مقامات مسافر في حضارة الكتاب( جزء 2) :

14 مارس , 2015

للخيال عراب إسمه ، ماركيز … 

أن تكون مولعاً بالكتابة و القراءة فهذا يعني أن تمتلك بين أناملك وأفكارك الكثير من الخيال الذي يمد حروفك روحاً وإحساساً، لذلك لا يمكن إكتساب هذه المهارة  دون اللجوء إلى قرأت بعض الروايات الملهمة للروائي العالمي “غابرييل غارسيا ماركيز” صاحب الخيال الفياض.

قادني شغف القراءة هذه المرة خلال رحلتي في حضارة  الكتاب، لإكتشاف هذا  الروائي الإنسان الذي يغذي روحك إبداعاً و أنت تقرأ له لثراء هائل في الأفكار وأسلوبه النثري. الذي لم نرى منه إلا القليل بسبب الترجمة التي لم تنقل لنا إحساسه كلياً.

الكم الهائل من الإحساس الذي  نجده  في  جل  كتابات “ماركيز”، يسمح بمد دواخل المنكسرة الكثير من الأمل في زمن كل شيء  مبني على عبارات  الفشل واليأس التي يخون الإنسان منا ذاته حين يصغي لها، ما جعلني أعشق أسلوب “ماركيز” هو ذلك  التأثير الجلي على أنامله للتراث العائلي، كون” ماركيز” إستمد الكثير من حكايات جدته الشعبية والخرافية بأسلوب التجريدي الذي تبناه من بعد في معظم رواياته، و لأن في هذا العالم اليأس، من الصعب على شاب يعشق القلم مثلي أن يتجرأ و يقوم بفعلة ماركيز، باعتزال لعدة شهور في غرفته من أجل كتابة رواية رائعة مثل “مائة عام من العزلة”، لقد حالف القدر ماركيز في تجسيد  فكرة كانت تتجول  في  مخيلتي المجنونة كثيراً، مما  رسخ  هذه  القصة  لماركيز في عقلي، كونه و هو خارج من عزلته تلك وجد عائلته في أزمة  ديون خانقة، ليجد بين يديه “تلك  الصفحات التي كتبها في أيام عزلته متكونة من ألف و ثلاث مائة صفحة”، ليخرج بها ماركيز عائلته من الدين الخانق الذي أصابها، وهذه عبرة  كون الكتابة حياة. فلست أكتب كوني أهوى القراءة فقط، ولا أهوى القراءة لازداد عمراً في تقدير الحساب.. وإنما أهوى القراءة لأن عندي حياة واحدة في هذه الدنيا، وحياة واحدة لا تكفيني، ولا تحرك كل ما في ضميري من بواعث الحركة. والقراءة دون غيرها هي التي تعطيني أكثر من حياة واحدة في مدى عمر الإنسان الواحد، لأنها تزيد هذه الحياة من ناحية العمق، وإن كانت لا تطيلها بمقادير الحساب كما يقول عباس محمود العقاد، ما يميز “ماركيز” أو “غابيتو” كما يحب الكثير تسميته أنه إستطاع الهرب بأعماله و أسلوبه الخرافي من فكرة عدم الإستقرار في بلاده آنذاك. ولأن مملكة رواية الخيالية لها عراب إسمه “ماركيز” الذي أثر بنتاجه الأدبي على جيل كبير من الكتاب والشعراء جعلتهم يتعاطفون معه و هو  يصارع مرض عضال منهم الشاعر مكسيكي إسمه “جوني ولش” الذي  إشتهر برسالته التي كتبها على لسان دمية لماركيز سنة 1999، وقتما كان ماركيز يصارع السرطان سمها  البعض برسالة  الوادع الأخيرة لـ “ماركيز” يقول  فيها:

لو شاء الله.. أن يهبني شيئاً من حياة أخرى فسوف أستثمرها بكل قواي، ربما لن أقول كل ما أفكر به، لكنى حتماً سأفكر في كل ما سأقوله، سأمنح الأشياء قيمتها، لا لما تمثله، بل لما تعنيه. سأنام قليلاً، وأحلم كثيراً، مدركاً أن كل لحظة نغلق فيها أعيننا تعنى خسارة ستين ثانية من النور. سأسير فيما يتوقف الآخرون، وسأصحو فيما الكل نيام.. لو شاء ربى أن يهبني حياة أخرى، فسأرتدي ملابس بسيطة وأستلقي على الأرض، لا عاري الجسد فحسب، وإنما عاري الروح أيضاً. سأبرهن للناس كم يخطئون عندما يعتقدون أنهم لن يكونوا عشاقاً متى شاخوا، دون أن يدروا أنهم يشيخون إذا توقفوا عن العشق ، للطفل سأعطيه الأجنحة، لكنى سأدعه يتعلم التحليق وحده، وللكهول سأعلمهم أن الموت لا يأتي مع الشيخوخة بل بفعل النسيان، لقد تعلمت منكم الكثير أيها البشر.. تعلمت أن الجميع يريد العيش في قمة الجبل غير مدركين أن سر السعادة تكمن في تسلقه. تعلمت أن المولود الجديد حين يشد على إصبع أبيه للمرة الأولى فذلك يعنى أنه أمسك بها إلى الأبد. تعلمت أن الإنسان يحق له أن ينظر من فوق إلى الآخر، فقط حين يجب أن يساعده على الوقوف، تعلمت منكم أشياء كثيرة! لكن قلة منها ستفيدني، لأنها عندما ستوضع في حقيبتي أكون أودع الحياة. قل دائماً ما تشعر به وأفعل ما تفكر فيه.. لو كنت أعرف أنها المرة الأخيرة التي أراك فيها نائمة، لضممتك بقوة بين ذراعي ولتضرعت إلى الله أن يجعلني حارساً لروحك. لو كنت أعرف أنها الدقائق الأخيرة التي أراك فيها، لقلت “أحبك”، ولتجاهلت – بخجل – أنك تعرفين ذلك “هناك دوماً غداً، والحياة تمنحنا الفرصة لنفعل الأفضل، لكن لو أنا مخطئ وهذا هو يومي الأخير، أحب أن أقول كم أحبك، وأنني لن أنساك أبداً. لأن الغد ليس مضموناً، لا للشاب ولا للعجوز. ربما تكون في هذا اليوم المرة الأخيرة التي ترى فيها أولئك الذين تحبهم. فلا تنتظر أكثر، تصرف اليوم لأن الغد قد لا يأتي، ولابد أن تندم على اليوم الذي لم تجد فيه الوقت من أجل ابتسامة أو عناق أو قبلة أو أنك كنت مشغولاً كي ترسل لهم أمنية أخيرة. حافظ بقربك على من تحب، اهمس في أذنهم بأنك بحاجة إليهم، أحببهم واهتم بهم، وخذ ما يكفى من الوقت لتقول لهم عبارات مثل: أفهمك، سامحني، من فضلك، شكراً، وكل كلمات الحب التي تعرفها. لن يتذكرك أحد من أجل ما تضمر من أفكار، فأطلب من الله القوة والحكمة للتعبير عنها. وبرهن لأصدقائك ولأحبائك كم هم مهمون لديك.

صحيح أن  الروائيون أمثال “ماركيز” يغادرون الحياة تاركين ورآهم صفحات إبداعية مذهل نتعلم منها نحن أنصاف الكتاب، لعلنا نحقق بعض ما حققه ولكن في  غالب  تبقى روح الإنسان هي التي تجمع الأجيال كون الحياة هي أكبر مدرسة قد نتعلم منها الأخلاق إذا كنا  أصحاب فكر سليمة ركائزه، ننهل من جيل لنعلم جيلاً  أخر  لأن التعليم حياة بداية لا تنتهي وهذا ما نسعى إليه كطلبة في حضارة القلم زدني.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك