درٌ وحصى

27 فبراير , 2013

 

 

قد زرت يومًا بابل، قاصدًا خان عـِطارةٍ عتيق، شاع الحديث عن طيب عطره ودوامه، وذاع الشّكر لصاحبه وكلامه ..
حين وصلت إلى بابه، وجدت عجوزًا تصنع العقود، بها سكوت سرمدي عجيب _ و مُمل نوعا ما_ لا تأبه للغلمان المتصارعين حولها.
خطوت العتبة، ورأيت بداخل الحانوت شيخًا، قد كان طاعنًا في السّن، فاقدًا لبعض شعره، وقد اختلط ما تبقى من شعره بقليل من الغبار، رمقني بنظرة بشوشة، لمحت بعينيه سرًا دفينًا أرعبني دونما سبب، نسفت هيبته نظرتي صوبَ الأرض، فقد كان يبدو كـالسيّدِ ببابل، والعالِم بما خبّأته حجارتها.

 

 

الأرض كانت مصنوعة بحجارة من رُخامِ مرصوفِ فوق بعضه، فكان الخان كالأدراج، وكان به ماشاء الله له أن يكون من أنواعِ العطر والبخور، جعلت أنفي يميل حيث تميله الرائحة، وما أبقى على زجاجة إلّا وتشممها، إلى أن رسى بي طيب الريح على زجاجة، قد أذهبَ ريحها عقلي، وأخذني إلى عوالم أخرى حيث كل ما فيها جميل كجمال الزّخرفة التي زيّنتها.
فما كدت أنتشي عبق الروائح، حتى اخترق جذلي صوتٌ لم أعلم من أين انبثق، هزَّ صلبي، ومراسي تشقق، نادى وهوَ، الحنون بوحشية، السلس بصلابة، الجهوري بلطافة: أعلمت ما أمسكت يداك يــا غريبَ الدّيار؟
رفعت رأسي دهشةً، فلم ألحظ اقترابَ أحدٍ منّي، فإذا به صديقنا العجوز قد عرّج عليّ ..
فتبسّم ثغري ساترًا ما كشفته عيناي من هلعٍ، وقلت: هيَ زجاجة عطرِ قد أسَرَني طيبها .. وما كدت أكمل حديثي، فإذا الزجاجة ترتجف بيديَّ وتنطق غضبًا: قد سمى قدري فلامس السّماء، قد رافقت الكهنة و الوزراء، أنا خليلة الفخّار، سليلة خيرِ الأزهار، بخير البرادي عصرت، أنـا لست سوى زجاجة قد تكسر، أو بخّة قد تنثر، أو عنوان سمّاني به شيخي منذ دهر قد
عبر .. !!
طاف بي الهلعُ، وما عدّت أقوى الوقوف، فقد نطقت الزجاجة !

 

 

وأزاحت العجوز عنها القليل من صمتها، وسألتني: من أنت يا غريب الزّمان؟
 

 

فقلت، وما فكرت في إخفاء الدّهشة، فقد أصبحت لي دَيدَنًا في خانهم العجيب: أنا يا سيدتي زياد، أتيت من زمنٍ غير زمنكم هذا، قد مررت على بقايا شواهد مدينتكم سائحًا، فرُوي لـي عن خانكم، فقدمته ..
 

 

قالت العجوز، وما بدى على وجهها أثرٌ لفرحة أو غضب: عجبًا لحالكَ يا هذا، ألا تعرفُ نفسكَ حتّى!، إن لعنة الأجيال التي تلتنا، نفثت في أفواهكم كلامًا، تكررونه كلما سألتم من أنتم، فما عدتم تعرفون أنفسكم ..
 

 

وأرتني العقد الذي بين يديها، وزادت في حديثها قائلة: أنت كالعقد هذا، لـي يرجعُ خيار أن أخرزك درّاً أو حصى، غير أنه سيأتي يومٌ، وينقّي صاحبَ العقد الدرَّ ويلقي بالحصى، وأنت العقد وصاحبه يا بني ..
 

 

لـكنك لا تزال مصنوعًا من حصى، والدرُّ فيكَ نادر، وأنتَ بعدُ لستَ أنت..
فلا تزال تعيد كلام والديك حينَ تَحرّيكَ الحكمة، وتتمتم بما يقوله رفقاؤكَ حينَما يحُلّكَ الغضب ..

 

 

قد كنتُ أصغي لها، ولبّي بكلامها مسحور، حتّى تفاجأت أن الشمس أوشكت على الغروب، والمجموعة التي كنتُ بها غادرت المكان فرميت للشيخ دريهمات، و هرولت محاولًا اللحاق برفاقي ..
 

 

من فرط سرعتي، و دهشتي، وقعت على الأرض فإذا بي ألعنُ الحجرالذي تعثرتْ به خُطاي، ثمَّ توقّفت وتذكّرت العجوز حين أخبرتني أني لست أنا بعد، أجل في موقفي هذا لم أكن أنا ..

 

فقد ضربت الأرض بنفس الطريقة التي ضرب بها والدي مكتبه حينَ غضب، و لعنته بكلمات صديقي حين فقده صوابه !
 

 

وبدأت أجادل نفسي، وأسألها من أنتِ؟ أو من أنا؟ لما ما رضيت الزجاجة بأن تكون زجاجة بل روت لي عن مكوناتها، وما الدرّ والحصى الذي كانت تهذي به تلكَ العجوز؟
 

 

ومضى أمامي شريط طويل، من أفعال كررتها، قد فعلتها، وفي نفس الوقت كنت أمقتها في غيري ..
 

 

كيف أتتني تلكَ الأفعال، وأطلت الجدل ونفسي، وخاصمتها ليالِ وأيام، إلـى أن هُديت إلى أنني ما أنا إلّا كومةُ أفكار، تسيّرني، إن نظرتي للعجوز أن صمتها ممل كان فكرة، والهلع الذي أصابني من عينّي الشيخ كان فكرةً أيضًا، و لعني للأرض وضربها حين سقوطي، كان فكرة !
 

 

أنا لست أنا حقًا، وأنا لن أثبتَ على أنا واحدة، فسأظلُّ أغيّر منّي حتّى أصل لأسمى ذات أردتها يوما ما، ومن يومي ذلك لم أعد أضع على أحد حكم، بل صرت آخذ منه الجميل من أفعاله، وأترك القبيح، فهيَ أفكارٌ سيأتي اليوم الذي يستطيع التخلي فيهِ عنها ..

 

طالبة في المرحلة الثانوية

مدرسة حكومية في الجزائر

 

در وحصى.jpg


شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك