بصمت

14 أغسطس , 2012

 

 

ركبت أولا في السيارة في المقعد الأمامي، هو ركب ثانيا بجانبي .. وهو يضحك، ابتسمت لضحكاته، أحبه كثيرا حينما يضحك، أخذت محفظتي وأخرجت الكتاب الذي أقرأه، وضعنا حزام الأمان، وانطلق، فتحت كتابي وبدأت أندمج مع كلماته، أساسا كنت أريد أن أنسى ….

نظر إلي وقال :تطالعين؟ أغلقي الكتاب .. وأبعد الكتاب عني ..

استغربت من حركته هذه كثيرا .. سألته : لماذا ؟

أجابني بدون أن ينظر إلي: أريد أن تحدثيني، تستطيعين أن تقرئيه في القطار .. تعرفين لست ضد الكتاب أنا أحبه وأريدك دائما أن تقرئي، لكن الآن دعينا نتحدث ..

أخذت الكتاب، أغلقته في هدوء وأعدته إلى مكانه، ابتسمت، وقلت له: ماذا تريدني أن أقول لـك ؟

لم يجب .. اكتفى بنظرات غاضبة جدا ..
اكتفيت بابتسامة.. وبدأت اسأل أسئلة سخيفة و غبية ..

لكنه كان يجيب بفــرح ..

قررت أن أكف عن تلك الأسئلة، لا أريد أن أبدو لا سخيفة ولا غبية … تنهدت، وضعت كفي على وجهي متأملة أرض الجنوب الصفراء والسراب .. أحب لعبة السراب، كلما اقتربنا منه كلما ابتعد، أحبه لأنه يذكرني بأشياء كثير في حياتي، كلما أقول لنفسي أنني وصلت إلى ذلك الهدف يبتعد عني أكثر فأكثر ..

جاء سؤاله لكسر الصمت: فيم تحدقين ؟

في هذه الأرض..

هو :ما بها الأرض ؟

أنا: لا شيء .. فقط صفراء!

هو: طبيعي ..

ترددت هذه الكلمة في أذناي طويلا! طبيعي.. ما الطبيعي يا ترى؟ لا أقصد الأرض طبعا، بل بعيدا.. بعيدا.. لقد غصت في هذه الكلمة.

أعدت عقلي إلى السيارة، على صوت سقوط "ريموت كونترول" الخاص بالمسجل .. تأملته وهو يمسكه ويغير الأغنيات، كانت بداية أغنية تعيديني إلى الماضي، إلى أيام جميلة رغم كل ما حصل فيها.. لكني قررت أن أبقى صامتة، وأن لا أطلب منه أغنية محددة ..

استقر أخيرا على الأغنية الثورية اللبنانية "هيات يا محتل"..

هيهات يا محتل

هيهات منا الذل

أعشقها! كنت أغني في نفسي و أنا انظر إلى السراب، أما هو فبدأ يغني بصوت مرتفع قليلا.. ابتسمت ابتسامة عريضة، وسألت.. أية علاقة تربطني بك؟ أقصد من أي نوع من العلاقات هي؟ .. لقد أرقني هذا السؤال ..

انتهت الأغنية، وبدأت أخرى " لبنان شوكة يعنيك".. و على أنغامها بدأ يسألني أسئلة يعرف أجوبتها مسبقا!

متى ستستقلين قطارك؟ ماذا ستأكلين؟ متى ستصلين؟ متى ستبدئين عملك؟

وأنا كنت أجيب ببلاهة تامة! شعر بذلك.. تنهد وقال: لا تريدين الحديث، وهذه هي الطريقة الوحيدة لإخراجك من صمتك ولو قليلا ..

انقبض قلبي، نظرت إليه بعينين مترجيتين.. أحسست بأني أريد البكاء.. أشحت بوجهي إلى الجهة الأخرى، أنظر ولا أنظر إلى تلك الأرض الجافة..

أريد أن أتحدث، ليتني أستطيع أن أتحدث بدون انقطاع معك! سأخبرك عن أشياء عديدة.. لكني لن أتحدث ..

سألت نفسي.. ولماذا لا تتحدثين؟ أهو الخوف؟ ومم أنا خائفة؟ لم أقترف ذنبا!
هل أنا عاجزة؟!ها أنا غاضبة؟ هل أريد معاقبته بصمتي؟ وهل يريد هو معاقبتي برغبته في الحديث؟

مرت علي بعض الأحداث كومضات استيقظت فجأة لتجيبني.. أدركت أن الصمت جيد لنا نحن الاثنين! إنها لغتنا! لغة من نوع آخر، إنه عنصر الاستمرارية في علاقتنا ..

أخذ "الريموت" مرة أخرى وبدأ يغير في الأغنيات، بدأت أغنية 'أمي' لسامي يوسف ، آه إلى أين تقودني هذه الأغنية، لم أستطع المقاومة هذه المرة، خرجت عن صمتي..
أرجوك لا تغييرها!
اكتفى بابتسامة.. ورفع صوت المسجل قليلا..

أغمضت عيناي وتركت ألحانها، كلماتها، تفعل بي ما تشاء..

مر الوقت  يبطئ، وها قد دخلنا المدينة أخيرا، نظر بفرح وقال: وصلنا

كررت: وصلنا ..
هو: الآن سآخدك إلى المحطة أولا.. أليس كذلك ؟
طبعا!

لكن قبل ذلك يجب أن تأكلي شيئا..

ليس ضروريا!

نظر بغضب إلي: ثانيا!

لا أريد أن ندخل في نقاش عقيم، فقلت في مضض: حسن حسن! كما تريد..

أثناء طريقنا أشار إلى ذلك البناء الكبير وقال: انظري، هناك سيكون عملي اليوم.

اكتفيت بكلمة جميل كتعقيب على كلامه.

وصلنا محطة القطار أخيرا، فقط انزلي، سأعطيك أغراضك..
ترجلت من السيارة، أخذت حقائبي وأغراضي، ابتسمت، قبلته وعانقته: إلى اللقاء.

هو: لن أتحرك من هنا حتى تدخلي المحطة

كما تريد

أثناء وصولي إلى باب المحطة، ناداني وحياني من بعيد، استدرت بادلته التحية بابتسامة.. ومضيت قدما.. في تلك اللحظة بالضبط أيقنت أنني لا أزال أحبه ، أحبه أكثر من أي وقت مضى ، أحبه بصمت! اغرورقت عيناي، وبكيت بعمق..

 

Mysore_railway_station.JPG


شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

التعليقات 2 تعليقان

أميمة دلال منذ 7 سنوات

مرحبا أخت خديجة .. شاكرة لك كثيرا تفاعلك .. 🙂
فعلا ، في بعض الاحيان نجهل ترجمة تلك اللغة الصامتة التي تسكننا داخلنا ..
تقبلي مودتي و صداقتي 🙂
أميمة
الموقع الشخصي

خديجة علي منذ 7 سنوات

في اللحظة الأخيرة دائماً تكمن الأسرار، التي لا تُتَرجم!
لا لأنّا نجهلها، فرغم أنّا عرفناها في وقت متأخّر… إلّا أنّا نجهل لغة ترجمتها!
نعرف لغتها القلبية والاحساسية وحسب ..

نصّ روائي وسرد شيّق، أترقّب المزيد ..~

الموقع الشخصي

أضف تعليقك