لقاء مع طالب مالي “مغترب” في المغرب: عن الإندماج والعنصرية وظروف الدراسة

8 مارس , 2016

أقابله يوميًا في المسجد، يحرص على أداء صلاة العشاء، وتوحي ملامحه الهادئة بالطيبة، لم تشأ الظروف أن نتبادل أطراف الحديث إلا قبل فترة قصيرة، فتحول الحديث إلى مقابلة تعرفت فيها على بعض جوانب حياة منسية للطلبة المغتربين المنحدرين من دول إفريقيا جنوب الصحراء والمستقرين بالمغرب، تعالوا لنتعرف سويًا عليها.

صلى بجانبي، وبعد السلام والخروج من المسجد، إبتدرني قائلًا بلهجة عربية مكسرة:

– تقبل الله.

– منا ومنك.

ثم وجدتها فرصة سانحة للتعرف عليه أكثر، فأضفت:

أنت طالب جامعي، أليس كذلك؟

بدا عليه عدم الفهم، فانتبهت إلى أنني كلمته بالعربية التي لا يفهم منها من القليل، فكررت سؤالي بالفرنسية.

(باقي الحوار بالفرنسية أنقله لكم طبعا بالعربية)

نعم، أدرس بالمدرسة العليا للتكنولوجيا، شعبة هندسة المعلومات.

جميل، معذرة، لم أسألك عن إسمك، من أي بلد أنت؟

إسمي سليمان، أنا من دولة مالي.

كيف وجدت بلادنا؟

ابتسم، قبل أن يقول :

جميلة، ارتحت لاستقرارها وأمنها، ومعظم أهلها طيبون، ولكن..

شعرت بأنه يتحرج من إضافة معلومة ما، فشجعته على الكلام:

لا تخف، اعتبرني صديقًا، وقل ما بدا لك.

سامح الله بعض الناس، يعاملوننا بعنصرية نهى عنها دين الإسلام الذين يجمعنا، هذا مؤسف.

هو محق تمامًا، وكم سمعت عن تصرفات مشينة يرتكبها بعض الجهلة بحق الطلبة واللاجئين القادمين من دول إفريقيا جنوب الصحراء، مسلمين كانوا أو مسيحيين، لكنني أردت الإستزادة، فقلت:

ماذا تقصد؟

أنت تفهم ما أعنيه، أطفال ينادونك ب “عزي” (لفظة دارجة تعني أسود البشرة) أمام أنظار أولياء أمورهم، هؤلاء الذين عوض منعهم يطلقون ضحكات مؤيدة، باعة يتعاملون معك بنوع من الخبث على اعتبار أن كونك غريبا هو مرادف لثرائك، أساتذة جامعيون رغم مستواهم الثقافي الراقي إلا أنهم يتعاملون معك بانتقائية، لكن أعود وأذكر بأنها حالات معزولة، وليست ظاهرة.

على ذكر الأساتذة وظروف الدراسة، كيف اخترت المغرب دون غيره؟

حافظ على ابتسامته الهادئة وهو يجيبني:

سأخبرك، يمكنك القول يا…بالمناسبة، ما اسمك؟

– عبد المجيد…

تشرفنا يا عبد المجيد، قلت بأننا في مالي بعد الحصول على شهادة الباكالوريا، ونظرًا لظروفنا الصعبة التي ازدادت سوءً بفعل الحرب الأهلية (الطوارق وأزواد وما لا يتسع المجال لذكره هنا…)، نجد أنفسنا أمام 3 خيارات، الأول البقاء في البلاد والدراسة في باماكو، والثاني هو الدراسة في المغرب، الإمكانية المتوفرة لما يمكن اعتبارها طبقة متوسطة قادرة على تحمل مصاريف محدودة، والثالث إكمال الدراسة في فرنسا، وكما تعلم طبعًا فهذا الخيار متاح فقط لأبناء الأثرياء والوزراء وغيرهم.

طيب، ماذا عن المنحة؟

الحمد لله، المنحة التي تقدمها الدولة كافية لنا، نحن متعودون أصلا على الإقتصاد في مصاريفنا إلى أدنى حد ممكن.

والسكن؟

أكتري شقة قريبة من المؤسسة، أنا وسبعة من أصدقائي.

كلهم ماليون؟

خمسة ماليين وسنغالي وتشادي.

ضحك وهو يضيف:

تعلم جيدًا أن الغربة تساعدنا على التآخي بيننا، فكلنا ضيوف عندكم.

هل تمكنت من الإندماج في التخصص الذي تدرسه؟ أعني هل تجد صعوبة في مواكبة الدروس وفهمها؟

إلى حد ما لا، لم أجد صعوبة، التعليم العالي عندكم باللغة الفرنسية، وعليه لا فرق إذن بيننا وبينكم.

ماذا عن الفعاليات الثقافية للجالية المالية؟

موجودة، غالبًا نلتقي في الأعياد الدينية لإحياء عاداتنا وتقاليدنا الشعبية.

وهكذا كان حواري مع سليمان، الذي عرفت فيه بعض جوانب تعايش طلبة دول إفريقيا جنوب الصحراء معنا نحن المغاربة، وكم كان الشاب طيبًا معي عندما دعاني لزيارته في منزله، مبديًا كل أوجه الحفاوة والكرم رغم ظروف الغربة، فحبذا لو اهتم رفاقهم المغاربة بهم لإخراجهم من جو العزلة الذي يعيشونه، أما التعليقات العنصرية للبعض فتتطلب وقفة حازمة رغم أن سببها الحقيقي سوء التربية، لكن هذه قصة أخرى.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك