هكذا تربَّعت “غالية نواس” في قلوب طالباتها

27 مايو , 2019

مهمة المعلم لا تتوقف عند شرح الدروس

أستمتع بصنع الوسائل التعليمية وتحويل الدروس لأغاني

بالإشراف سألفت أنظار المعلمين للجانب النفسي

دموعٌ تنساب على وجنات الصغيرات، فتمسحها معلمتهن غالية نوّاس بحنان، لكن صوت بكائهن يرتفع أكثر؛ فتشاركهن البكاء، ثم تخفف عنهن حزنهن بوعدٍ تقطعه أمامهن: سأزوركن في يوم إجازتي، السبت من كل أسبوع، لأشرح لكن الدروس، لم يكن هذا الوعد كافيًا؛ فاضطرت للخروج من المدرسة بينما طالباتها يلوحن لها بأيديهن والدموع تغطي وجوههن، وفي المساء اتصل بها عدد من أولياء الأمور ليخبروها أن بناتهن رجعن لبيوتهن بعيون منتفخة وقلوب مكسورة.

في اليوم التالي تزور نوّاس طالباتها قبل التوجه إلى عملها الجديد، لمحتها بعضهن بينما هي لا تزال في الشارع المؤدي للمدرسة، فصرخن بسعادة معلنات الخبر السعيد، أن معلمتهن قد جاءت، فركضت الطالبات نحوها خارج المدرسة، غير آبهات بالطابور الذي كنَّ يقفن فيها، ولا بالنشيد الوطني الذي كان يصدح، التففن حولها، وتعلقن بها، وعدنَ للبكاء مجددًا.

هذان المشهدان كانا في وداع غالية لطالبات الصف الرابع الابتدائي اللواتي تدرسهن، بعد أن كلفتها وزارة التربية والتعليم بالعمل مشرفة، تُرى كيف كسبت قلوب الطالبات بهذه الدرجة؟

التخصصان معًا

في سنوات الدراسة كانت غالية طالبة متفوقة تحجز لنفسها مكانًا في المراكز الأولى سنويًّا، لكن في الثانوية العامة لم تأتِ الرياح بما تشتهي السفن، فقد درست هذه المرحلة المفصلية عام 1990، أي أن الانتفاضة الفلسطينية كانت في أوجها.

تقول: الأوضاع السائدة في فلسطين كانت عائقًا أمام الحصول على معدل مرتفع، ولم يكن هذا حالي وحدي، وإنما الأوائل الآخرون في مدرستي شاركوني ذات المصير.

وتضيف: حاول أهلي إقناعي بإعادة العام الدراسي للحصول على معدل أعلى، لكنني رفضت، والتحقت ببرنامج دبلوم في اللغة العربية، ولم أكن أحب التخصص، متابعة: في نهاية العام حصلت على فرصة لدراسة تخصص الاقتصاد المنزلي، فلم أتردد لأنه يتوافق مع ميولي، خاصة فيما يتعلق بفنون الطبخ.

قسَّمت غالية وقتها بين التخصصين، فصارت تدرس منهاج اللغة العربية صباحًا، وتجعل المساء لمساقات الاقتصاد المنزلي، وفي النهاية كانت من أوائل دفعتيها في التخصصين.

حصولها على شهادتي دبلوم بتفوق منحها فرصتي عمل فور تخرجها، اختارت إحداهما، فعملت معلمة اقتصاد منزلي لطالبات الثانوية العامة في مدرسة حكومية.

والدة غالية كانت متوفاة، وكانت الأخوات تتشاركن مسؤولية البيت، وكلما تزوجت إحداهن تولت الأمر مَن تَصغرها، وبالتزامن مع التحاقها بالعمل، حان دورها في تحمل دورها في رعاية الأسرة، ثم لم تلبث أن تزوجت، أي أن حياتها لم تكن مستقرة، ومع ذلك أبلت بلاءً حسنًا.

هكذا أتقنت عملها

توضح: كان فرق العمر بيني وبين طالباتي بسيطًا جدًّا، كوَّنت معهن علاقة رائعة، وكنت أستمتع كثيرًا بتدريس الاقتصاد المنزلي، استمريت في عملي هذا 11 عامًا، تنقلت فيها بين ثلاث مدارس.

تبين: في المدرسة الأخيرة بدأت بتدريس اللغة العربية لطلبة الصف الأول، إلى جانب عملي في المرحلة الثانوية، وكان ذلك على غير رغبتي، فوقعت الكثير من المشاكل مع مديرة المدرسة، ووصل الأمر لتدخل مديرية التربية والتعليم في المنطقة، وحينها أبدى المشرفون الذين تدخلوا لحل المشكلة إعجابهم الشديد بأدائي في تدريس الأطفال.

رغم عدم رضاها، إلا أنها لم تقبل بغير الإتقان، تقول: شكّل تدريس طلبة الابتدائية عبئًا كبيرًا عليَّ، ولم يسمح لي ضميري بالاستهتار في تعليمهم، فاستشرت معلمات أثق بقدراتهن، أخذت أتنقل بين بيوتهن البعيدة عن بيتي، أسألهن عن طرق تحضير الدروس والشرح لطلبة المرحلة الأساسية.

حدث ما لم تكن تتوقعه، لقد أحبّت غالية الأطفال، واستمتعت بتعليمهم، فما كان منها إلا أن تتوقف عن تدريس طالبات الثانوية تماما، لتتفرغ لطلبة الصف الرابع الابتدائي، بعد أن عاد حلمها القديم للظهور بقوَّة، فقبل بدء مسيرتها المهنية كانت ترغب بأن تكون معلمة للمرحلة الأساسية، لكن حبها لتخصص الاقتصاد المنزلي أخذها بعيدا عن هذا الحلم.

تقول: لم أكن يومًا تقليدية في عملي، فبطبيعة شخصيتي أميل للابتكار، وقد وجدت في تدريس الأطفال مساحة أكبر للإبداع، وهذا من أسباب تمسكي بالعمل معهم.

وتضيف: في البداية كانت الوسائل البسيطة مجدية، كممارسة الرياضة لدقائق قليلة خلال الحصة، أو استخدام وسائل ورقية وبطاقات، أو الاستعانة بالقصص في الشرح، لكن أبناء الجيل الحالي بحاجة لوسائل أكثر تلاؤمًا مع واقعهم، خاصة مع إكثار المعلمين من استخدام الأساليب التعليمية المختلفة.

وتتابع: لتطوير وسائل الشرح أكثر أستخدم مكونات متوفرة وبسيطة، فلو وقعت يدي على قصاصة ورق ملونة، أحوِّلها لوسيلة تعليمية، خصصت خزانة ملأتها بمثل هذه المكونات.

تصنع غالية الوسائل التعلمية بيديها، وتؤلف القصص، وتكتب الأناشيد وتلحنها، تحول الدرس إلى عبارات بسيطة ضمن أنشودة ترددها مع الأطفال، ثم تشرحها لهم.

ليست هذه الوسائل التعليمية الوحيدة، بل ثمة طرق غير مباشرة تعتمد عليها لتحفيز طالباتها على الاهتمام بدروسهن، منها كتابة عبارات تحفيزية على دفاترهن، وأحيانا تكتفي بكلمة أحبك لتمنح الصغيرة من الحب ما يحرّكها نحو الاجتهاد، ويوميًّا تختار الطالبة الأكثر تفاعلًا مع الدرس، وتضع على رأسها قبعة مزيّنة مخصصة لهذا الأمر، ثم تلتقط لها صورة بهاتفها النقال.

ولمزيد من الحماسة تدمج طالباتها في أنشطة خارج المدرسة، كالمسابقات الرياضية التي تنظمها وزارة التربية والتعليم، وبعض الفاعليات التي تطلقها مؤسسات مجتمعية.

رغم أن الصف الواحد في المدرسة الحكومية يضمُّ نحو 50 طالبة، تحرص نوّاس على إشراك طالبتها جميعا في مختلف النشاطات، داخل الصف وخارجه، ولا تقصر ذلك على المتفوقات منهن، بل أحيانا تهتم أكثر بذوات القدرات الأقل، حتى أنها تنظم لهن نشاطات خاصة لتقويتهن دراسيًّا.

وتبيِّن: أنظر لنقاط قوة الطالب فأعززها، وأهتم بتقويم نقاط ضعه، وإن لم يكن متفوقًا دراسيًّا أبحث عن مساحات أخرى يبدع فيها، فقد يكون صاحب صوت جميل، أو موهوبًا في الرسم.

أن يكون المعلم قريبًا من الطالب بهذه الدرجة، لا يعني أن يكون متراخيًا، بل لا يستطيع أن يبني مع طلبته علاقة متوازنة إلا بقوة الشخصية، بحسب غالية، التي توضح: يميل الطفل للمعلم قوي الشخصية، ولو شعر أن أستاذه ضعيف فلن يهتم بالأنشطة التي ينظمها؛ لذا فأنا أقسو على طالباتي (قسوة أم)، في اللحظة المناسبة، وسرعان ما تأتيني المخطئة معتذرة، فأشيد بتصحيحها لخطئها، وأؤكد لها حرصي على مصلحتها.

ومن وجهة نظرها، فإن: قوة الشخصية لا تعني التسلط، بل هي الأدب والحزم والجرأة.

لسنوات متتالية حصدت طالباتها المرتبة الأولى في الاختبارات الموحدة على مستوى المحافظات، وفي كثير من المرات، فزن في مسابقات تحت إشرافها، وفي 2009 شاركت في تحسين المنهاج وأدلة المنهاج.

دليلُ كفاءةٍ لا نقص

يرى كثيرون أن تعليم طلبة الثانوية العامة دليل على كفاءة المعلم، وربما لهذا السبب استاءت غالية نوّاس في البداية من تدريس الأطفال، وبعد نحو 18 عامًا من العمل مع طلبة الابتدائية، ترى أنها كانت مخطئة في نظرتها، إذ باتت مقتنعة أن الإسهام في تربية الأجيال الناشئة مهمَّة عظيمة تحتاج لمعلمين متميزين، لكونها تُسهم في التغيير في المجتمع كله لاحقًا.

تقول: المعلم الحقيقي ليس مجرد شخص ماهر في شرح الدروس، إنما هو قدوة حسنة، ومربٍ يغرس القيم في الصغار، مضيفة: لكي أكون قدوة لطلبتي، اضطر أحيانًا للتحكم في تصرفاتي بما يكون لصالحهم تربويًّا، كأن أكظم غضبي في بعض المواقف.

ويبدو أن هذا التحكم لأجل الأطفال عاد عليها بالنفع، إذ تحوَّل إلى صفات اكتسبتها ودروس تعلَّمتها، وعن ذلك توضح: أصبحت صبورة أكثر من السابق، وتعلمت أن أعطي الحب والحنان والعطف.

مواجهة الحياة

منذ سبع سنوات تقريبًا، مرَّت غالية نوّاس بظروف صعبة أدخلتها في حالة انهيار، لكن لم تلبث أن قررت مواجهة الواقع، كما تقول.

تضيف: توجهت لكل ما يشغل فكري بعيدا عن الصدمات التي عشتها، وارتأيت أن التغلب الصحيح على المشاكل يكون بتحقيق المزيد من النجاحات، لذا التحقت بالجامعة من جديد للحصول على درجة البكالوريوس في التعليم الأساسي.

وتتابع: درست باجتهاد حتى حصلت على درجة الامتياز في كل الفصول الدراسية، وفي ذات الوقت كنت عضوًا في لجنة مبحث اللغة العربية في مديرية التعليم بمنطقتي، وشاركت في الكثير من الأنشطة المجتمعية، وعملت في وضع خطة لتطوير الحي الذي أسكنه، وقدمت دورات في صنع الأغذية، وأعددت كتابًا في فنون الطهي، لكني تراجعت عن نشره قبيل طبعه بأيام قليلة بسبب تسريبه من المطبعة.

وتواصل: فترة الدراسة كانت عصيبة، فيها الكثير من الضغط والإرهاق، ففي بدايتها كنت حاملًا بابني الأصغر، وكانت ابنتي في الثانوية العامة، ناهيك عن واجباتي في بيتي، ومشاركاتي في الأنشطة خارجه، ومع كل ذلك حصلت على لقب (معلمة متميزة) على مستوى المحافظة.

كنت أنظِّم وقتي بالثانية، هكذا تغلَّبت نوّاس على الضغط فترة الدراسة، فكانت تبدأ يومها مع وقت صلاة الفجر، تجهز كل مستلزمات البيت، ثم تنطلق للمدرسة، ومنها إلى الجامعة لحضور المحاضرات، وبعدها يحين دور الأنشطة المجتمعية، وأخيرا تعود لبيتها لتبدأ مارثون التدريس والرعاية لأبنائها الستة، أما الحياة الاجتماعية فقد نسيتها في تلك الفترة، فلا زيارات ولا مشاركة في المناسبات.

توضح: في أيام الاختبارات كنت أكتفي بالنوم لساعة واحدة ليلًا، أستيقظ بعدها لأدرس، ومع إعلان اسمي ضمن الأوائل في حفل التخرج نسيت كل الصعاب التي مررت بها، تمنيت حينها أن أصرخ من الفرح مرددة (الحمد لله)”.

قبل نحو شهر انتقلت غالية نوّاس من دور التعليم إلى دور الإشراف، فبعد العمل في تغيير الطلاب، حان الوقت لإحداث التغيير عند المعلمين، على حد قولها.

تبين: من خلال عملي مشرفةً، أرغب بتوجيه المعلمين نحو الاهتمام بالجانب النفسي، وأن يتعاملوا مع الطلبة بحب واحتواء، ويهتموا بالضعاف منهم؛ لأن تحسين قدرات هؤلاء وتعزيزهم يزيح عبئًا كبيرًا عن المجتمع كله؛ فالطالب إن لم ينجح في مدرسته، وقابله معلمه بالإساءة أو الإهمال ربما يسلك طريقًا غير مرغوب؛ فيضر نفسه ومجتمعه، وأريد أن أزرع في المعلم أن من واجبه أن يكون مرشدًا ومعالجًا نفسيًّا، وأن يكون أمًا وأبًا للطفل.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك