وراء هذه الصورة قصة

12 يوليو , 2015

في تونس خلال المرحلة الثانوية يختار كل تلميذ أن يتوجه إلى شعبة من الشعب التي تدرس خلال السنة الثالثة والرابعة الثانوي (تسمى البكالوريا وهي آخر سنة في المرحلة الثانوية) فمن الممكن أن يختار شعبة العلوم التجريبة أو الرياضيات أو الآداب أو الاقتصاد أو التقنية. غالبًا ما يكون التلاميذ المتوجهون إلى شعبة الآداب وحتى الاقتصاد من التلاميذ الغير المتفوقين وقد يكون اختيارهم لهذا التوجه ليس حبًا في المواد المُدَرّسة بل لأنهم كرهوا المواد العلمية أو لم يتألقوا فيها ولم يجدوا الدعم الكافي لاكتشاف ميولاتهم الحقيقية. في هذا الإطار تحدثت مع التلميذة “غادة بوعجاجة” التي نجحت بتفوق هذه السنة في مناظرة البكالوريا وإليكم تفاصيل الحوار :

 

– غادة أريد بدءً أن أبارك نجاحك في الباكالوريا -الثانوية العامة- بإمتياز عن شعبة الآداب وأنت التي أصبح أغلب متابعيك على صفحتك بالفايسبوك يعرفون قصة تحولك من شعبة العلوم إلى شعبة الآداب … أود لو تذكري لي تفاصيل هذه التجربة.

غادة : أصبح الكل تقريبًا يعرف قصة توجهي لشعبة الآداب بعد قضاء سنة في شعبة العلوم، و قد سبق وأن طالبني البعض بالكف عن الحديث في هذا الموضوع بدعوى أنني أكسبته حجمًا أكثر مما يستحق ..لكن أنا لن أمل ذلك وسأصدع الرؤوس إن لزم الأمر بتكراره، علني أكون سببًا في كسر قيود أحاطت أحدهم ..
أنا نشأت في عائلة تعشق اللغة العربية وتقدر الآداب ويحظى الكتاب فيها بأهمية بالغة، فأبي أستاذ في الجامعة متحصل على الدكتوراه في اللغة و الآداب والحضارة العربية وأمي كذلك أستاذة عربية ولكِ أن تتخيلي كيف تكون أجواء حديثنا في البيت، فأغلب عباراتنا مستقاة من الأشعار والكتابات العربية مما عزز فيّ حب هذا المجال والتعلق به أكثر، لكن عندما حانت اللحظة الحاسمة لاختيار تخصصي الدراسي اخترت العلوم أو أجبرت على ذلك إن صح التعبير نتيجة لأصداء هذه الشعبة في مجتمعنا.
رغم كل ذلك  وبعد دراسة سنة ثانية علوم (إرضاء لرغباتهم ) وبعد تعمير ورقة التوجيه للمواصلة في ذلك الطريق ألهمني الله قبل سويعات من تسليم الورقة أن أغيّر رأيي وأن أغض الطرف عن كل الآراء التي حاولت اثنائي عن اتباع ميولاتي علمًا وأني لم أغير شعبتي هروبًا من العلوم بل حبًا في الآداب.
كانت تلك الخطوة بمثابة ولادة جديدة، حيث أصبحت الدراسة بالنسبة لي متعة وسعادة لا يدركها إلا من عاشها .. في السابق كنت أغبط أصدقائي لحماسهم عند حل المسائل الرياضية والفزيائية وأحزن كثيرًا لأنني مهما تظاهرت بذلك لا استطيع أن أحفز نفسي على دراسة العلوم .. و لكن اليوم عند كل اختبار آتفاعل بكل جوارحي مع معطياته..
لولا تلك الخطوة لتحصلت على معدل متواضع جدًا الآن في شعبة العلوم بالباكلوريا لأن دراسة اختصاص لا تحبه أمر مقرف حقًا يفقدك الحماس ولكن بفضل حبي لشعبتي تمكنت الحمد لله من الحصول على المرتبة الأولى في معهدي في شعبة الآداب بمعدل سنوي 14.32 من 20 و13.41 من 20 في مناظرة الباكلوريا..

 

– هنا تبدو صورتك وأنت تتسلمين جائزة ختم التعليم الثانوي بتفوق، يبدو أن وراء هذه الصورة أمر ما …

LLLL

غادة: هذه الصورة التي تجمعني بخلود كانت قبل يومين اثر حفل توزيع الجوائز على الأوائل بالمعهد، خلود هي صديقة اجتازت الباكلوريا شعبة علوم تجريبية السنة الماضية ولكنها لم تنجح، رسبت وأعادت السنة رغم أنها تميزت بمعدلاتها المتفوقة في السنوات السابقة … رسبت لأن شعبة العلوم لم تكن من اختيارها بل من اختيار من أحاطوها والذين تفانوا في إقناعها بأن العلوم تبشر بمستقبل واضح مفتوح الآفاق، فقبلت بذلك مكرهة واضطرت لكبت رغبتها الملحة في دراسة الآداب ..

بعد الفشل قررت خلود تحطيم ماحال دون نجاحها و تجاوزه فغيرت الاختصاص من العلمي الى الأدبي و ها هي الصورة تتكلم، خلود التي رسبت السنة الفارطة استطاعت بفضل الله أن تتحصل على المرتبة الثانية في المعهد على شعبة الآداب هذه السنة بمعدل سنوي يفوق ال 14 من 20 و معدل 13.28من 20 بالمناظرة وهو يعتبر معدل جيد جدًا بالنسبة لشعبتنا بما أن كل موادنا من العلوم الانسانية، فمن المستحيل تقريبًا أن نتحصل فيها على علامة كاملة فيكون أقصاها عادة 15 ..
وهذا سبب تمسكي بهذا الموضوع وتكراري المُلح له لأن خلود هي من بين العشرات الذين أعرفهم وقد واجهوا نفس ما اعترضها أو أقسى من ذلك .. وإن تكرر هذا الخطأ مع تلاميذ آخرين فلن ينتج مجتمعنا سوى نسخ متطابقة غير قادرة على التميز تفتقر إلى الحس الابداعي ..

 

– برأيك ماهي الأسباب الرئيسية التي تجعل المجتمع بصفة عامة ينفر التلاميذ من التوجه إلى الشعب الأدبية؟ أي ماهي الحجج التي يستندون عليها لإقناع أبنائهم؟

غادة: في الحقيقة المجتمع يستند الى حجج واقعية وملموسة فهو يرى العدد الكبير للعاطلين عن العمل في صفوف خريجي الاختصاصات الادبية والعلوم الإنسانية، لكن أصحاب هذا الرأي لهم نظرة أحادية الجانب فهم يتجاهلون نسب البطالة المرتفعة في بقية الاختصاصات، ثم إنهم يرون أن الدراسة في الشعبة العلمية ستمكن التلميذ من الاحاطة بكل المواد باعتبار انهم يدرسون إضافة إلى العلوم اللغات والفلسفة، ولكن هذا لا يضمن نجاح التلميذ وقد يكون سببًا في رسوبه خاصة إذا كان ذو ميول أدبي لا يستسيغ دراسة الرياضيات والفيزياء وقد كنت على مشارف مواجهة مثل ذلك لولا فضل الله ولطفه بي الذي جعلني أتجاهل كلام كل المحبطين الذين حذروني كثيرًا من تغيير توجهي العلمي بدعوى عدم توفر مواطن الشغل لأصحاب التخصصات غير العلمية وبدعوى أن الآداب شعبة الفاشلين ولا تضمن لي مكانة اجتماعية مرموقة كالأطباء والمهندسين، وأظنهم نسوا أو تناسوا أن المحامين والقضاة والمفكرين وعلماء النفس وعلماء الاجتماع والصحفيين والاعلاميين كلهم خريجي الشعبة الأدبية وأن المجتمع يحتاج إلي التوازن فلذلك علينا أن نتفوق في مختلف المجالات لنصنع هذا التوازن المنشود.

 

– إذن أنت تحفزين وتشجعين التلاميذ إلى التوجه لشعبة الآداب لرد الإعتبار لهذه الشعبة ؟

غادة: لا أبدًا، أنا لا أدعوهم لدراسة الآداب بشكل خاص ولكن أدعوهم لاتباع التخصص الذي يشعرون فيه بتحقيق ذواتهم والتحرر من قيود وهمية تكبل طموحاتهم وأقول لهم رجاءً أغلقوا آذانكم قليلاً عما يبثه فيكم المجتمع من سموم، صعب أن تتخيلوا كم تعرضت للاحتقار ولازلت أتعرض إليه إلى اليوم، من أشخاص أحسبهم على درجة من الوعي، لمجرد أني فعلت فعلتي التي فعلت وكان ذلك يحز في نفسي كثيرًا ولكن الإصرار جعلني آتجاوز كل العقبات.

 

– في الختام الكلمة لك

غادة: عذرًا على الإطالة و شكرًا جزيلاً لكل من شجعني على هذا الاختيار، فقد كان لهم الدور الأبرز في هذا النجاح وأشكر أيضًا لكل من قال لي “لن تصلي إلى شيء بتوجهك هذا”
أرجو التوفيق لكل من اختار أن يهب حياته في سبيل تحقيق ذاته وصقل مواهبه .. وسحقًا ثم سحقًا لكل من جعل من إحباط الآخرين وسرقة آمالهم وأحلامهم منهجًا في الحياة ..

– شكرًا لك على هذه المقابلة وهذة النصائح القيمية وفقك الله وسدد خطاك. دمت متألقة 🙂



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

التعليقات تعليق واحد

فاطمة منذ سنتين

للأسف أنا كنت جبانة و استمريت في شعبة الاقتصاد و التصرف لسنة و سنتين و ثلاثة وهأنا اليوم اجتاز امتحان البكالوريا و اتجرع سم سوء اختياري و ضعف شخصيتي. انا المسؤولة عن هذا فانا من سمحت لاصدقاءي بالتأثير على قراري و التحقير من ميولاتي الادبية.
اثناء السنوات الفارطة لطالما عانيت من تدهور علاماتي في مادة التصرف مما جعلني انفر منها و رؤية اي شيء منها يشعرني بالإشمءزاز و هجرتها و ظل مستواي متدني فيها و حدسي يقول ان هذه السنة لن اوفق في نيل شهادتي و التخرج من الثانوية لكن لن اقف و اشاهد مستقبلي ينهار امامي و ساظل احاول و احاول حتى انال بكالوريا في الاقتصاد و التصرف باستحقاق و بمعدل مرتفع حتى وان كلفني هذا اعادة سنة كاملة!! انا تعلمت من خطأءي و انا مسؤولة على قراري اذن ساجعل من الخطأ و التسرع سبب لتميزي في المستقبل ولن يقف اي شيء امام هذا.
اتمنى ان كل من مر بتجربة مماثلة و لم يسعفه الحظ لتدارك امره ان يواصل فيما اختار و ان لا يتوقف على المحاولة و ان يجعل من الضعف قبوة. بالتوفيق للجميع. ✌

أضف تعليقك