واقع ومعوقات البحث العلمي في الوطن العربي

7 أغسطس , 2016

كما الطفل الصغير تكبر المجتمعات وتتعدد احتياجاتها وتتطور تقنياتها ووسائلها لتلبية هذا الاحتياج، ولا تستطيع أمة مهما كان إرثها الثقافي والتاريخي من النهوض والبقاء على سدة التقدم والرقي دون الاعتناء والتبني الحقيقي للبحث العلمي كاستراتيجية لعلاج المشاكل وتقديم الحلول وتطوير الواقع.

وتحرص الأمم بشكل عام على تبوء مكانة لها بين الأمم في المجالات الحضارية والمدنية المختلفة، كمعايير تقاس وتقارن بها المجتمعات والشعوب. ولعل أكثر ما تفخر الشعوب والبلدان به هو مدى ترتيبها ومكانتها بين الناس في تطورها وتقدمها في مجال البحث العلمي ومدى الاستفادة الحقيقية من برامجه ومشاريعه الاستراتيجية. فترى كثيرًا من الدول تعرض في معارض دولية منجزاتها وتقنياتها وأساليبها التربوية والتعليمية، ونتاج أبحاثها العلمية في المجالات المتعددة وهنا تجد التميز والتطور والإبداع وتفاضل الأمم والشعوب.

وبالتأكيد فإنني لا أقصد بالبحث العلمي عدد حملة شهادات الدراسات العليا، فهذا مؤشر فقط لوجود مظاهر بحث علمي، لكن المقصود هو حالة مستمرة من البحث والبناء المعرفي والتأسيس المستمر في المجالات الرئيسية في الدولة (التعليم – الصحة – الاقتصاد – الدفاع) بالإضافة إلى المجالات الأخرى والتي قد تأتي في المراحل التالية من مراحل البحث العلمي الأكثر أهمية.

ويعتبر البحث العلمي أحد المتطلبات الرئيسية لأنشطة التنمية؛ إذ يتم بواسطته وضع خطط التنمية في المجالات المذكورة، ومن ثم يتم الاسترشاد بها في ساحات التطبيق العملي.

البحث العلمي في البلدان العربية:

تمكنت العديد من الدول العربية من تأسيس مراكز بحثية في مجالات وتخصصات مختلفة وقامت بتجهيزها بأدوات وتقنيات ومستلزمات متعددة، وخصصت جهات رسمية رئيسية مسؤولة عن شؤون البحث العلمي في بعض الدول العربية، إضافة إلى سعيها الدؤوب في التوسع بزيادة أعداد المؤهلين من حملة الدراسات العليا القادرين على إجراء بحوث ودراسات علمية في مختلف المجالات وتعزيز كفاءاتهم العلمية.

بالرغم مما تقدم إلا أن الواقع ينبئ عن تقصير الدول العربية قاطبة، من حيث تبني استراتيجية واضحة وحيوية وعملية للبحث العلمي على صعيد البنية التحتية له، وعلى صعيد الخطط الاستراتيجية الشاملة التي يجب اتباعها لتتحقق الاستفادة والرقي والنهضة الحضارية المطلوبة.

معوقات البحث العلمي في الوطن العربي:

أولى هذه المعوقات الإنفاق والدعم المالي، حيث لا يزال حجم إنفاق الدول العربية على البحث العلمي دون المستوى المقبول مقارنة بدول أخرى تعيش نفس الظروف ولها نفس الاحتياجات، وذلك رغم ما يتطلبه البحث العلمي من مخصصات مالية مرتفعة لتوفير أدوات البحث الأساسية والحوافز المادية للباحثين، ومن المقارنات المؤلمة ما نشرته مؤسسة اليونسكو العام الماضي حول واقع الإنفاق على البحث العلمي في عالمنا العربي والذي لا يزال بعيدًا عن الاهتمام العالمي بالبحوث العلمية ومراكز الفكر، حيث تشير تقديرات منظمة اليونيسكو إلى أن ما ينفق على المواطن العربي في مجال البحث العلمي سنويًا لا يزيد على 14 دولارًا، بينما ينفق على المواطن الأمريكي والأوروبي أكثر من 1200 دولار سنويًا وانعكس ذلك على حجم الإنتاجية حيث بلغ عدد الأبحاث العلمية المنشورة على مستوى العالم في 2012م نحو مليونين و945 ألف بحث، كان نصيب العالم العربي منها 38.5 ألف بحث فقط.

ثاني هذه المعوقات والذي يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالمعيق السابق هو اقتصار المؤسسات الحكومية على كونها الممول الرئيسي للبحث العلمي في أغلب الدول العربية؛ رغم أن التجارب الدولية أكّدت على أهمية دور الحكومة في دعم وتمويل البحوث العلمية ذات الأولوية الاستراتيجية للدولة فقط، وأنه يجب على القطاع الخاص من شركات ومؤسسات صناعية أن تكون شريكًا فاعلًا في دعم وتبني البحث العلمي لما يعود عليها بالنفع والفائدة والأرباح نتيجة لتطبيق مخرجات هذه الأبحاث والدراسات العلمية الحقيقية القريبة من ميدان العمل والصناعة.

ثالث المعوقات هو أن البحث العلمي في الوطن العربي يفتقر في غالبه إلى التخطيط المبني على احتياج القطاعات المختلفة من الدولة للتطوير وحل المشكلات، فتجد على سبيل المثال العديد من رسائل الماجستير والدكتوراه والأبحاث العلمية المحكمة يختارها الباحث بنفسه، بعيدًا عن متطلبات الواقع وسوق العمل، ولهذا تجد العديد منها مكررًا ومحدود الفائدة وقليل التأثير.

وأخيرًا فإن البحث العلمي في الوطن العربي في المجالات التطبيقية والصناعية محدود للغاية، وتكاد المشاريع البحثية الكبيرة مما تحتاج إلى تمويل كبير واهتمام أكبر لا تجد من يصغي لها ويتبناها، على الرغم من مواجهة الدول العربية بشكل عام لمشاكل كبرى خطيرة قد تهدد وجودها واستقرارها، مثل محدودية الطاقة والمياه والصناعات الثقيلة والبطالة والاكتظاظ السكاني، وغيرها الكثير من المشاكل التي تحتاج تفكيرًا استراتيجيًا إبداعيًا ودراسات بحثية تطبيقية خلاقة، تستطيع المساهمة في حل هذه المشكلات والعمل على تقدم وتطوير مجتمعاتنا ودولنا العربية.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك