يوميات معلمة .. تعرف على الوجهٌ الخفيٌّ في حياة المعلمات!

26 يناير , 2019

صاحبة الصفحة“: تصلني رسائل وقصص كثيرة لمعلماتٍ تنساب منهن فضفضة جميلة وحب كبير

لا تخلع المعلمة التي تدير هذه الصفحة الشخصية الممتعة طاقية الإخفاء، هي التي في كل مرة تكتب فيها على فيس بوك تلقي السلام على الجيوب المملوءة بأقلام التلوين، على الأيادي المغمسة بأحبار القلم؛ على دفاتر التحضير

على الضمير الواقف بين غصتين؛ على جرس المدرسة النحاسي، على صفير الشبابيك في الشتاء؛ على صوتهم المبحوح في الحصة السادسة.. وكأن الكلمات قطع حلوى تعيد تصفيفها المرأة الغارقة في زحمة مسؤوليات لا أول لها ولا آخر ما بين الطابور الصباحي وجدول الحصص و الامتحانات واكتب وصوِّر ووزِّع وطلبات الإدارة التي لا تنتهي.

في هذه المهنة العظيمة تتخيل نفسها أنها عالقة في منتصف نهر وتريد أن تساعد الطالبات على قَطعه حتى تنقُلهم إلى الضفة الأخرى، تنجح في مهمتها ولكن بعض منهن يفلتن من يدها ليأخذهم التيار.

تحب مشهد الطالبات حين يلمحنها من آخر الممر فيهربن إلى الصف، أما القهوة فــ رفيقة دربها ولولاها تفسد إعداداتها، وأكثر اللحظات سحرًا في يومها حين تأتيها طفلة بريئة تمسك بيدها رسالة كتبت فيها كلمات حب ورسمت قلوبًا حمراء.

في التصحيح تصفعها الأوراق المتكاثرة، ومع ذلك تحافظ على ابتسامتها طوال النهار؛ تحاول التأَنق صباحًا قدر المستطاع بعد استراق أكبر عدد من الــغفوات، تبذل جهدها كي تراها الطالبات قدوة قوية منتعشة، وما أن تخرج من باب المدرسة حتى تقع متهالكةً بينما تكون مَهام الطهي والتنظيف والأولاد بانتظارها.

بهدف التنفيس

وجدت مراسلة شبكة زدني للتعليم ترحيبًا دافئا من ضيفةٍ لا تفصح عن اسمها لأسباب تخصها، ومع ذلك اكتفت بالتعريف عن نفسها على طريقتها: أنا معلمة عربية قد أكون في أي مدرسة وأدرّس أي تخصص، أعيش نفس اللحظات التي تعيشها زميلاتي في صفوفهن وفي الأروقة المليئة بصخب الطالبات.

معلمة تبدو أكثر من مميزة بادرت إلى إطلاق صفحة يوميات معلمة على موقع فيس بوك قبل خمس سنوات؛ ويا لها من صفحةٍ متنوعة تفوح منها رائحة زكية عميقة لا يكف المرء عن متابعتها، وكلما قرأ أكثر تأّثر وضحكَ ودمعَ، ليتعرف على وجه آخر لا يعرفه ألبتةَ عن حياة المعلمات.

تُرى ما هو السبب الذي يقف خلف إطلاقها؛ تقول صاحبتها: في البداية أنشأتُ المدونة لنفسي أي أنني كنت أكتب بها كما يكتب أي شخص على هوامش دفاتره؛ ربما ضيقٌ اعتراني في بعض الأوقات لم أجد له متنفسا أو انتقاد لسلوك لم أجرؤ على مواجهة صاحبه. لست أدري ولكنها في المجمل للفضفضة؛ بعض صديقاتي يعلمن أن الصفحة لي إلا أني أحاول إبعادها عن صفحتي الشخصية والعملية.

وتتابع توضيح الهدف منها في بدايات إنشائها: الجميع بحاجة إلى متنفس، دعيني أشبّهها بجلسة أمهات تشكو كل منهن من أولادها لكن ذلك لا ينقص من حبهن أو تفانيهن في رعايتهن لهم؛ المنشورات هنا تمثل حال الكثير من المعلمات، وما يميز صفحتنا أنها ليست خِدْماتية للمعلمين فلن تجدي بها تحضيرًا أو أسئلة سابقة أو حتى نصائح كثيرة لكن هي عرض للوجه الآخر للمعلمة، وهو وجه قلَّمَا يظهر. وبفضل الله تصلني آراء تُبدي استحسان أصحابها لصفحة من هذا النوع.

كثير من القصص التي تعيشها المعلمات تُعرض على الصفحة؛ ففي الكثير من الرسائل هناك فضفضة جميلة وحب كبير ينساب من المعلمات لهذه المهنة، وفقًا لقولها؛ مضيفة: ألطف التعليقات عندما أجد المعلمات تتساءلن عما إذا كنت في مدرستهن لتشابه الحدث مع ما عايشنه في ذلك اليوم، وتروق لي الضحكات التي تنشر شذاها في جُل التعليقات على الصفحة، قلتُ لها: ناهيك عن الصور التي تختارينها ببراعة فــ تأتي على الجرح بشكلٍ غير مُتوقع.

و تتضمن الصفحة الإلكترونية انتقادات لبعض السلوكيات؛ والمفارقة أن ضيفتنا هي أكثر من تغيرت سلوكياته نحو الأفضل بعد هذه الصفحة؛ أما مصادر أفكارها المتجددة التي تُغني بها المحتوى: في أحايينٍ كثيرة يحدث أمامي موقف أو استمع لقصة فأكتبها في رؤوس أقلام على هاتفي ثم أصوغها في وقت آخر؛ الموضوع لا يستغرق مني الكثير من الوقت؛ فالأفكار تتدفق لوحدها في الكثير من الأحيان.

في وقتٍ ما فكرت بشكل جديّ في ترك هذه المدونة؛ وقد فضفضت وقتها بكل ألم: كنت في كل عام أراقب طالباتي وهن يتخرجن من المدرسة لينطلقن في العالم كما تطير أسراب الحمام عندما نفتح لها أبواب القفص وأنا من فتحت لهن الباب ليخرجن لأراهن بعد فترة وقد كبرن وتزوجن، وأنا الأيام ما زالت متوقفة عندي.. عند الصف التاسع.

تحكي لنا عن سبب مراودة تلك الفكرة لها: الإحباط هو ما دفعني لإنشاء المدونة والرضا هو من جعلني أفكر في تركها؛ قبل عام حصلت على الرضا من وظيفتي معلمةً إلى درجةٍ لم أعد أستطيع أن أنظر بعين ناقد.

في منشور لطيف تقول:

قررت أستقيل وأعيش في مزرعة وأصحى بكّير وأعمل فطور ولما يروح الكل لمدارسهم وشغلهم أرتب البيت وأشرب قهوة ولما تقرب رجعتهم أعمل معجنات علشان يوكلوها سخنة وعبين ما تخمر أشرب كاسة الشاي وأنا بتفرج على المطر وهو نازل على أغصان الشجر.. لم أكتم ضحكتي حين سألتها: أيتها المعلمة: كيف حَسمت هذا الصراع المحتدم بين الواقع والأمنيات؟“: لم يُحسم بعد؛ أنا ما زلت معلمة أكتب القليل وما زلت أعيش في المدينة بعيدة عن كوخي الصغير على رأس الجبل، علَّني أكتب قصص رومانسية أو قصص أكشن أو خيال علمي، على أية حال كلها حكايات عشتها مع طالباتي.

وتضيف: يؤلمني أني مهما حلَّقت أعود إلى صفي بين طالباتي؛ فــ خيوط طائرتي الورقية مربوطة بالمدرسة.

الصورة غير كاملة

لو صار معاكِ 100 ألف دولار ما هو نمط المدرسة التي تودين افتتاحها.. تجيب: لن افتتح مدرسة؛ لا أؤمن بالمدارس أو بالمناهج ومن وجهة نظري الامتحانات ليست تقييم للطفل بقدر ما هي تقييد له؛ أؤمن بمركز يُفجِّر الإبداع الذي في الطفل.

مهما حسيت أنك بتعرف طلابك إلا أنه المواقف دايمًا بتثبتلك أن الصورة غير كاملة”.

تقول: بعدما انتهت الحصة السابعة وبدأت الطالبات بالاستعداد للرحيل كانت إحداهن تمشي بتثاقل وتعب  وعندما مازحتها بقولي مالك تعبانة شو كاينة تعملي؟ نظرت الي وقالت: والله من الخمسة صاحية يا مس ألقط ملوخية لأنه لازم الساعة ثمنية الصبح نسلمها للخضرجي.

– حبيبتي ليش كم كيلو قطفتي؟

– خمسين كيلو يا مس ..بس ساعدتني اختي الصغيرة فيهن.

لم أستطع إلا أن أنظر اليها نظرة محبة وتشجيع فقالت لي: نتعب يا مس و لا نحتاج لحدا.

تتحدث المعلمة بقلب رؤوم عن هذا النوع من الطالبات الكادحات: أتساهل معهن .بل أصبحت أنظر لهذه الأطعمة بشكلٍ مختلف ..عندما يبدأ موسم الكرز أعلم أن كل حبة كرز التقطتها أيادٍ صغيرة غابت عن مدرستها أسبوع أو أسبوعين؛ هؤلاء الطالبات يتأخرن بعد خروج زميلاتهن من الحصة ليتحدثن معي عن عملهن ليخبرنني أنهن لولا العمل لبذلن جهدًا أكبر في الدراسة؛ ويا للأسف معظمهن يتركن المدرسة.

وعما تقتضيه كتابة اليوميات، تقول: إنها بطبيعة الحال تختلف عن كتابة رواية لأنني أشتقُّ الأحداث مما يجري حولي لهذا أصبحت أكثر انتباها لما يحدث حولي في المدرسة، وقد يلهمني حوار بسيط مع سائق التاكسي؛ حقيقة أن رسائل الصفحة قدمت لي الكثير من القصص التي جعلتني أوقن أن المعلمين حَملة رسالة في الأرض؛ جعلتني أفكر مرتين قبل أن أتعامل مع الطالبات فبعض قصصهن تدمي القلوب و إن رسمت ابتسامة على وجهها؛ أصبحت أتعامل بتعاطف وما أحوجنا اليه.

قصة لا أنساها عن طالبة كانت دايمًا بآخر الصف ..ما بتعطيك أي تغذية راجعة عن الشرح، ما بتعرفي إذا فاهمة أو لأ أو حتى إذا سامعتك ..نظرات عيونها ما بتكون مركزة معك وأنت تشرحي نهائيًا أشك أنه كان معاها درجة من التوحد .ولكن بامتحان الفيزياء أو الرياضيات كانت تحله كامل وتلاقي طرق مختلفة لحل أي مسألة ولما نيجي نحكي معاها تاني يوم ما كانت تعطي أي استجابة.

في تلك السنة كان في امتحان أولمبياد الفيزياء في الأردن فقررت معلمة الفيزياء إشراكها في المسابقة واهتمت فيها زيادة واعطتها امثلة مختلفة وحضرتها للامتحان.

بس كانت المشكلة الكبيرة إقناع والدها بالسماح لها بالاشتراك والذهاب الى عمان ..وكانت حجته أنها بتساعد أمها في شغل البيت اللي فيه 12 نفر.

ولكن بإصرار المعلمة يومها راحت البنت وشاركت، بعد شهر طلعت النتيجة وكانت نتيجتها الأولى على الأردن وتأهلت للمشاركة في البطولة العالمية.

وكان رد والدها لما بلّغناه بالنتيجة أنه زوجها لأبن عمها زوجة ثانية وما خلاها تكمل السنة الدراسية .وقال للمديرة :احنا بهمنا البنت تفك الحرف..

قبل فترة سألت عنها ..صار عندها كوم أولاد وزوجها يبحث عن الثالثة.. يا ضيعانة.

تُعقِّب بحزن فيما مراسلة زدني يصغي فؤادها: ربما لو قُدِّرَ لهذه الفتاة أن تعيش في عالم آخر لكانت الآن في مختبر بحثي في الفيزياء الحديثة أو في محطة فضاء؛ ربما لكان لها الفضل في تخليص البشرية من أحد الهموم؛ ما يؤلمني هو بقية حكايتها.

المدرسة نادي اجتماعي

لو أن الأمر بيد المعلمة التي ترتدي طاقية الإخفاء؛ لسارعت إلى إجراء تغييرات عاجلة؛ تواصل حديثها: تمضي الطالبة في المدارس الأساسية نحو عشر سنوات) ما يعادل خمس إلى ست ساعات يوميًا، حسب رأيي أنها يجب أن تخرج منها متحدثة باللغة الإنجليزية ولديها مبادئ مهنة يدوية؛ هذان الأمران كفيلان بتأمينها بعمل إن قررت أن تعمل.

وعلى صفحتها الشخصية المُعلنة تتواصل ضيفتنا مع طالباتها رغبةً منها في متابعتهن وأن تبقى على تواصل مع اهتماماتهن في الحياة؛ ومن ناحية أخرى تحاول أن تظهر جانب القدوة في مهمتها، كما تخبرنا.

تسلِّم صديقتنا ورقة الامتحان المصحَّحة مطوية لجميع الطالبات مهما كانت العلامة، وتحرص على مبدأ إضفاء اللمسة الشخصية إلى الصف، تقول في ذلك: أحب الأعمال الفنية، في الصف الكثير من اللوحات والبوسترات والنماذج التي أنفِّذها مع طالباتي و ألوِّنها.

هي من نجحت في تقاسم أعباء البيت مع شريك العمر، إنها محقة تمامًا بعبارتها الزوج المتفهم و غير المتطلب هو نعمة من الله، وهي من تغضب إن قال لها أحدهم: التدريس على أيامنا كان أحسن؟ موضحة السبب: في الغالب لم يعد يرى الطلاب في الشهادة طريقا للحياة الرغيدة، لم يعد أملهم أن يحصلوا على وظيفة عادية، أصبح قدوتهم ممثلًا أو لاعبًا كرة أو حتى فاشوتيستا على الانترنت أو يوتيوبر، وجميع هذه القدوات لم تخرج من المدارس. المدرسة أصبحت بالنسبة لهم ناديًا اجتماعيًّا؛ لم يكن التدريس أفضل بل كانت الحاجة إليه أكثر.

المفارقة التي تُقرُّ بها أنها بعد وقتٍ قصير من عملها اكتشفت أن عالم المدرسة ليس المدينة الفاضلة؛ وأنه يشبه مجتمعات المهن الأخرى؛ تُرى هل غيَّر هذا الاكتشاف شيئًا من شخصيتها: ما زلتُ أرى نفسي طيبة للغاية؛ وكلما شعرت أن الجانب الشرير سيظهر أعاقب نفسي بعمل طيب.. قلتُ في نفسي يا لها من فكرة جيدة.

مسائي والحصة الأخيرة وعاشر عليه درس جديد والأربعين بنت بيتفلتن..

فعليًا كان مارر عليهن 7 حصص وسبع مواد وسبع معلمات ..يعني العقول سكرت وعلى وجوههن مكتوب كلمة مقفل ..وبدك تعطي درس جديد ..والمشكلة حصتين بس في الأسبوع ..يعني ما نقدر نطنش ولا دقيقة..البنات تعبانات وجوعانات وبراسهن بس فكرة وحدة: بدنا نروّح.

بعد ما لملمتهن حسيت حالي بسابق الزمن ..بدي أكمل الخطة لو شو ما صار وهن لما شافنّي هيك بطلن ملحقات يكتبن ولا يرسمن ولا يستوعبن وبلحظة تطلعت عليهن وعلى القلم اللي بإيدي وسألت حالي: أنا شو بساوي؛ كل المعطيات بتحكي انه مش وقت تدريس ..مر بخاطري الفلم اللي عن التدريس بفنلندا اللي كل نهارهم في الدراسة 3 ساعات بس ..واليابان اللي المدرسة بتدور على سعادة وراحة الجيل والمعلم قبل كل شي وحسيت اني مشارك أساسي بالجريمة مش هيك التدريس حرام والله كيف بدي أطلّع مبدعات ..لازم أعمل شي اعترض أسجل موقف اعتصم؛ بس الحمد لله لحظة الصحوة مرت بسرعة وكملت الدرس.

أمام المشهد الدرامي السابق تساءلت عن الطريقة التي بها تستعيد المعلمة توازنها أمام حالة صراع من هذا الطراز: في الكثير من الأحيان أخبر الطالبات بقصة أربطها بموضوع الدرس؛ أحب الحكايات. أخبرهن عن موقف حدث للعالِم الفلاني أو أستشهد بمقطع من فيلم حضرته.. ثم تتنهد بكلمتها العامية المفضلة التي تنمّ عن حيرة واستسلام أنـــَــداري.

تأملات

لأول مرة بنظر إلى زميلاتي نظرة مختلفة معظمهن تعرفت عليهن من أكثر من عشر سنين.

انتبهت لوحدة منهن وهي بتصلي على الكرسي ..ايمتى كبرت؟…وركبها صاروا يوجعوها!..وطول عمرها بتركض من صف لصف و من طابق لطابق.

والتانية وهي بتعبّي الشهادات انتبهت لإيديها..العروق ظاهرة وجلد ايديها صاير رقيق…يالله بتذكر ايديها وهن حلوات ومليانات..وحتى الخواتم اللي كانت تلبسهن اختفن من أصابعها.

والثالثة اللي كانت مثل المانيكان وكل لبسة أحلى من التانية ..نصحانة و ما في غير العباية تخبي مشاكل السمنة اللي بلشت تظهر عندها.

الوجوه تعبانة والأعصاب متوترة والنرفزة حاكمتنا..ومستعجلين نروّح على البيوت عشان نمد رجلينا شوي.

حبيباتي صحباتي الله يعطيكم الصحة والعافية ..أنتن قمري و نجومي.

أمام هذا المشهد تنطق أعماقها بما فعله الزمان بهن: إنها الأيام تمضي آخذةً معها الشباب والجمال والصحة، ليبقى لنا الذكر الحسن إن شاء الله.

تحرص على تطوير نفسها بشكلٍ مستمر:” أقرأ يوميا خمس صفحات من أي كتاب من أي موضوع لأي كاتب أو حتى مدونات، وقد تضطر إلى مسايرة مديرة صعبة المراس بقولها : ماشي يا حجة، تتطرق معنا إلى صراع المعلمين مع الإدارات، بالقول: أركان التعليم متعلم ومعلم والبقية دورهم تسهيل الموضوع وليس تعقيده ومن هنا ينشأ الاختلاف، وبطبيعة الحال لدينا نهفات للتحايل ولكن هذا من أسرار المهنة؛ وفي المقابل نحن ندرك أن هناك الكثير الكثير من القوانين والتعليمات التي تقيد المديرين كان الله بعونهم وبالمحصلة كل خير أو شر سيأتي على رأس الإدارة.

في بدايات تعييني كان معي بالمدرسة أستاذ كبير في السن واقترب موعد تقاعده، كان الأستاذ عن جد طيب وبسيط وكل همه مصاريف أولاده وشغله. حتى ما زلت أذكر انه كان دايما يلبس في الصيف نفس القميص وفي الشتا عنده جاكيت رمادي ..ونادر ما كان يغير لبسه.

وفي يوم اجا للمدرسة والحزن باد على وجهه.. كان راجع من دفن صديق له أيضا مدرس ..وبشكل غريب صار يحكيلنا تخيلوا اولاده تنازعوا على الورثة تبعته (قيمة تقاعده) فوق القبر .طول عمره كان مقصر بحق نفسه عشان أولاده وللأسف ما انتظروا لحين انتهاء العزا.

فصرنا نهوّن عليه أنه مش كل الأولاد هيك ومن هاي القصص، .لكن الموضوع كان مأثر في نفسيته أكتر من هيك لأن تاني يوم تفاجأنا في المدرسة أنه الأستاذ لابس بدلة جديدة وحكالنا نزلت السوق واشتريت 3 بدلات وأربع قمصان واجعل لا حدا حوش.

تعلِّق على القصة السابقة لــ زدني“: اختلفت النظرة الآن قليلا عن السابق؛ المعلم في الغالب كان المعيل الوحيد لأسرة كبيرة؛ ويكافح لدخول أبنائه في الجامعات؛ فيضطر لتدريس أبنائه على حسابه الخاص ومع غلاء المعيشة تآكلت الرواتب؛ قد تجدين ظاهره بخيلًا، ولكن هذا بسبب أن كل راتبه  لعائلته.

نهفات وذكريات

ما بين فينة وأخرى تتناول الصفحة الممتعة الأشبه بــ فاكهة الحديث توجه الفتيات للزواج المبكر في ظل وضع عربي بائس، على سبيل إدخال رسم الضحكة على وجوه المتابعين:

تقول زميلتي: دخلت على صف العاشر وإلا طالبة فاتحة القرآن وبتقرأ، كتبت عنوان الدرس وهي بعدها فاتحة القرآن..رحت لعندها: شو يا حلوة ما شاءالله الايمان..بدنا نبلش بحصة العربي . رفعت راسها بتحكيلي : مس لازم أقرأ سورة الحج 40 مرة باليوم لمدة سبع أيام ..يا دوب ألحق أخلصهن.

40 مرة ؟  طيب ليش؟

علشان يجيني عريس وأخطب ..حكولي بتزبط ..سكتت شوي بعدين سألتني وعلى وجهها الحيرة: بتزبط يا مس ؟

توضح لــ شبكة زدني للتعليم“: في الحقيقة وضع اللاجئ يشبه وضع أي مواطن عربي يعاني من ضيق الحياة والغلاء ومتطلبات  المعيشة؛ وقد تكون نسبة الزواج المبكر أكبر في مدارس اللاجئين لانعدام فرص التشغيل وانضمام اللاجئين للعمل اليدوي. النساء في الحقول والمزارع  أو المهن اليدوية والرجال في البيع والبسطات أو وسائل النقل، وكلها أعمال لا تحتاج إلى متابعة الدراسة.

ولبنات الصف الرابع معها حكايات؛ انتقينا منها: قلم حُمرة كان السبب اليوم في هوشة وطوشة وشد شعر بين بنات الصف الرابع، حبيباتي من يومهن مزوقات ومرتبات

هو بس لو بشيلن القمل بالأول..

ومن طرائف الرابع في منشور آخر:

اليوم كان في فحص عيون لطالبات رابع ..وبما أني كنت عندهم في الحصة لما أجى الطبيب والممرضة فكان لازم أرافقهم للفحص؛ المهم البنات كانن خايفات فعشان اطمنهن حكيت لهن أنا كمان حأفحص عيوني ..ولما أجا دوري وغطيت عيني اليمين وصارت الممرضة تسأل ..يا لهوي ما شفت وين الفتحة فسكتت من الصدمة وإلا في بنت بتحكيلي بصوت واطي ..لفوق الفتحة لفوق.. احكي يا مس وإلا بلبسوكي نظارة.

ومع أن الصف الرابع أكثر ما يثير جنونها إلا أن الضحكة تخرج من القلب وهي بصحبتهم: الرابع بيجنن من حلاوته أما كتجمع فهو بيجنن من عدم ضبطه على وتيرة واحدة؛ في الصف الرابع تنتقل الصغيرة من مرحلة الطفولة المبكرة إلى مرحلة اخرى تضطر فيها أن تعتمد على نفسها في الكثير من الأمور.

وتشير إلى أن مشكلة الصف الرائع تكمن في افتقادهم الشعور بالأمان الذي نعموا به حين كانوا في المراحل الأولى؛ حين كانت لديهم معلمة واحدة هي كأمهم، وتمامًا حالهم متل الجاجة وصيصانها، وحين يصبحوا في الرابع يفتقدوا إلى حنان الأم ويلتصقون بالمعلمة التي تتعاطى معهم وبيقرفوها حيااااتها.

ومن ذكرياتها التي تسردها حين كانت معلمة مبتدئة: أول ما تعينت دخلت على صف تاسع وعملتله امتحان كله ضع دائرة.. عشرين نقطة بعشرين علامة، طالبة وحدة بس جابت علامة كاملة، لما وزعت الأوراق كل الصف استغرب وخاصة أني نزلت أمدح فيها، كنت لسة ما بعرف مستويات البنات

أتاري البنت ما بتعرف تقرأ وتكتب …يعني كلهن حظ؛ المهم وينها هسة جاي عبالي اشتري ورقة يانصيب.

تبتسم أمام تلك الذكرى لتخبرني: إنه عالم جديد يجب أن تخوضه المعلمة بحلوه ومره، المقالب لا تنتهي وهي تعتمد على نوعية العلاقة بين المعلمة والطالبات.

الأسبوع هاد طلبت من البنات مشروع صعب شوي بيخص توصيلات الكهرباء.وعشان تنجزه حتحتاج مساعدة من والدها او اخوها. وطلبت منهم يصورولي المشروع فيديو و يبعتولي إياه وحأعطيهم عليه علامات؛

يعني أي مشروع بتعمله الطالبة و بتتعاون فيه مع أهلها وبتمضي فيه نص ساعة مع أبوها بيكون أفيد من كل الامتحانات وانبسطت كتير وأنا بسمع البنت وهي بتحكيلي عن المحاولات اللي عادوها وكيف أبوها تصرف معاها.

تؤيد هذا الأسلوب النشط في التعلم، موضحة: أي نشاط خارج الصف هو رائع، أي نشاط تنفذه الطالبة في المنزل مع والدها أو والدتها رائع لها على المستوى العلمي والنفسي.

المدرسة مش حياتك

أثناء رحلة المواصلات التي تستغرق وقتا لا بأس به في الذهاب والإياب؛ تتطاير الأفكار من قلبها فيما رأسها يستند إلى زجاج النافذة؛ وترسم مشهد الصباح حينها: هذه اللحظات تمنحني شعور العزلة الذي أفتقده؛ أحبها خاصة إن كانت هناك أغنية لفيروز.

وتُطمئن المعلمة التي لم تكشف النقاب عن اسمها متابعيها بأنه إذا ما صادفت مناسبة اجتماعية فإنها لا تتوانى عن السهر؛ مضيفة بروحٍ من المرح: لا أحرم نفسي من الاستمتاع بالمناسبة؛ فأنا عندي مبدأ أن النوم مزاج والصحوة إجباري ولا أتلف المزاج من أجل الإجباري.

في المدرسة هناك نظام الشِللية كحال الكثير من المؤسسات المهنية؛ قد تجد شلة معلمات تتحدث عن عرائس يبحثن عنهن للزواج وهناك شلة تشكو من الحماوات، وهناك من يتذمرن من الحضانات، وشلة رابعة تناقش الوضع الأمني والتطورات على الساحة العالمية، لكن ماذا عن ضيفتنا وشلتها ما الذي يستهويهم، تختصر الجواب: كل شيء و أي شيء.

عمل المعلمات في مجمله.. هل دافعه إثبات ذات أم حاجة مادية؟.. كان لا بد من طرح علامة استفهام بشأن نقطة مهمة، لتعطيني الجواب: مهنة التعليم تعطي لصاحبتها موقعا قويا في مجتمع المدرسة، لك كلمتك ورأيك المؤثر. تطلبين فيجاب طلبك تحاضرين فتشعرين أنك ملكة في الصف؛ إنه إثبات ذات قد ترفض المعلمة الخلاص منه.

وبالعودة إلى طفولتها فإنها تؤكد أن جميع معلماتها تركن أثرًا في حياتها؛ سيئا كان أم جيدًا فإنها تطيِّر لهن آلاف القبلات؛ وتفصح أكثر عما بداخلها: في الغالب أحب الطالبات اللواتي تحملن أسماء بناتي.

وتعبر عن سعادتها بصفحتها التي يفوق عدد متابعيها 7 آلاف شخص؛ مضيفة: أتمنى أن تحوي يومًا ما عروضًا خاصة بالمعلمين لقضاء العطل أو للمشتريات بتخفيض خاص لنا.

تُرى كيف يصل المعلم إلى مرحلة الرضا، طمأنينة تسري في صوتها: عندما يُقدّر تميز المعلم ويُعترف به في محيط مدرسته ومدينته حينها تغدو الأمور أسهل في التعامل مع الإدارة و الزملاء و الأهالي والطلبة وتختفي الكثير من العصي  التي كانت توضع في الدواليب.

ومن الطرائف التي ترويها أنها حين تلتحق مع زميلاتها المعلمات بورشة ما؛ فإنهن يفعلن كل ما تفعله الطالبات؛ أي كل ما يثير الحنق في العادة، يضحكن ويتبادلن الأحاديث ويكتبن لبعضهن رسائل ويطلبنَ إذنًا للخروج. 

أي بمعنى آخر حين تتاح لهن الفرصة لا تترددن في المُشاغبة، تقول: ما أزعجني أن هذه التصرفات هي ما يجلب السعادة إلينا، حتى أننا لم نشعر بالوقت وفي المحصلة فهمنا الدرس، حتى أننا اعترفنا فيما بيننا حرام علينا أن نمنع طالباتنا من هذه المتعة.

ومن الاعتقادات الخاطئة التي تصوبها أن المعلم تزداد أهميته كلما درَّس صفوفًا عمرية أكبر؛ لتبين الصواب:

مهما كنت تعتبر تخصصك مهمًّا سواء أكنت تدرس الفيزياء أم الرياضيات فلا شيء يعلو على من علَّم الطفل مسك القلم والأحرف الهجائية و 1+1=2 .

ومن الحقائق المعروفة التي تؤكدها من خلال التجربة: لما تدخل على صف مزعج وتبدأ بإعطائه محاضرة في الالتزام والدراسة ويصير الطلاب مهتمين بكلامك وسامعين ويهزوا رأسهم؛ لا تفكرهم مهتمين وكلامك عامل تأثير، هدول بس بيشجعوك علشان تستمر ويروح الوقت وما تعطيهم الدرس.

وفي السياق نفسه تسمح لنا بالمشاركة في أجواء الصف: في الدقائق الخمس الأخيرة أخلق جوا من المرح لترتسم الابتسامة على الوجوه؛ إنني أحب أن أمنحهم كبسولات سعادة وذكريات.

ولا تكف المعلمة المدهشة عن اقتراح أفكار غريبة التي لو طُبِّقت لحصد التعليم ثمارًا لا تحصى؛ ومن بين ما لفت انتباهي: وأنا بحضر ببرنامج تلفزيوني انتبهت أنه كل المقدمين للبرنامج كانت ملابسهم مقدمة من محلات للملابس؛ يعني ما بيشتروها مع إنه رواتبهم وما بعرف ليش أعلى بكتير من راتب المعلم.

تخيل يفوت المعلمين لابسين آخر شياكة وفي الإذاعة المدرسية يحكوا ملابس المعلمين لهذا الأسبوع مقدمة من محلات ماكس أو سبلاش.

أما الفكرة الأخرى التي يلمع فيها الإلهام؛ ننقلها على لسانها: يوميا بتيجي عنا أمهات بيسألن عن بناتهن، 

معظمهن مش مكملات دراستهن وتوقفن عند مرحلة الإبتدائي. لو كل صف في المدرسة أخد أم من الأمهات وخلاها تكمل دراستها مع الطالبات، بنضرب عصفورين بحجر ويمكن أكتر من عصفورين: الأم بتكمّل تعليم، وأكيد الصف حيتغير سلوكه لما يكون في أم معاهن.

تُرى ماذا يعني مفهوم العطلة لها: هي فرصة للمعلم حتى يضبط أموره النفسية والعقلية والجسدية بعد مرور 10 شهور كاملة يقضيها في التعامل مع أطفال ومراهقين وأهالي وزملاء ومدراء ومشرفين ومجتمع كامل.

ولعله يجول في خاطركم تساؤل حول أعظم الأحلام التي تتمنى تحقيقها في الإجازة: أن أشاهد الأفلام القديمة والمسلسلات بدون الإحساس بالذنب الذي يرافقني عندما أحضرها في أيام الدوام.

أخيرًا نورد نصيحة جميلة من صفحتها ما هي إلا زبدة تجربة تسديها للمعلمات المخلصات:

صحيح أنك معلمة مخلصة وبتمضي ٧ ساعات بالمدرسة ومثلهن بالبيت تصحيح وتحضير بس تذكّري أن المدرسة مش حياتك. بكرة إن تعبتِ بتجيب المدرسة بديلة عنك وبتنساكي. لما تمرضي مدرستك مش حتعطيك الدوا بالليل وتعملّك الشوربة استثمري بالناس اللي حتضلك معاهم وعيشي حياتك.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك