وداعًا

30 أغسطس , 2012

 انتفض جسدي عندما قالت لي: "جِدّة ماتت"، قفزت من سريري بقوة وأخذت أقول لها: "لا، بتمزحي"، ركضت مسرعة نحو الباب وأنا أتمتم:"لأ، مستحيل، بتمزحي، مستحيل"…

 

   كان ذلك في الثاني من شهر حزيران من العام الحالي "2012"…

كانت عيونها غارقة بالدموع، إلا أنني لم أصدق، وأقنعت نفسي أنها تمزح معي، ولكن، لا مزاح في الموت…فعندما وصلت باب الغرفة وجدت أمي وأخي مندهشان مثلي… فقلت: "بتمزح صح؟! "، فأجابني:"لأ ، الله يرحمها"…

لم أتمالك نفسي، وانهمرت الدموع وحدها… وشريط من الذكريات الوردية الجميلة مر أمام ناظري… نعم ،هي صدمة كبيرة ولها أثرها العميق في القلب…ما أصعب أن تفقد شخصا عزيزا على قلبك! شخصا اعتدت على وجوده دائما… ما أصعبه من يوم، ما أصعبها من لحظة، ما أصعب الموت… ما أصعبه…!

 

 

اعتدنا على وجودها بيننا دائما…اعتدنا أن نضحك سويا…أن نأكل سويا، أن نشرب الشاي سويا، اعتدنا أن نأكل "الخيار" معا… عاشت معنا أدق التفاصيل في حياتنا…

 

 

لأنها كبرت كثيرا… اعتقدنا – مخطئين- أنها ستبقى معنا دائما، أنها لن تفارقنا، وكنا مخطئين في ذلك…  فها قد ذهبت تاركة ورائها قلوبا تحبها وتعشقها…

مررنا بظروف صعبة جدا، ولكن موت الجدة الحبيبة كان أصعبها وأكثرها ألما…

 

 

    ذهبنا للمشفى لنودعها قبل أن تغسل… لنطلبها أن تسامحنا… لنعاهدها أننا لن ننساها من دعائنا، لنخبرها أنها في القلب، لنقول لها كم وكم نحبها… نعم نحبها حبا شديدا وكم نحن محزونون على فراقها… انتابني شعور أنني في حلم، في كابوس بشع، مخيف، أليم… لكن صوتا ما بداخلي كان يصرخ بي :"استيقظي لقد ماتت…استيقظي"  فتح الرجل الثلاجة، عمنا صمت كئيب، كشف لنا عن وجهها، كم هو وجه بشوش… كم هو ناعم… اقتربت منها، ربما كنت خائفة، لكنني رميت بخوفي جانبا واقتربت أكثر… تحسست وجهها… لمست شعرها… وقبلت جبينها، نظرت إلى وجهها مرة أخرى… وانسابت الدموع على وجنتي…

 

هي آخر قبلة… هو آخر وداع ،هو الوداع الحقيقي، وداع إلى أن يشاء الله لنا اللقاء في جنانه…

لم أٌقل شيئا، لم أفتح فمي بكلمة فالموقف أعظم من ذلك بكثير… بالكثير الكثير… جدتي وحبيبة قلبي وقرة عيني ساكنة بلا حراك… جسد بلا روح… ما أصعبه من موقف…

 

 

آه يا جدتي كم بكينا وبكينا… كم تألمنا يا جدتي، خرجنا..مرتدين دموعنا، حاملين همّا كبيرا على أكتافنا، حاملين ذكريات لا تعد، مرددين: "اللهم ثبتها عند السؤال… اللهم ثبتها عند السؤال"

 

 

كم أشتاق لصوتها… لمشيتها… لعيونها… أشتاق لطلبها الماء مني.. أشتاق لقصصها وحديثها… أشتاق لضحكاتها تعم الأرجاء… أشتاق لها جالسة على تلك الكنبة تقول لنا: "يوم الله ياخذ أمانته، لا تبكو علي يا جدتي وسامحوني"… وكيف لا نبكي يا جدتي؟! كيف لا نبكي وقلوبنا متعلقة بقلبك… في كل مرة قبل رحيلها من منزلنا كانت تقول هذه الجملة… إلا انها اليوم أصبحت حقيقة… وأخذ الله أمانته وبكينا كثيرا… نعم بكينا كثيرا…

 

 

صوتها لا يفارقني، لا يفارق أذناي:"أمينة.. أمينة" كانت تحب أن تناديني ب:أمينة ما أرق صوتها وأعذبه… وما أجمل ابتسامتها… أجمل من أجمل ابتسامة… وداعا جدتي وداعا..نعم ذهبت..وكلما أغمضت جفنا سمعت صوتها بكل الحب تناديني:

"أمينة… يا أمينة… يا جدتي كاسة ميّ"

3/6/2012

 

طالبة في الصف الثاني عشر

مدرسة خاصة في الأردن

c87ea50918.jpg


شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

التعليقات 5 تعليقات

bayan bishtawi منذ 7 سنوات

رحمها الله يا امينة كما كنت تحبين ان تناديك
رائعة عباراتك في تفاصيلها
الموقع الشخصي
رحمة الله عليها و

ابنة الإسلام منذ 7 سنوات

كلمات وردية جميلة تعبير رائع بل اجمل من رائع كما قالو ممزوج بعبير الحزن .. ايمان وفقك الله في دربك .. واطال عمرك .. رحمها الله وجعل مثواها الجنة يا رب …

إيمان العموش منذ 7 سنوات

آمين آمين ،، شكرا لك “روح” ،، هي مشاعر الألم مهما حاولنا أن نكتبها لا تعطي الشعور حقه ،،

آية العموش منذ 7 سنوات

الوداع … وهل هناك اصعب من الوداع ؟؟
أيُّ روحٍ للأماكنِ دُونَ أصحابها …..
كُلُهُم يَرْحَلون وَ لَا يَبْقَى سِوى صَوْت حَنِين قَدِيم !
ربي يرحمك يا جدتي العزيزة ويكون ثبتك عند السؤال
اشتاقُ لكِ لكن لم تَعد أحاسيسك على قيد الحياة …..
كلمات رائعة جدا جدا ممزوجة بعبير من الحزن

روُح .. منذ 7 سنوات

لا يسعني قول سِوآ..
ربي يرحمهآآ برحمته ويثبتهآآ عند السؤال ويسكنهآآ فسيح جناتهآآ يآآرب ياآرب ..

كلماآت جميلة ممزوجة بـ عبير الحزن <3 ..

أضف تعليقك