ثقافة الحد الأدنى

8 أغسطس , 2012

هكذا وصفَ والدي حالُ التعليم عندما كنتُ أناقش معه باستغراب بعض المواقف التي مررتُ بها في الجامعة ، والتي تجتمعُ دائماً لتلتقي عند ذاتِ النقطة: لا للتعمّق ، لا للمزيد من البحث أو الأسئلة! فكثيراً ما أجابَ المدّرسون في الجامعة أسئلتنا بجُملة: هذا الموضوع غير مهم لا تركّزوا عليه، أو هذا موضوع لا يشمله الامتحان… وما إلى ذلك من تلكَ الإجابات التي تبترُ الرغبة في التعلّم وتجتثّ الرغبة في البحث والاستكشاف من جذورها العميقة في نفس الطالب.

خلقنا الله تعالى وفطَرنا على التساؤل والرغبة بالفهم والإدراك. فمنذ قديم الزمان لم يتقدم البشر ولا ارتقت البشرية إلا بالبحث والعلم والتعلّم، ولم يتعايش البشر مع بعضهم ويتمكنوا من ترويض الطبيعة لتُـلائم معيشتهم إلا عندما درسوا هذه الطبيعة المُحيطة بهم وفهموا ماهيّتها ليستطيعوا العيش فيها والاستفادة منها.

 

اليوم، اختفت البيئة المُحفزة، تلكَ البيئة التعليمية التي يحلمُ بها كلّ طالب علم، البيئة التي تروي تعطّشه لطلب العلم، وتُغذي أفكاره الخلّاقة لينمو إبداعه، وحلّت محلها بيئةٌ روتينية ومملة، غالباً ما تنفّر الطالب من العلم وتحثّه على التصرف كالآلات ليس إلا، يحفظ المعلومات ليجتاز الاختبارات، يدرس بدون أن يتعلم، وما أن تنتهي السنة الدراسية حتى تبدأ مرحلة استفراغ المعلومات المحشوّة في دماغه ليستقبلَ العام الدراسيّ الجديد بذهن خالٍ من كلّ ما له علاقة بالدراسة!

 

إن هذه البيئة الخانقة للإبداع ما هي إلا وليدة نظام الحياة الذي نعيشه يومياً وبلا وعيّ منّـا، إننا نعيش اليوم ثقافة الاستهلاك والرضا بالحدّ الأدنى في كل المجالات تقريباً. فعندما تدعو أحدهم للصلاة في المسجد – على سبيل المثال – يردّ عليكَ مستنكراً: ألا تكفي الصلاة في المنزل؟ وكذلك حين تدعو أحدهم لصيام الستة من شوال فيردّ عليكَ قائلاً: الحمد لله أنني أصوم رمضان! ومثلهم أيضاً ذاك الطالب الذي تُحببه في التفوق فيردّ في نفور: من الجيد أني أجتاز الاختبارات بسلام! (الحمد لله إني نجحت!!)، وغير ذلك من الأمثلة والمواقف التي تعكس أمراً واحداً لا ثاني له، إنه الرضا بالحدّ الأدنى، في العبادة، في الدراسة وطلب العلم، في الحرية، وفي كل جانب من جوانب حياتنا.

 

ويبدو ذلك واضحاً جليّـاً عندما تنتقدُ العملية التعليمية، أو مؤسسة تعليمية – كجامعتك مثلاً – لتجدَ الكثيرين يردّون عليك انتقادك بازدراءٍ لتفكيرك، واستغرابٍ من مطالبتكَ بتحسين العملية التعليمية، أو إعطاء الطلبة حقوقهم الكاملة وتوفير البيئة الملائمة لهم والمناخ المناسب لطلب العلم، كثيرون أولئك الذين قد يتهمونك بالجحود ونكران الجميل، بل والتكبر على نعمة الله عليك وأنك لا تقدّر منحة الله لك وإعطاءك الفرصة للدراسة!

 

يجب أن تحلّ ثقافة أخرى محل هذه الثقافة البالية التي تهدم كل فرصة للارتقاء بفكر طلاب العلم، ثقافةٌ رسالتها أنّ الطموح والسعي نحو الأفضل ليس عيباً ولا تكبراً على نعمته عزّ وجل! إنما هو توظيفٌ لنعمه الكامنة غير المُستغلّة بشكل صحيح، وتسخير للموارد التي وهبنا إياها لتيسير عملية طلب العلم، وتعزيز أهميته في نفوس الطلبة، مما يقوي إقبالهم على العلم وحُبهم للتعلم، بدل أن ينظروا للدراسة على أنها عبءٌ ثقيل، وواجب أو مسؤولية أُلقيَت على عاتقهم رغماً عنهم. 

متى أدركنا الفرق بين الدراسة والتعلّم، وحين نستقبلُ العام الدراسيّ بنفسٍ توّاقة ومُتعطشة لاكتساب الجديد من العلوم 
حينها فقط نكونُ طلبة علمٍ حقيقيين ونافعين، لا نرضى بالحدّ الأدنى من العلم.

 

طالبة صيدلة- السنة الثالثة

جامعة قطر
 

empty.jpg


شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

التعليقات 6 تعليقات

حنين منذ 5 سنوات

شكراً لكم على تعليقاتكم .. تحيتي لكم جميعاً وتقديري

آية منذ 5 سنوات

وضعت اصبعك على الداء فعلا !!

محمد سلامة منذ 5 سنوات

جميلة جداً كلماتك .. فعلاً أصبحت ثقافةالإستهلاك هي السائدة .. وبالحدالأدنى للأسف .. ننتظر جديدكِ

سارة خنفر منذ 5 سنوات

ثقافة الحد الأدنى.. ما أبشعها من ثقافة، تهوي بها الأمم سبعين خريفا، وتزداد تخلفًا وتراجعًا..وجب قمعها واستبدالها، مقالة رائعه جدا يا حنين، تلخص حالنافي شتى المجالات بعبارة مختصرة وذكية “ثقافة الحد الأدنى”… ننتظر المزيد من إبداعك 🙂

إيمان العموش منذ 5 سنوات

حنين ،، أبدعتي ،، وكما قلت :”وحين نستقبلُ العام الدراسيّ بنفسٍ توّاقة ومُتعطشة لاكتساب الجديد من العلوم حينها فقط نكونُ طلبة علمٍ حقيقيين ونافعين، لا نرضى بالحدّ الأدنى من العلم”

علينا بالتغيير ،، ان نحبب أنفسنا بالعلم ولا نأبه بما يقوه الآخرون ،، فلنشحذ هممنا ونقوي عزيمتنا لنكون طلاب علم حقيقيين ،، ونجعل من حديث المصطفى ىصلى الله عليه وسلم نية لنحفز انفسنا على العلم والبحث عنه :”من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله به طريقا الى الجنة”

حنين عودة منذ 5 سنوات

شكرا حنين .. مقالك اختصر علينا الكثير مما نود قوله

أضف تعليقك