عمر .. الطفل الصامت

24 مارس , 2013

 

 

 

"B6 يمكن  تلائي متخبي تحت التخت "  قالها الممرض, رقم غرفة الطفل عُمر, رددته داخل نفسي ألف مرة من شدة توتري, تلك الحروف أثارت مشاعري !! تلك الكلمات القاسية جعلت قلبي ينتفض حزنًا وألمًا .. بقيت أفكر في ما قاله الممرض, تلك الجملة "يمكن تلائي متخبي تحت التخت" جعلتني أتسائل : "صديقي عمر .. لمَ أنت خائف من الدنيا, لا تخف يا صديقي لا تخف , عسى الله أن يشفيك "…

 

كان عملاً تطوعيًا, من نشاطات اتحاد الطلبة في الجامعة الأردنية, في شهر رمضان المبارك "حملة الريح المرسلة", للذهاب لمركز الحسين للسرطان وتزيينه, وإعطاء الهدايا للأطفال, لرسم البسمة على وجوه الأطفال المصابين بهذا المرض ..                                                  

عُمر..كان من نصيبي، هو طفلي وحبيب قلبي, طفل لم يتجاوز الرابعة من عمره, طفل بعمر الورد .. طفل جميل ببرائته, بحزنه الذي لا يعرف له سببًا .. بجمال روحه الطفلة ..

 

في الطريق إلى غرفته, تضاعفت دقات قلبي ,وازداد خفقانه ..  لمعت عيني الدامعة بصمت دون أن يلحظ أحد سبب لمعانها, وفكري مشغول بعمر, أحدث نفسي خفية عن صديقاتي اللواتي يمشين معي :"هل سيكون عمر مبتسمًا ؟! أم سيكون كئيبًا ؟؟ هل يعي ما يحصل حوله؟ هل يعرف سبب اختفاء شعره, هل يعرف أن عمره بدأ بالنقصان ؟؟ أم أنه لا يعرف سوى أن أهله قد أتوا به إلى هذا المكان مجهول الهوية, إلى المكان الذي يحتوي الكثير من الأجساد الميتة والأرواح الحية !!

 

وصلنا لغرفته, وقفت أمام الباب, حبست دمعتي ونظرت للهدية التي  أحملها بيدي, لملمت كلماتي الرقيقة المبعثرة التي سأخبره بها, ثم تساءلت :" هل سيحبني كما أحببت روحه؟ أم أنه سيكرهني لإحساسه بأني أشفق عليه !! ربما لن يذكرني حتى !" دخلت إلى غرفته ودخلت صديقتاي معي, ها هو عمر .. مستلق على سريره الأبيض .. فتحت فمي لأخبره من أنا, لأخبره كم أحبه, تحشرجت الحروف عند حنجرتي, كنت سأنهار بكاء .. طفل بعمر الورد , آآه كم هو نحيف؛ إنه المرض! قد طغى على جسده, لم يرحمه, لم يترك له مجالًا ليعيش لحظة من الطفولة, رأسه خال من الشعر؛ بسبب جرعات العلاج الكيميائي, هل يا ترى يعرف سبب اختفاء شعره ؟! خطرت ببالي كل هذه المشاعر حالما رأيت صديقي الصغير عمر, ضغطت على مشاعري  وأمسكت قلبي من السقوط .. وقلت له :" مرحبا عمر كيفك"، لم يجب، إنه حزين جدًا,  رغم أنه لا يعرف أصلًا ما سبب حزنه, ولونه مصفر جدًا ..

 

دخلت والدته إلى الغرفة, آه كم هي منهارة, إنها كئيبة جدًا ,امتلئ قلبي حزنًا عليها وخوفًا على ابنها, حاولت أن تبتسم .. ابتسمت ابتسامة رقيقة, لا تحمل معنًى للفرح, قالت لابنها :" ماما احكي" , لم يجبها .. أكملت حديثي معه, وإن لم يجبني لربما خربشت في قلبه خربوشة أحبها، لربما ابتسم داخله, لربما أيقظت روحا بريئة داخله, قرأت له ما كتبت على كرت الهدية: "البطل الشطور عمر أنا بحبك كتير كتير", وأخبرته كم هو جميل وكم هو رائع  وفتحت له الهدية, هديتي كانت ملصقات للأطفال, مما يحبه الأطفال في هذا العمر .. وأخيرًا حرك شفتاه, ابتسم بالخفية عني, لكنني لمحت تلك الابتسامة البريئة, كلما سألته سؤالًا أجابني ب:"إمم", أي نعم, وبدأت أريه الملصقات وأخبره أن لايعطي أحدًا منها, وأنها له وحده وأنا قد خصصته بها؛ لأنه بطل, لأنه طفل رائع, لأنه عمر ..

 

أخبرته كم أحب اسمه وكم هو اسم جميل ..أخبرته أشياء كثر, هو طفل يحمل كل معاني الطفولة إلا أنه لا يفمها, هو خائف من الأيام القادمة .. لا يعرف أي شيء عما يحصل حوله, يحمل داخل قلبه مخاوف عديدة, طلبت منه  أن آخذ صورة لي معه, للذكرى فأجابني ب :"إمم" أيضا, كم هي صورة جميلة تلك التي التقطتها صديقتي لي وله ..

 

حانت لحظة الوداع .. كان بودي أن أبقى معه .. لكن مشاعري لم تسمح لي، كنت سأنهار بكاء أمامه .. ربما لم أجلس معه سوى لحظات قليلة معدودة, إلا أنني أحببت روحه, أحببته كل الحب, ودعته وقلت له :"باي باي حبيبي, لا تنساني" لوحت له بيدي, وإذا به يلوح بيده لي ليودعني .. عاهدته بصمت كئيب أن أدعو له بالشفاء ليل نهار .. سأناجي ربي وأدعوه بأن يشفيك يا صديقي ..

 

خرجنا .. تاركين قلوبنا عند عمر .. عمر أحببتك جدًا وسأحبك جدًا , وسأدعوا لك باشفاء العاجل إن شاء الله .. سامحني, لم أستطع أن أفرحك, سامحني ..

 

 عمر .. الطفل الصامت الذي لم ينطق بكلمة, ربما كان خائفًا, أو ربما .. بدأ يشعر بما يحصل حوله .. 

 

طالبة في الثانوية العامة

مدرسة خاصة في الأردن

 

sad boy in rain.jpg


شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك