من “التوحُّد الشديد” إلى “التوحد الخفيف” يوسف أبو عجوة.. متوحدٌ يتكئُ على “طول بال” أمه

22 سبتمبر , 2018

يوسف.. احفظ جداول الضرب هذه، سأسالك فيها بعد أن أنهي ترتيب الملابس، قالتها الأم لتشغل ابنها، وتتفرغ قليلًا لأعمال المنزل، لكن ما إن فتحت خزانة الملابس وهمَّت بالعمل، حتى جاءها يقول: حفظت يا ماما.

كذَّبت الأم أذنيها، فسألته: ماذا حفظتَ؟، ولما أجاب: حفظتُ جداول الضرب، عادت لتسأله: متأكد؟، وأمام ثقة يوسف، قرَّرَت أن تتأكد بطريقة عملية، فأخذَت تسأله عن ناتج الضرب لأرقام مختلفة من جداول الواحد إلى الاثني عشر، وهو يجيب بلا تردد، فاحتارت، كيف لابن السنوات الست أن يحفظ في دقائق معدودات ما قضت هي المرحلة الابتدائية كاملةً وهي تُصارع لحفظه؟!

هذا أحد المواقف الكثيرة التي تشير إلى قدرات عقلية غير عادية يتمتع بها الطفل المُصاب بالتوحد يوسف أبو عجوة، قدراتٌ ما كانت لتظهر وتبهر الآخرين لولا الجهود المضنية التي بذلها والداه، اللذان أخذا بيده من مرحلة التوحد الشديد إلى التوحد الخفيف.

السيدة رشا أبو عجوة، والدة يوسف، أخبرتنا بطريقة تعاملها مع الهدية الإلهية، لعلَّ قصتها تكون حافزًا لأمهاتٍ أخريات..

مشكلة في السمع؟

البداية: يوسف بعمر الأربعة عشر شهرًا، لا يستجيب لمن يناديه باسمه، تُرى هل يعاني من مشكلة في السمع؟! استبعدت الأم هذا الخيار؛ لأنها لاحظت أن صغيرها يلتفت لأصوات الأغنيات المخصصة للأطفال.

أضِف إلى ذلك أنه لم يكن ينام تقريبًا، حتى أن والداه تقاسما ساعات الليل، أحدهما ينام نصفه، والآخر يتابع الصغير، ثم يتبادلا الأدوار في النصف الثاني.

أخذته والدته إلى المستشفى، وهناك أجرى الأطباء تخطيطًا لسمع الطفل، وكانت النتيجة أن سمعه سليمٌ تمامًا.

الجولة الأولى في البحث عن السبب لم تأتِ بنتائج، لكن الأم لم تستلم، فهي مصممة على معرفة المشكلة لعلاجها مبكرًا، حتى قصدت طبيبًا نصحها بإعطاء يوسف دواءً منومًا، وبعد التدرج في الجرعات، وصلت إلى الحد الأقصى المسموح، لكن لا جدوى، وهنا شكَّ الطبيب بإصابة الطفل بالتوحد.

كانت الخطوة الثانية، التوجه إلى مؤسسة مختصة بالتعامل مع أطفال التوحد، وهناك سَرعان ما تأكد المختصون من الأمر، فالعلامات كانت واضحة جدًا بالنسبة لهم.

حزنٌ وصدمة وألم، مشاعرُ لا يمكن ألا تمرَّ بها أمٌّ عرفت أن فلذة كبدها مُصابٌ بالتوحد، لكن أم يوسف لم تسمح لهذه المشاعر بأن تسيطر عليها، ففي اللحظة التي عَرَفت فيها التشخيص، طلبت من الأخصائي بَدء الجلسات العلاجية.

أنظمة غذائية، وخلطات أعشاب، وعلاج بـلسعات النحل، والكثير من الأدوية، كلها لم تنهِ المعاناة، وإن كان بعضها خففها بدرجة ضئيلة للغاية.

استمر الأمر على هذه الحال حتى دخل يوسف عامه الرابع، حينها توجهت الأم إلى مركز للتأهيل والتخاطب، وجدت الحل عنده، وأخذ الطفل يتطور بدرجة ملحوظة بعد إخضاعه لبرنامج تأهيل سلوكي لغوي، ووقف الأدوية.

في روضة الأطفال

في ذلك الوقت كان يوسف قد وصل سن الالتحاق برياض الأطفال، ولم يكن ذهابه للروضة مناسبًا من وجهة نظر العائلة، لولا إلحاح الأخصائي المشرف عليه.

تقول أم يوسف“: آنذاك لم يكن ابني يتكلم، ولا يعرف الأساسيات التي تمكنه من فهم الدروس والإجابة على أسئلة المعلمة في الحصة، فخشيت أن يكون عرضة لسخرية زملائه، ورأيت أن تأخير التحاقه بالدراسة ضرورة لا بد منها، لكن الأخصائي أقنعني وقال لي (أرسليه للروضة وستريْ نتائج مذهلة)”.

اختارت الأم روضة أطفال بعيدة عن بيتها حتى تمنع نفسها التردد عليها في أثناء وجود ابنها فيها، ليتسنى له أن يندمج مع أقرانه بمفرده.

كيف مرَّ اليوم الأول؟ لقد كان مأساة وفق وصف أم يوسف التي تقول: لم أستوعب بقاءه بعيدًا عني لعدة ساعات، خاصة أنه لا يتكلم، شعرتُ بوجود نقص عنده قد يسبب له مشكلة في أثناء وجوده مع أطفال طبيعيين.

وتضيف: عندما عاد عانقته عناقًا طويلًا من شدة شوقي له، وبالطبع لم يخبرني بأي شيء عن يومه، لكنني اطمأننت إلى حد ما لكونه تمكن من قضاء ساعات الدوام في الروضة.

مضت عدَّة شهور سارت خلالها الأمور على ما يرام، ثم وقع ما كانت تخشاه الأم، فقد تعرض يوسف للضرب والخنق من زملائه، بدرجة كادت أن تنهي حياته، وفي موقف آخر شرب البنزين في الروضة.

أمام هذا الخطر ومع كل الرعب الذي تملك قلب الوالدين، رفضا الاستسلام، فلم ينهيا مسيرة ابنهما التعليمية بذريعة الخوف عليه، وإنما اكتفيا بنقله إلى روضة أطفال أخرى.

تردد يوسف على رياض الأطفال لثلاث سنوات، بدلًا من سنتين، وبالتالي تأخر عن العمر الطبيعي للالتحاق بالمدرسة عامًا واحدًا فقط، وهو ما تراه الأم إنجازًا غير متوقع.

دليل مختصر لتحفيز الأطفال المصابين بالتّوحد

ثم المدرسة

حان دور المدرسة، فكانت تجرِبة مختلفة تمامًا، تقول عنها الأم: شتان بين اليوم الأول في الروضة، واليوم الأول في المدرسة، فعندما توجه إلى المدرسة كان إدراكه قد تطور إلى حد ما، وكان يتكلم، ما جعل خوفي عليه أقل بكثير مما كان في السابق.

وتضيف: كان سعيدًا بذهابه إلى المدرسة عندما علم أنه سيستقل الحافلة يوميًا، لكن بعدما قضيت وقتًا قصيرًا معه في المدرسة، طلب المغادرة، فاضطررت لتركه دون أن ينتبه، وهو ما أثار غضبه عليّ عندما عاد إلى البيت، ولكن سرعان ما اعتاد.

وكما هو الفرق كبير بين الروضة والمدرسة، فإنه كبير أيضًا بين الصف الأول، والصف الثالث، فاليوم يدرك يوسف معنى الدراسة، والاختبارات والاستعداد لها، وتحسنت درجاته فيها، وصار يأخذ مصروفه اليومي ليشتري من المقصف، بدلًا من أن تترك والدته المصروف في المقصف كما كانت تفعل في بداية التحاقه بالمدرسة، أضف إلى ذلك أنه يكتب كما لو كان خطاطًا ودفاتره بالغة الترتيب.

وتوضح أم يوسف“: في الصف الأول لم يكن يفهم المطلوب من السؤال، فمثلًا أسئلة (الصح والخطأ) كان يضع العلامات أمامها كما يروق له، أما اليوم فهو يعرف كيف يجيب عليها، لكنه ما يزال غير قادر على استيعاب المعلومة بصيغتين، ومع ذلك فأنا سعيدة لأنه في تطور مستمر.

وتشير إلى أن اختيار المدرسة لم يكن سهلًا، إذ فكرت بإلحاقه بمدرسة حكومية، لكن الإمكانيات اللازمة له لم تكن متوافرة، فاتجهت نحو مدرسة خاصة، لكنها ليست لذوي الاحتياجات الخاصة، ليكون اندماجه مع أطفال طبيعيين.

7 علماء عانوا من متلازمة “أسبرجر” في طفولتهم!

الحفظ من المرة الأولى

يتمتع يوسف بقدرة عجيبة على حفظ الأرقام، فإذا سمع، أو قرأ، رقمًا لمرة واحدة يحفظه، ويكرره دون خطأ ولو بعد فترة طويلة، سواء كان هذا الرقم لهاتف أو بطاقة هوية أو غير ذلك، حتى أنه يحفظ رقم كل سورة من سور القرآن ورقم الصفحة التي تقع فيها.

ولتطوير هذه الميزة، حصل على منحة في برنامج حساب الذكاء العقلي، وتدرج في مستوياته قبل زملائه، واليوم هو قادر على حل مسألة من 20 رقم، وهذا ما كشف عن قدرته على الاستنتاج، وليس الحفظ فقط.

وبفضل ميزة الحفظ أيضًا، فإن يوسف يحفظ الكلمات الإنجليزية كما العربية، ويتحدث القدر الذي تعلمه من تلك اللغة بطلاقة.

حِفْظُ الأرقام جعل لـيوسف قصة في كل مكان يتواجد فيه، فعلى سبيل المثال، كان يرافق والدته في إحدى شركات الاتصالات لإتمام معاملة ما، لكنها نسيت رقم الهاتف المطلوب، فاستعانت به، لم يثق الموظف بالرقم، وطلب منها العودة في وقت لاحق، لكن الطفل فاجأه بتكرار اسمه ورقم هويته المكتوبان على بطاقة التعريف التي يعلّقها على رقبته، رغم أن الوجه الآخر للبطاقة هو الذي كان ظاهرًا آنذاك، فما كان من الموظف إلا أن سأله: مالك يا عمو!”، وما هي إلا لحظات حتى تجمع حوله الموظفون وأخذ هو يستعرض قدراته في الحفظ.

هذا الأمر يوقع أم يوسف في الكثير من المواقف المحرجة، فمثلًا لا يدخل سيارة أجرة قبل أن يقرأ رقم لوحتها، ثم يكرره للسائق ويسأله عن اسمه ورقم هاتفه وهويته وغير ذلك من التفاصيل، وإذا ما دخل متجرًا يسأل البائع ذات الأسئلة، وإن كان في مكان عام وانتبه لشخص يكتب كلمة السر ليفتح هاتفه النقال، فإنه يكررها على الفور بصوتٍ مرتفع.

في البداية كانت أم يوسف توضح الأمر في مثل تلك المواقف، لكن لكثرتها لم تعد تبرر إلا للضرورة، وتشعر أحيانًا أن هذه المواقف تُسهم في تغيير نظرة بعض الناس عن التوحد عندما يروا متوحدًا يتمتع بذلك الذكاء.

6 أفلام تساعدك على فهم اضطراب التوحد

رفيق المطبخ

رشا كما يناديها ابنها، تحمد الله أن منّ عليها بذلك الصغير الذكي، وفي كل موقف تشعر أنه هدية إلهية، ولا تكف عن ترديد أنا أمٌ لطفلٍ مريض وفخورة به.

تقول: أنا وزوجي تقبلنا مرض ابننا فور معرفتنا بالأمر، لكن ما كان يزعجني في البداية نظرات الشفقة التي أراها في عيون الآخرين.

وتضيف: يستغرب بعض الناس من تقبلي لمرض ابني، ومن الناس من يمتنع عن وصفه بالمتوحد مراعاة لمشاعري، هؤلاء لا يعرفون مكانة يوسف عندي، ولا يعرفون أنه الابن البار الذي لا يقول لي (لا)”.

يوسف، ذلك الأسمر الوسيم، لا يبدو مصابًا بالتوحد لمن يلتقيه، كل ما في الأمر أنك تلحظ عليه إلحاحه للحصول على ما يريد، كأي طفل لحوح، في أثناء اللقاء كان يحل أسئلة عامة في لعبة مثبتة على هاتف والدته، وكلما عجز عن إجابة سؤال يستعين بأمه، وإن لم تعرف لا يتوقف عن تكرار السؤال، حتى تقسم والله ما بعرف مع ضحكة تُشعّ حبًا وحنانًا.

وعلى ذكر الهاتف النقال، كان يوسف مدمنًا على استخدامه، وعندما عرفت والدته خطورته عليه، منعته من استخدامه إلا بتوجيهها، أي في أوقات محدودة، وباستخدام ألعاب معينة، كألعاب الذكاء والمعلومات العامة.

وصول يوسف إلى ما هو عليه اليوم، هو نتاج التحرك المبكر لعلاجه، والصبر الجميل من ذويه، والعزم والإرادة عند الأبوين، تقول والدته: لي قريبة مصابة بالتوحد، لم تجد الاهتمام الكافي، فكانت نموذجًا سلبيًا لم أُرد أن أكرره مع ابني، لذا جعلته على رأس أولوياتي في الحياة، وكأن رعايته هي المهمة الوحيدة المطلوبة مني، فأخذت أتردد على المراكز العلاجية، وأبحث عبر الإنترنت، لأعرف كيف أنقل ابني لمرحلة أفضل.

وتضيف عن بعض ملامح رحلتها مع ابنها: كنت أتمنى أن أسمع صوته، أن أعرف هل هو ناعم أم خشن، ذلك لأنه لم يكن يتكلم، لو عطش يمسك بيدي ويأخذني إلى مكان المياه، ولو جاع يشدني نحو الثلاجة، وهكذا.

جعلته رفيقها في المطبخ، ليتعرف على أسماء الأشياء، فمثلًا في أثناء الطبخ، تطلب منه ما تحتاجه من الخضراوات، وتذهب معه إلى الثلاجة ليحضراها معًا.

وللمطبخ حكاياتٌ كثيرة، فهو ضحية نوبات العصبية، إذ يكسر يوسف الكؤوس والأطباق وغيرها إذ ما غضب، وأحيانًا يلقي ببعضها من النافذة، وتقول والدته: في أوقات كثيرة كان يؤذن الفجر بينما ابني وابنتي الكبيران في الشارع لجمع ما ألقاه يوسف من النافذ في أثناء نومنا، لقد جددت المطبخ مرتين، والآن هو بحاجة للتجديد، لكنني لن أفعل لأنني أعرف مصيره.

تلك المعاناة عادت على أم يوسف ببعض الفوائد، توضح: أنا صبورة بالأساس، ومع يوسف ازددت صبرًا، كما أن يوسف أعاد لي شغف القراءة، فأنا أقرأ لأتمكن من الإجابة عن أسئلته، ومن اللطيف أنني أصبحت أعرف كل تفاصيل البلد، لكثرة ما تنقلت بين المراكز العلاجية، وأنا التي لم أكن أعرف الأماكن مطلقًا.

بعد ما بذلَتْه، وتبذله، من جهد، إلى أين تتمنى الأم أن يصل ابنها؟، تجيب: كل ما أريده أن يكون قادرًا على الاعتماد على نفسه، فأنا ووالده لن نعيش العمر كله معه، لا تعنيني العلامات في نهاية العام، ولا الدرجات العلمية التي يبلغها، وإن كنت أتمنى أن أراه طالبًا جامعيًا، ثم موظفًا قادرًا على العمل كما يحصل مع بعض مصابي التوحد.

طول البال، تلك الصفة هي كلمة السر في العلاج، وفق تجربة أم يوسف، لذا فهي تنصح الآباء والأمهات الذين رزقهم الله بأبناء متوحدين بأن يتحلوا بالصبر، أما من يخجلوا من ابنهم المصاب بالتوحد، فتتحدث عنهم بحُرقة: أعطاهم الله هذا الابن وسيحاسبهم عليه، عليهم أن يتحركوا دون خجل، فالمتوحد قد يحقق ما لا يحققه أقرانه الطبيعيون إذا حصل على الاهتمام المناسب، وابني نموذج لذلك.

تطبيقات تعين على التعامل مع مرضى التوحد

دور الأهل

توجهنا ببعض الأسئلة إلى علاء الدين الصوص، الأخصائي المشرف على حالة يوسف للتعرف على أسباب تطوره الكبير، يقول:

أخضعت يوسف لبرنامج سلوكي لغوي، واعتمدت على دمجه مع أطفال طبيعيين وليس مع ذوي احتياجات خاصة، لأنمي عنده التقليد والتفاعل الاجتماعي.

ويضيف: الدور الأكبر في العلاج يكون على عاتق الأهل وليس المختصين، فنحن نوجههم وهم يكملون المهمة، وتطور يوسف يعود بدرجة كبيرة إلى عزيمة والديه.

ويتابع: حالة يوسف أعطت أملًا لكثير من ذوي المتوحدين اليائسين، فهم إذا رأوه يتشجعون ويتحركون لتطوير أبنائهم على غراره.

ولتحقيق مثل هذا النجاح، ثمة نصائح من الأخصائي: في المرتبة الأولى يأتي التدخل المبكر فور اكتشاف المشكلة، والاعتماد على برنامج التأهيل السلوكي وليس على الأطباء، ثم تحلي الأبوين بالإرادة والعزيمة، وإدراكهما بأن الاعتماد على المختصين لا يغني عن دورهما، ومن الضروري وضع خطة علاجية بالتزامن بين الأهل والأخصائي، ولا بد من الابتعاد عن الأدوية.

حين يتعلق الأمر بالطعام، أطفال التوحد انتقائيون! (مترجم)



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك