4 سنوات ليخرج “ديناصور المنصوراصورس” للنور، فريق بحثي قاده الفضول لاكتشافه العظيم

15 أبريل , 2018

أتحدث معكم هذه المرة، عن إحدى الاكتشافات التي هزت الأوساط العلمية في العالم في الفترة الأخيرة، وهو الاكتشاف المصري النادر لحفرية ديناصور المنصوراصورس نسبة للفريق العلمي الذي اكتشفه بجامعة المنصورة.

 

أجريت المقابلة مع دكتور هشام سلام قائد فريق البحث شخصيًا، حيث رحب بي وأظهر تعاونه الرائع بمعمل الجيولوجيا بكلية العلوم جامعة المنصورة.

 

قبل أي شيء، دعونا أولاً نلقي النظر على الاكتشاف، ثم أخبركم قصته بالتفصيل..

 

ديناصور المنصوراصورس

 

صورة تخيلية للديناصور المصري، نشرها متحف كارنيجي للتاريخ الطبيعي.. المصدر: البعثة العلمية لجامعة المنصورة

 

حجمه الضخم وقوته الهائلة جعلوه سيد المكان، حيث وصل طوله إلى حوالي 10 أمتار، كما بلغ وزنه حوالي 5.5 طن، أي بحجم حافلة كبيرة، وهو ما ساعد على حماية تواجده لفترة من الزمن، ويعتبر من الديناصورات العاشبة التي تنتمي إلى مجموعة “التيتانوصور”، وهي من أضخم ما عاش على وجه الأرض.

 

تعود أهميته إلى كونه واحدًا من أوائل الديناصورات التي تواجدت في تلك المنطقة بالحقبة الأخيرة قبل الانقراض بحوالي 30 مليون سنة، والمثير للدهشة أنه تواجد في بقعة لم يتم اكتشاف أي حفريات لديناصورات أخرى بها يمكن أن تكون تواجدت بالفترة التي تواجد بها، وبذلك يصبح أحد الأدلة المهمة التي تكشف تطور الديناصورات بشمال إفريقيا.

 

ولفهم الأمر بشكل أكبر، عليك معرفة نبذة عن تقسيم الأزمنة الجيولوجية على الأرض .. فتنقسم إلى أزمنة تنقسم بدورها إلى أزمنة أخرى أصغر .. وتسير بالترتيب: أمد، دهر، حقبة، عصر، فترة، مرحلة.

حيث يتم تقسيم الأمد إلى أدهُر، والأدهُر إلى حقب، والحقب إلى عصور وهكذا، ولكل عنصر منهم زمن افتراضي قد يزيد أو يقل بنسبة معينة.

 

الآن، في أي زمن تواجد به المنصوراصورس؟

تقع حياة المنصوراصورس في الفترة الأخيرة بـالعصر الطباشيري، حيث تواجد منذ حوالي 80 إلى 90  مليون عام من الآن. وبالحديث عن شمال إفريقيا بتلك المدة، نجد سجل فارغ لأي آثار للديناصورات بها، وهنا ظهر المنصوراصورس كي يفوز بمركز الزائر الأول لأبحاثنا، ويفسر لنا الكثير من الحلقات الغامضة عن تلك الفترة. حيث يعود تواجده إلى حوالي 30 مليون سنة قبل انقراض الديناصورات مباشرة.

 

هنا يأتي سؤال مهم آخر، كيف يقدر العلماء الأزمنة التي تتواجد بها الحفريات؟

يتم الأمر عن طريق الاستدلال بطبقات الأرض الموضحة بالخرائط الجيولوجية. حيث إن أرضنا مقسمة إلى طبقات .. ما نعيش عليها الآن هي الأحدث، وكلما هبطنا إلى أسفل كلما قابلنا طبقات أقدم تخبرنا الكثير عن تاريخها كسجل حافل بالمعلومات وحافظ لها .. لذا تعد المنخفضات إحدى السجلات الذهبية والمناطق الرئيسية للبحث عن الأحافير واستكشاف الماضي.

 

الآن، لننتقل إلى قصة ذلك الاكتشاف الرائع

 

قصة الاكتشاف

 

بعد أن عاد دكتور هشام من بريطانيا بدرجة الدكتوراه التي حصل عليها بتخصص الحفريات الفقارية من جامعة أكسفورد، بدأ في توجيه أنظاره إلى الأبحاث والخرائط الجيولوجية التي تكشف عن تواجد أي آثار للحفريات بمصر، نظرًا لامتلاكنا أماكن عالمية نادرة تحوي ألاف الحفريات التي اكتشفت أو تنتظر اكتشافها، مثل وادي الحيتان والواحات الداخلة والخارجة بصحراء مصر الغربية.

 

في البداية قام دكتور هشام بتكوين فريق متميز ضم المجموعة التي حققت الاكتشاف، وهم د/ سناء السيد، د/ سارة صابر، ود/ إيمان الداوودي، كما انضم إليهم بعد ذلك د/ مي الأمير، و أ/ فرحات.

 

بدأ الأمر عام 2013م، عندما كانت المجموعة في طريق العودة من جنوب الوادي بعد إلقائهم لإحدى المحاضرات هناك. 14 ساعة من السفر كانت بالمدة الكبيرة، وكان لا بد من تحقيق إنجاز إضافي بها، وهو ما حدث عندما لاحظت المجموعة مدقًّا – أي طريقًا ممهدًا بالصحراء –  يقود إلى تلة عالية، وهنا دفعهم فضول الاستكشاف إلى إدارة مقود السيارة والانحراف إلى ذلك الامتداد الصحراوي.

 

ويقول دكتور هشام:

“استحق الأمر محاولة، وبرغم صعوبة استمرار سير السيارة بالصحراء إلا أننا باشرنا حتى وصلنا إلى الموقع، وحينها رأينا بعض عمال المحاجر على بعد يقارب من 2 كيلو متر”.

 

بعد أن وصل الفريق إلى الموقع المنشود، بدأوا في تنقيب عشوائي برمال الصحراء عن أثر لأي أحفورة، وهناك وجدوا عظمة ساهمت في رفع رصيد احتمالية تواجد المزيد بتلك المنطقة، لكن نظرًا لعدم استعدادهم قرروا العودة والتخطيط للأمر أولًا، خصوصًا أن الأجواء أصبحت مريبة بعد أن لاحظهم العمال المتواجدين على بعد.

 

حيث يقول دكتور هشام:

“مجرد أن لاحظنا العمال، توجه إلينا أحدهم على “لودر” ومجرد أن اقترب قام بالانحراف والعودة مرة أخرى، وهو ما جعلنا ندرك أهمية العودة بعد تحضير الأدوات بهدف الإقامة بالموقع”.

 

عاد الفريق إلى المعمل بجامعة المنصورة، وبدأوا في التجهيز والتحضير لرحلتهم المنشودة إلى ذلك الموقع، فقضوا 3 أشهر كاملة في التخطيط للأمر وإجراء المزيد من البحث عنه.

 

وبمجرد أن بدأ عام 2014 م، سافر الفريق إلى الواحات الداخلة بالمكان المستهدف لبدء التنقيب، حيث قاموا بنصب خيامهم لمدة 21 يوم بالصحراء، قضوها في استخراج حفرية هيكل الديناصور من التربة. وهو حقًا عمل شاق خصوصًا أن المجموعة البحثية شملت 4 باحثات أثبتن لنا عدم استحالة قضائهن تلك المدة بالصحراء، كي يجنين ثمار تعبهن في النهاية ويصبحن ضمن أول فريق بالشرق الأوسط يحقق اكتشافًا مماثل.

 

 

بعد أن تم استخراج العظام بعناية تامة، أُخذت إلى المعمل كي يتم تنظيفها والكشف عن أشكالها وإجراء المزيد من الأبحاث عليها، وهي مهمة استغرقت وحدها عامًا ونصف، ثم تلا ذلك البدء في كتابة البحث وصياغته في شكل علمي وهي مهمة أخرى استغرفت حوالى العام أيضًا. كي يصل في النهاية إلى النور عام 2018 م، ويتم نشره بمجلة “Nature” للعلوم وهي من أقوى المجلات العلمية بالعالم.

 

بعدما سمعت القصة، أبديت دهشتي عندما علمت أن ذلك الاكتشاف استغرق 4 سنوات كاملة كي يكتمل ويصاغ بشكل علمي في النهاية، فرد دكتور هشام:

“البحث العلمي ليس أمرًا سهلًا ويتطلب أدلة قوية”

 

فالمجتمع العلمي لا يتهاون بحق الأبحاث الضعيفة، ودائمًا ما يطلب الأدلة والإثباتات كي يقرر ما إذا كان الأمر سيندرج تحت مظلته أم لا، وأتذكر أن دكتور هشام قام حينها بتفسير مدى دقة الأمر بالأمثلة، ولولا وقته لاستفاض في شرح الأمر أكثر.

 

انتهى النقاش بجولتي بمعمل الجيولوجيا -سأتحدث عنها بمقال آخر عن قصة دكتور هشام-، وأبلغني بأن أبواب معمله مفتوحة دائمًا إن أردت الاستزادة ومعرفة المزيد عن الأمر.

 

غادرت مندهشًا، بعد سماعي تلك القصة المذهلة التي لم أكن أتخيلها قط، وهو ما دفعني إلى تدوينها كي تطلعوا عليها أيضًا، حيث إنها تحوي الكثير من الدروس المستفادة، أهمها هو أن النجاح لا يحدث بين ليلة وضحاها، بل يتطلب سنوات من الدراسة وبذل الجهد.

 



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

التعليقات 2 تعليقان

[…] 4 سنوات ليخرج “ديناصور المنصوراصورس” للنور، فريق بحثي… […]

[…] 4 سنوات ليخرج “ديناصور المنصوراصورس” للنور، فريق بحثي… […]

أضف تعليقك