مصورون تعلّموا من بلاد العجائب وقالوا:”هل من مزيد؟”!

7 فبراير , 2018

يحدث أن يتعلم الإنسان كثيرًا من خلال شغفٍ يقع في حبه؛ قد تكون هوايةً قريبة من تخصصه أو ربما بعيدة عنه؛ المهم أنه من خلالها يعيد اكتشاف الحياة؛ “شبكة زدني” تصحبنا مع نخبة من مصورين شباب باحثةً عما تغير في حياتهم بعد احتضانهم الكاميرا التي جابوا بها البلاد.

 

حاصِد الجوائز

عيسى إبراهيم مصورٌ بحريني وله السبق في نيل أكبر عدد من الجوائز في المسابقات الدولية على صعيد المصورين العرب؛ انطلقت بداياته حين راحَ يصور المناسبات والفعاليات في قريته إلى درجة أنهم أطلقوا عليه لقب الصحافي لتعلقه بالكاميرا؛ هذا الطريق أدى إلى دخوله عالم الصحافة عام ١٩٩٩م من بوابة جريدة أخبار الخليج البحرينية.

 

وإن العلامة الفارقة التي تميز عيسى هو تركيزه على ثقافات الشعوب وعاداتهم وتقاليدهم الغريبة؛ مما جذب الكثيرين إلى  صوره التي كشفت عن معاناة هذه الشعوب حسب إفادته؛ يفتتح حديثه بالقول: “بفضل الكاميرا ساعدتُ العديد من العوائل لتصوير حياتهم المعيشية وإبراز معاناتهم للرأي العام وبالتالي المساهمة في حل مشاكلهم؛ لقد تعلمت أن الإنسان بوسعه عمل الخير من خلال مهنته”.

 

كان كل نجاحٍ يحققه هذا الرجل يستحثه أكثر على تطوير أدواته من أجل تحقيق أهداف جديدة؛ فقد شكلّ فريق “أماكن” مع زميليه  فاضل المتغوي وسعيد ضاحي؛ مضيفًا: ” الهند والنيبال من أهم البلدان التي تستهوينا لطيبة شعبهما وبساطة حياتهم والتنوع في هذين البلدين وكثرة المواضيع التي يمكن تناولها”.

 

ومن الصور التي يعتز بها أرشيفه أثناء خروجه في الرحلات لعدة بلدان مختلفة، يستخرج من ذاكرته هذا المشهد: “في أثيوبيا بقبيلة “المرسي” والمعروف عنها حدة الطباع في رجالها ونسائها إلى درجة أنه يصعب التعامل معهم، فإن المرأة هناك تعمد إلى شق شفاهها وأذنيها، وعدم ستر صدرها، حدث مرة أن طلبت من إحدى الفتيات أن أصورها على أن تستر نفسها، فكانت ردة فعلها أن أشهرت السلاح في وجهي؛ ذلك أنهن يتفاخرن بأجسادهن ويرفضون التستر”.

 

ويروي موقفًا آخر اندهش من مصادفته: “في أحد دور الرعاية للأطفال في أثيوبيا، يقوم هذا الدار بجمع “الأطفال النحس” وهو المصطلح الذي تطلقه قبائل وادي أومو؛ فالولد المنحوس هو الذي أنجبه والدين بدون زواج رسمي أو ابن امرأة تزوجت من دون مباركة رئيس القبيلة؛ أو الذي تظهر له الأسنان العلوية قبل السفلية؛ ويتم التخلص من هؤلاء عبر دفنهم بالتراب أو القائهم في النهر لتلتهمهم التماسيح، وهذه المنظمة تتبنى تلك المجموعة من الأطفال من عدة قبائل ورعايتها، حينما رأيتهم حمدت الله على نعمة الإسلام”.

 

ويبتسم ابن الــ 38 ربيعًا؛  قائلاً بتواضع: “بفضل الله حزتُ على أكثر من ١٠٠ جائزة في عامٍ واحد تحديداً ٢٠١٠، وبعدها اتجهتُ للألقاب الدولية من الفيدرالية الدولية لفن التصوير (الفياب)، وفي عام ٢٠١٤ حصلت على لقب “التميز الفضي” وكنت أول مصور عربي يناله، ومن ثم لقب “التميز الذهبي” وصولاً إلى لقب الماستر في عام ٢٠١٦؛ ولأكون صادقًا فقد أردت في بداية الأمر من مشاركتي في المسابقات إحراز الفوز واختبار مدى قوة أعمالي؛ ليكبر هدفي فيما بعد وأصبحت أكثر من يحصد الإنجازات الدولية في المسابقات الفوتوغرافية من بين المصورين العرب”.

 

ويبدو أنه ممتن في كل ما وصل إليه لنصيحة أصغى إليها جيدًا جاءت صديقه المصور على خميس والذي يعد من خيرة المصورين القدامى في البحرين؛ وهذا زبدة ما قاله:

“في التصوير وغيره.. إذا أردت أن تتعلم عليك بالسؤال، الناس لن تأتي لك وتعلمك، عليك بالسعي نحو التعلم”.

 

أما هو فيبدو واثقًا من هذه الوصفة المضمونة:

“كل منكم يجب أن يضع نصب عينيه هدف ما، ويسعي للوصول له مهما طال الزمن مادامت الإرادة موجودة سيصل حتمًا، أنا لا أقصد فقط مجال المسابقات بالنسبة للمصورين، إن كنت تخطط لافتتاح معرض او إصدار كتاب أو تطوير مستواك كلها أهداف وعليك أن تختارها بعناية”.

 

وثمة صورة تحظى بمكانةٍ لدى عيسى و هي لطفلٍ يؤدي الصلاة، يصفها بالقول: “كان والده يملك عدسة “عين السمكة” وكنت أغبطه عليها، حين راح يظهر كل معالم المسجد، بينما كان لدي عدسة ١٦-٣٥ وكاميرا كانون ١دي مارك ٣؛ ولله الحمد وفقت في الخروج بهذه الصورة العزيزة على قلبي كونها صورة من البحرين وتتجلى فيها الهوية الإسلامية العربية، وقد حققت عبرها الشهرة لتكون فاتحة انجازاتي في المسابقات الدولية”.

 

وما يحاول المصور الناجح فعله باستمرار ليصنع بصمته الخاصة- وفقًا لقوله لمراسلة زدني-  هو خلق التكوين المناسب لكل مشهد يصادفه؛ مبديًا حرصه على التعلم من المصور الامريكي ستيف ماوكري المختص في تصوير حياة الناس؛ والمصور جيمس ناتشوي المصور المختص بالحروب والنزاعات.

 

ويرى عيسى أن صقل قدرات المبتدئين يمكن أن يتأّتى بالانضمام إلى رحلات التصوير لكن مع الأسف أنه لا يتم احتضانهم؛ وفي المقابل فإن الغالبية لا تتوفر لديهم السيولة المادية، مؤكدًا أن المشاركة في “السفاري” تمثل فرصة لكسب الخبرة في مجال تصوير حياة الشعوب، من خلال الاحتكاك بعدة مصورين من دول مختلفة لهم أساليبهم المتنوعة.

 

عاشق الطيور

وبالانتقال إلى المصور البارز فيصل النومس والذي يعمل في الهيئة العامة للبيئة في دولة الكويت؛ ومن أهم إنجازاته أنه نشر له في الموقع العالمي “ناشيونال جيوغرافيك” وموقع “عرب بكس” وموقع يوبيك؛ إذ يتميز بتصوير الطيور التي أحبها منذ الصغر؛ يتحدث النومس لــ “زدني” بكثيرٍ من الترحاب: “بشكلٍ عام أحب الطبيعة والهدوء؛ لذا كنت أتوجه دائمًا إلى أماكن بعيدة عن المدينة للتأمل والتفكير؛ ووجدت أني أميل لتصوير الطيور كونها تحب الأمان والهدوء وهكذا صرنا نتشارك الأجواء معًا”.

 

ماذا علّمك تصوير الطيور يا ترى؟.. يجيب فيصل على سؤالي بابتسامة وادعة: “الصبر وحب المغامرة؛ ناهيك أنها تعد رياضة  اكتسب عبرها صحة أفضل؛ وبكل تأكيد تعلمت التركيز والتعلم المستمر لسلوك الطير”.

 

ويرى أن الكاميرا وسيلته في مشاهدة خلق الله عن قرب ليرى من خلالها عجائب قدرته في كونٍ خلَقه “بديع السماوات والأرض” بانتظام ودقة.

 

ويؤكد  أن بيئة الكويت صعبة فيما يتعلق بتصوير الحياة البرية نظرًا لدرجات الحرارة المرتفعة مما يؤثر بشكلٍ سلبي سواء على الطير أو الإنسان؛ فلا يتوفر المكان الملائم الذي يتضمن الأمان والغذاء، مما يستدعي منه المزيد من البحث والمتابعة المستمرة للتمكن من التصوير.

 

ويولي للسفر أهمية خاصة لكل من يريد أن ينضم للتصوير: “السفر من شأنه أن يكسر كل الحواجز التي تغلقنا على ذواتنا؛ يعلمنا طرقاً جديدة لالتقاط الصور؛ كما أن تغيير الطبيعة يخلق روح الإبداع وينقل المعرفة لدولتك؛ وحسب رأيّ فإن من أراد تعلم تصوير الحياة البرية عليه أن يذهب إلى كينيا؛ كانت تجربتي فيها غنية”.

 

ولا ينسى أيداً جملة قالها المصور العالمي آرثر موريس في أحد دروسه وعلى ما يبدو أن فيصل حفرها في أعماقه؛ قال فيها:

“صوّر بما لديك من أدوات مهما كانت بسيطة وحين تتمكن منها جيدًا من الممكن أن تنتقل إلى مُعدّات أكبر”. 

 

‎ويسرد أحد المواقف الصعبة التي مر بها؛ قائلاً: “ذات صيف حارق اتجهت نحو صحراء الكويت تحديدًا وقت هجرة العقبان- جنس من الطيور يتبع رتبة الجوارح- ؛ وحينها هبّت عاصفة قوية ولم أعرف أين اتجه وأضعت  طريق العودة؛ وأتذكر أني رأيتُ جملاً في منتصف الصحراء صامدًا كالجبال؛ ارتأيت أن انتظر بجانبه لبضع ساعات حتى تهدأ العاصفة؛ لم يكن باستطاعتي وقتها الخروج من السيارة؛ ولله الحمد بعدها عدت أدراجي”.

 

وكم يرّق قلبه أمام هذا المشهد الذي يرويه باديًا عليه التأثر العميق: “حين أرى أم أحد الطيور تدافع من صغيرها لتحميه من الطيور الجارحة الأخرى مهما كلفها الأمر؛ هذا المشهد المتكرر يجعلني أحمد الله أن خص هذه الميزة لدى أمهاتنا؛ ونحن علينا أن نوّفي هذا الدين لهن”.

 

ومن وجه تجربته فقد تعلم ما لم تعلمّه إياه الندوات والكتب:

“أن انتبه للشي الذي أراه بعيني ولكن لا أفكر فيه؛ لأني لو فكرت فيه بعمق سيتضح لي مقدار عمقه وجماله إلى درجة أنه يستحق تصويره وكتابة قصه حوله”.

 

ويطمح النومس إلى دفع عجلة الثقافة البيئية للمحافظة على التنوع الأحيائي “البيولوجي” في دولة الكويت والدول الأخرى.

خاتمًا حديثه الشائق:

“يمكنك تعلم ما تريد لتطوير التغذية البصرية عبر مواقع التواصل الاجتماعي والإعلانات التي تنظمها مؤسسات وأفراد؛ ولكن عليك أن تختار بعناية الاشخاص الجديرين بأن تسافر معهم كي تنهل من معارفهم فذلك أمرٌ رائع”.

 

سفرٌ وصور

ومن الكويت أيضًا؛ هناك المصور الفوتوغرافي ناصر القطان والذي يهوى الترحال بين البلدان؛ يعمل هذا الشاب مُحاسبًا ويأمل مستقبلاً أن تصبح هوايته مصدر رزقه؛ ففي السنوات الأخيرة مال إلى دمج السفر والتصوير في آنٍ واحد؛ يقول عن ذلك: “الهوايتان تكملان بعضهما لا سيما أني عاشق لاكتشاف تجارب جديدة بخلاف حضارتنا؛ وأحب الطبيعة وتصويرها؛ فهي نمطي المفضل”.

 

(ماذا علّمتك هذه التجربة؟).. يجيب ناصر “زدني” بالقول: “سافرت إلى الكثير من الدول؛ تايلند والفلبين وأندونيسيا ونيبال والخليج العربي وإيران ومصر وتركيا وجورجيا؛ ولن أتوقف عن السفر إن شاء الله؛ فقد لمست أن الكرة الأرضة صغيرة جدًا وفيها ما لا يحصى من القصص؛ وأننا لا نرى سوى جزء بسيط من هذا العالم؛ كما اكتشفتُ أن الناس متشابهون مهما اختلفت أشكالهم”.

 

وبفضل الطبيعة نضجت في شخصيته سمات قد يستغرب منها المرء؛ يوضحها:

“أدركت أنه مهما قست علينا الدنيا فإن هناك دائمًا مخرج؛ تعلمت السبيل الصحيح لتقويم الذات والانشغال بها بدلاً من الانشغال بالناس ووضعهم في مشرحة النقد”.

 

يمسك ناصر السعادة بيديه حين تكون النجوم والمجرات هي سقفه الذي ينام تحته في حالةٍ من الخشوع كما يقول؛ وتخرج منه ضحكة وهو يتابع الحديث:”عندما أقف على حافه بنايةٍ عالية لألتقط صورة لا أصدق جنوني إلا بعد عودتي؛ وأذكر في رحلتي لنيبال في جبال هملايا مُتجهًا نحو جبل إيفرست وخلال الصعود على ارتفاع ٥٠٠٠ متر أصابني مرض الضغط الجوي إذ لم أكن تناولت الطعام لمدة ٦ أيام؛ اضطررت للاتصال بالإسعاف الجوي وتم إنزالي من الجبل”.

 

وبالعودة إلى التصوير فإن لناصر نهج بسيط؛ يعبر عنه قائلاً: “التصوير فن كباقي الفنون؛ أي أنه لا يتقيد بمعايير محددة؛ فقط أحاول أن أظهر جمال الصور بالطرق المتاحة لي؛ ولدي قناعة أني أنافس نفسي ووفقًا لذلك أتطور؛ أي أني لا انشغل في منافسة الآخرين؛ بل اتحدى ذاتي وأقارن أدائي اليوم بأدائي أمس؛ إنها بالمناسبة نصيحتي المتواضعة لأي شخص طَموح”.

 

ومن اللمسات الدافئة في تجربة الشاب الكويتي؛ أنه ذات مرة التقط صورٍ لعدد من الحرفيين ثم وزّع صورهم عليهم في لفتة إنسانية جميلة؛ يتحدث عنها: “أردت أن أنشر السعادة عبر الكاميرا فقمت بتصويرهم وأهديتهم الصور؛ و كانت ردة فعلهم لا توصف؛ وإني أشعر بالاعتزاز بهذه المبادرة؛  وسأسعى إن شاء الله لنشر البهجة والتفاؤل لكن بأفكار أخرى”.

 

المثابرة من أهم الدروس التي حفظها عن ظهر قلب؛ أما الدليل القاطع فكان من خلال صورة ٍ له حازت على انتشار واسع؛ يقول عنها: “التقطت صورة لأبراج الكويت مع البرق؛ وقد انتشرت بشكل خيالي ووصلت نحو ربع مليون شخص؛ ذلك أني كنت على مدى أكثر من أسبوع آتي لنفس المكان لتصوير شروق الشمس؛ وفي يوم ممطر كنت في نفس الموقع ووفّقت بالتقاطها؛ صحيح أنها مصادفة لكن استمراري للقدوم إلى هذا المكان أثمر عن صورةٍ غير متوقعة”.

 

وفي مجال ممتع و ملىء بالتحديات يتقدم بهذه الوصية الثمينة للشباب: “لا تتوقفوا عن التجربة و ارتكاب الأخطاء؛ لا تقلقوا سيتم تصحيح المسار بعدها ولكن الخبرة ستنضج”.

سؤالنا الأخير “طموحاتك إلى أين ستأخذك؟”؛ فكان جواب ناصر:

“ستأخذني لأفعل ما أحب وأعيش كما أحب”.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك