مُتفوقٌ هنا، وجاهلٌ هناك

18 نوفمبر , 2010

بعد ثلاث سنوات من الدراسة في أفضل المدارس النموذجية التي كانت أول المدارس التي قامت عليها فكرة المدارس المستقلة هنا في قطر، ودُفع عليها الكثير، حيث كانت مدرستي هذه تعد أفضل مدرسة مستقلة على الإطلاق، وبدأت المدارس الحكومية التي تحولت الى مستقلة تقتدي بها حيث تأخذ مناهجها وتدرسه لطلابها, وكانت معروفة بمهرجاناتها ومؤتمراتها واهتمامها بالرياضة والانشطة الخارجة عن المنهاج والكثير الكثير، مما أثرى سمعتها، ولكن للأسف الشديد كان المستفيد هم كل الناس سوى الطلاب, الذي يفترض أن يكونوا أول المستفيدين، بعد تلك السنوات، وبعد ذلك المديح الزائف، وبعد الدخول في تفاصيل التعليم في تلك المدرسة، ولقاء والدتي مع مدير الثانوية، تبين أنه لا بد من البحث عن مدرسة أخرى يكون الميزان الأكاديمي فيها مميزاً.

لم أكن أعتقد أبداً أنّه سيكون من الصعب عليَّ النجاح في امتحان القبول لمدرستي الجديدة  فقد كنت أُحرز أعلى الدرجات في امتحانات اللغة الإنجليزية  في المدرسة المستقلة, حتى أنّني كنت أُعد من المتفوقين فيها. ولكن المصيبة الكبرى كانت عندما جاءت نتائج الإمتحان, فقد حصلت على درجة ستة في المائة.

اضطررت بعدها أن أقضي صيفي وعامي الدراسي الأول في مدرستي الدولية الجديدة لأدرس اللغة بشكل مكثف, حتى أنني دخلت معهداً امريكيا لتعلم اللغة, قالو لي هناك في المعهد بعد امتحان المستوى:” أنَّ مستواي في اللغة لم يبلغ مستوى الصف الرابع الإبتدائي!!” وكان الطلاب ينظرون اليَّ كجاهل في اللغة في حين كنت في صفي الثامن في المدرسة المستقلة أُعتبر متفوقا. ولولا أن منَّ الله عليَّ بسرعة استيعاب المواد العلمية لضاع عليَّ الكثير ولما استطعت اللحاق بمستوى مدرستي الجديدة.

إذاً فحسب هذه المعادلة فإنَّ الطلاب المتفوقين في اللغة الانجليزية في المدارس المستقلة يقل مستواهم عن المطلوب من أربع الى خمس سنوات. وهذه علامة على أن المدارس المستقلة ليست كما يجب أن تكون فهذه المدارس قد بذلت جهدا في تطوير تعليم اللغة على اعتبارها لغة دولية يجب أن يعرفها الجميع. فقد حَوَّلت دراسة العلوم والرياضيات من اللغة العربية الى اللغة الإنجليزية وجاءت بمناهج هذه المواد من حول العالم, كما كثفت دراسة اللغة الانجليزية واعتُبرت هي الأصل في تدريسنا, فهي في الظاهر مدارس يخرج منها الطالب متفوقا جدا. أما في الواقع فهي ليست كذالك. وهذه علامة أخرى على أن عملية التدريس وإيصال المعلومة الى الطالب ليست صحيحة أبداً. وهذا أمرٌ قد تكرر مع غيري الكثير.

في داخل هذه الصفوف يدرس الطالب المادة المفترضة أن تكون بالإنجليزية بالعربية. فعلى سبيل المثال وفي حصة العلوم، يشرح الأستاذ المادة بالعربية في حين أنّه من المفترض أنْ يشرحها بالإنجليزية, حتى أنّك غير محاسب على أخطائك الإملائية اذا ما كتبت مصطلحا علميا. فالسياسة العامة والظاهرة للمدرسة أن يتم تعليم هذه المواد باللغة الإنجليزية ولكنها لا تطبق على أرض الواقع أبدا, وهذا ما يحدث في جميع الحصص حتى حصص اللغة الإنجليزية نفسها, فالأستاذ يشرح قواعد اللغة بالعربية حيث يقول أنه إذا كان الفعل ماضيا فيجب أن تضع بعده الكلمة الفلانية ويجبر الطلاب على أن يحفظوا كلمات معينة حتى يضعوها هنا او هناك ولكن شتان بين هذا وبين التعليم الصحيح الذي يقوم على مبدأ أن اللغة لا تعلم الا عن طريق سماعها أولا ثم التكلم بها وأخيرا قراءتها والكتابة بها.

اذا فما الفرق بين هذه المدرسة المستقلة والأخرى الدولية؟ الفرق هنا شاسع, ففي المدرسة المستقلة تهدف السياسة العامة الى تعليم الطالب حتى ينجح في الإمتحانات فقط لا غير, فلا تهتم إذا استطاع الطالب فعليا التمكن من إتقان المادة أم لا. وهنا يلجأ كثيرا من الطلاب الى أساليب عدة في التعلم غير سليمه, منها أن يحفظ النص الذي يجب عليه أن يكتبه في الإمتحان بعد أن يعرف عن ماذا ستكون الأسئلة من المدرس وغيرها الكثير, وقد يعلم المدرس بذالك ولكنه لن يهتم, حيث يكتفي بالقول للطالب أنّ هذا غير مفيد لك فقط لا غير، أما عن المدارس الأخرى فالسياسة التعليمية تهدف الى تعليم الطالب حتى ينجح في امتحانه أولاً وحتى يستفيد من ذالك طوال حياته من خلال التأكد من أن الطالب يتقن اللغة ويتعلم العلوم بشكلها الصحيح .

ولأجل تدريس الطلاب اللغة الإنجليزية في المستقلة كان ذلك يؤثر على المواد العلمية الأخرى  بحيث يقل مستواها حتى لا يتم الضغط على الطلاب لحفظ مصطلحات صعبة ومعادلات كيميائية وفيزيائية في المواد العلمية، فتُسخف العلوم ولا تتم الإستفادة إطلاقاً.

يجب على إدارات المدارس المستقلة التأكد من عدة أشياء قبل عملية تعليم الطالب. أولا التأكد من أن المُدرِّس يتقن ما يعلمه, ثانيا التأكد من أن الحصص تسير وفقا لما يجب أن تسير عليه ووفقا لأهداف المدرسة من تخريج الطالب متقنا للغة الانجليزية وغيرها التي هي لغة العلوم .

في يوم من الأيام وبعد انقضاء السنة زارني أصدقائي من المدرسة المستقلة, وبعد أن كلمتهم عن اللغة الانجليزية في الدولية، اكتشفت أنهم ما زالو لا يتقنونها لا وبل لا يركبون الجمل الإنجليزية بالطريقة الصحيحة، وهم الذين يحصلون على أعلى الدرجات في المدراس المستقلة !
حدث في مدرسة مستقلة في قطر
من الصف السادس – التاسع



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

التعليقات 7 تعليقات

Omar Asi
Omar Asi منذ 7 سنوات

“.. حتى أنني دخلت معهداً امريكيا لتعلم اللغة, قالو لي هناك في المعهد بعد امتحان المستوى:” أنَّ مستواي في اللغة لم يبلغ مستوى الصف الرابع الإبتدائي!!” وكان الطلاب ينظرون اليَّ كجاهل في اللغة في حين كنت في صفي الثامن في المدرسة المستقلة أُعتبر متفوقا. ..”

نادية درويش منذ 7 سنوات

شر البلية ما يضحك!
حتى اللغة التي أجبرونا على تناولها مع الطعام لنتحث بها ..نتعلمها بطريقة غير سليمة ..
أعتقد بأن المشكلة تكمن في منهجية تلك المواد ..فأرى بأن هدفهم اتقان الإنجليزية فحسب ..لا التدريس بهدف التعلم وتنمية التفكير لدى الطلاب..حقا ..مجرد قشور نلبسها وجوهرنا لا يكن لعظمة العلم شيئا..

موضوع غاية في الأهمية..أشكرك عليه حقا ..

Tareq Altal
Tareq Altal منذ 7 سنوات

لا تلومي الحكومات يا صفاء , لأن ثقافتها أصلاُ ليست مثلنا هم ليسوا من بني جلدتنا فحاكم هناك لا يستطيع تكلم العربية الفصحى لمدة عشر دقائق متواصلة لأنه تربى هناك عندهم في الغرب وآخر يدعو إلى التعليم بالعامية في المناهج وحذف الفصحى منه لأنها تؤدي نفس الغرض …… على كل ٍ التعليم عندنا يواجه مشكلة حقيقية على شتى الصعد وللمهتم بمعرفة أصل دخول الغرب إلى لغتنا ومدارسنا وثقافتنا فليقرأ كتاب رسالة في الطريق إلى ثقافتنا .

Safaa Khateeb
Safaa Khateeb منذ 7 سنوات

عجيب امرنا وما تفعله بنا الايّام !
في دولة عربية اصيلة صارت مشكلة اهلها عدم تعلم لغتها ” الانجليزية” بشكل لائق!
لا الومك ،، ولا الوم مدرستك ! بل الوم تلك الحكومات التي رضيت بأن تُغرّب لغتنا وثقافتنا وتسلخنا عن اصلنا .
وفي مثل حالتك أنا.. العبرية عندي اهمّ من العربية بدرجات !
اصلح الله حالنا ! ,, ووفقك في تعلم اللغة الانجليزية 🙂

sarah
sarah منذ 7 سنوات

شيء طبيعي، فمن يفكر بالتعليم بغير لغته الأصلية فلا يتوقع سوى هذا !

Taha Afaneh
Taha Afaneh منذ 7 سنوات

عاصم …. نحن لدينا في المدرسة الصف العاشر و الحادي عشر و الثاني عشر الصف العاشر ينقسم إلى قسمان قسم العاشر العادي و العشر IGCSE و هذا القسم يعتمد كليا على اللغة الإنجليزية . و لكن الأساتذة الذين يدرسوننا هم نفسهم الذين يدرسون العاشر العادي فمثلا استاذ الكيمياء يشرح جميع الحصص بالغة العربية و انا نشأت منذ صغري على المدارس الأجنبية و التدريس بالغة الإنجليزية و عندما تنتهي الحصة يخرج الأستاذ من دون أن يسأل الطلاب السؤال الذي من المفترض من جميع ا
لأساتذة بسؤاله ” هل هناك طالب لم يفهم الدرس “

Rahaf Shama
Rahaf Shama منذ 7 سنوات

ما خلصت إليه من تقريرك .. أن ثمة فجوة شاسعة في اللغة الانكليزية بين نمطي المدارس المستقلة والدولية ..
لكن .. ثمة فجوة أخرى أيضا هي تلك التي تفصل بين الثانوية العامة والجامعة التي تعتمد الإنكليزية ( وهذا حال كل أو أغلب الجامعات في قطر ) ..
لعل المستقلة تحاول سد تلك الأخيرة لكن دون جدوى ..
أظن أن بؤرة المشكلة هي فكرة التعلم أصلا باللغة الإنكليزية في بلاد عربية ..
كفانا محاولة ارتداء ثوب ليس بمقاسنا ..

أضف تعليقك