبسبب الخوف لم يستطيع أحد من القرية التحدث فذهبت وعملت على أن تبقى المدرسة كما هي وعدم تحوليها لأي شيء كان، فالمدرسة خُلقت للتعليم فقط لا لأي شيء أخر.

ولليوم المدرسة رغم جميع المحاولات تقوم على تعليم الأطفال وأطفال اللاجئين الذين قدموا من المدن والقرى التي تحت القصف والحرب.

إن المدرسة لم تخلق لتكون بيتاً للاجئين أو ثكنة عسكرية أو مركز دراسات للجمعيات أو أي كان، المدرسة بنيت لتكون دار تعليم ومدرستنا ستبقى دار تعليم رغم كل ما يجري لباقي المدارس.

وعند الألتقاء بأهالي القرية رأيت أنهم فرحين لبقاء المدرسة التي تعلم أطفالهم في الدوام وخارج أوقات الدوام و عند سؤالهم عن هذا الرجل المسن وجدت أن هذا الرجل قد تزوج بفتاة من القرية و لديه ثلاثة أطفال و للأسف منزله كان بالأجار إلا من سنتين تقريباً فقد قدمه صاحبه هدية له.

إن هذا الشخص هو لؤلؤة مكنونة لم يعلم بها أحد سوى أهل القرية التي هو بها، وللأسف لم يعمل أحد على مكافئته سوى أهله أهل القرية.

إن هذا الشخص في هذه الظروف ووقفته في وجه عسكرة المدرسة وإبقاء دور العلم للتعليم يعتبر أكبر عمل بطولي يقوم به شخص يناهز من العمر السبعون عاماً.

طالب جامعي

جامعة إيبلا الخاصة

قسم علوم سياسية وعلاقات دولية

internal-teacher-734x265.jpg


شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك