هذا ما ندرسه في “تربيتنا الإجتماعية” !

30 أكتوبر , 2010

trbea-218x300

النص: رينة ليفنسون

نشأت في مدينة سيبير دلوفسكي ، وإسمها اليوم ييكترينبورغ ، عاصمة إقليم أورال . مدينة للبرد والثلج . كنيسنا كان مُهدّماً ولم يبق في حياتنا أي مدلول أو ذكر لليهودية : لا أعياداً ولا قصصاً من الماضي ولا صلوات.

كنت صبية نحيفة وصغيرة وعديمة الإحساس بالهوية . حين سمعت أول مرة الكنية المهينة ” ييدوفكا” ( يهودية صغيرة ) ، لم أفهم حتى معناها ولكنني عرفت أني مختلفة أي أقلّ قيمة. وكيف يمكن للأمر أن يكون غير ذلك مع إسمي كاسمي (ليفنسون ) ، كان إسماً شديد الغرابة مقارنة بأسماء سائر الأولاد في بستان الأطفال ومدرستي .

كذلك رينة ، إسمي الشخصي – لم يكن شائعاً . هذا الإسم كان شاذاً في روسيا

حين طلبنا الهجرة إلى البلاد وحين قبل طلبنا بعد فترة طويلة من الرفض كان علينا أن ندفع للسلطات مقابل تنازلنا عن المواطنة الروسية ومقابل تنازلنا عن بطاقة هويتنا الروسية..

حين هاجرت إلى البلاد شعرت كمن عادت أخيراً إلى هويتها ، شعرت كمن عادت إلى اسميّ أبيها وأمها ، كمن عادت ألى هويتها الإسرائيلية .. هنا في البلاد الاسم ” رينة ليفنسون ” ليس غريباً بل طبيعي للغاية .

وهنا في البلاد أصبح عندي لأول مرة بطاقة هوية حقيقية . عدت إلى الماضي اليهودي ، إلى بلادي، إلى هويتي الحقيقية .

رينة ليفنسون ، شاعرة يهودية هاجرت من موسكو إلى إسرائيل في السبعينات ، تعلمت اللغة العبرية في البلاد . منحتها منظمة “فيتسو”  جائزة المرأة المبدعة سنة 1996 .

———————————————————–

[ تعريف]

” التربية الاجتماعية ” ، هو درس من الدروس التي ندرسها خلال أسبوعنا التعليمي، وهناك درس أو إثنان مخصصان لهذا الموضوع كل اسبوع. وفي مدرستي الثانوية، التابعة لوزراة المعارف والثقافة الاسرائيلية أقوم بتعلّم درس واحد لضيق الوقت ولكثرة المواد في الفرع العلمي التي علينا انهائها ولله الحمد .

في كل يوم إثنين، الدرس الخامس موعدنا مع ” التربية “، وهو درس نقضيه عادة في اللهو أو مراجعة مادة اخرى، أو ورشة عمل حول الصحة وشيء من هذا القبيل .

[ حدث ]

قبل عدة أسابيع، وفي إحدى دروس التربية، قامت المعلمة بتمرير الورقة المصورة أعلاه، حتى نناقش المحتوى فيما بيننا.

في البداية لم أعر الورقة وما فيها أدنى إهتمام فعادة ما تكون هذه الأوراق وهذه الفعاليات حول ” أضرار التدخين على الفرد بشكل خاص والمراهق بشكل عام “. فكيف أعطي الإهتمام لهكذا مواضيع وأنا التي لا أؤمن بشيء يدعى مراهقة ولا أقرب التدخين لا من قريب ولا من بعيد.

أعطتنا المعلمة زمناً مخصصاً لقراءة المحتوى ومناقشته، وشرعت زميلتي في قراءة النص، فأصغيت واذ بسمّ كاد يسري في عقول الطلاب لولا أن أوقفتها وأشرت للمعلمة بالخلل الموجود في المحتوى! فتحججت بأنها لم تقرأ النص بعد وقبل قليل فقط قامت بتنزيله من موقع وزارة المعارف ” قسم التربية” وأنه ربما يكون هناك شيء يسيء، لكن الآن دعي الدرس يمرّ ! وفي المرة القادمة سوف ”  أحرص” على أن أقرأ الفعالية قبل تمريرها لكم !!

[ أسئلة حائرة ]

بعد قراءة النص كان ينبغي ان نسأل بعض اسئلة وجهتها لنا حتى نناقشها وكانت الآتي :

ما موقف المؤلف من بطاقة الهوية، وهل توافقونه الرأي وأية مشاكل ومصاعب طرح المؤلف حول الهوية، وما معنى بطاقة الهوية في رأيكم ؟

[ إجابات عقيمة ]

ترى كيف يجيب الطالب المسلم الفلسطيني العربي على هذه الأسئلة وبأي طريقة يعرض رأيه، هل هو داعم للمؤلف؟ وهل يشعر أصلاً بطعم الهوية الحقيقية حتى يستطيع الاجابة؟. وكيف يجيب وهو الطالب الذي يعاني من خلفية وطنية لم يمرّ بها شعب من شعوب العالم. وهو الطالب الفلسطيني الذي يعاني ” صراع الهوية ”  فلا يستطيع القول بأنه فلسطيني الأرض والهوية لأنه يحمل جنسية إسرائيلية. وهو الذي تسمى ارضه اسرائيل رغماً عنه وهي في الحقيقة ” فلسطين” . كيف يجيب هذا الطالب عن أسئلة كهذه وهو الذي هُجَّر جده من أرضه ووطنه وعانى مرارة الظلم والحرمان والشتات وإن لم  يكن جده فتجده عمه أو خاله !.

وكيف يدرس الطالب المسلم الفلسطيني نص مقتبس من سيرة ذاتية لإمرأة يهودية ليست من دينه ولا من عرقه ولا تكن له الإحترام ولا الحب!

هل يؤيدها الرأي وهي التي أتت من روسيا لـتأخذ مكان أجداده وهي التي كانت سبباً في نكبة شعبه منذ اثنين وستين عاماً.. كيف يجيب؟

[ مستقبل ]

سمّ بطيئ يُدرّس ، وسمّ بطيئ لا يناقش، وتستمر المعلمة في تمرير هكذا نصوص في كل اسبوع وطيلة الثلاث سنوات التي يقضيها الطالب في المرحلة الثانوية.. ومع الايام يتشرب الطالب المسلم الفلسطيني هذا الكمّ الهائل من المعلومات التي أصبحمن الطبيعي دراسته له ومن ثم يتعاطف مع قضية ” الشعب اليهودي”  وينسى مأساته !!

[ منهاج مضلل ]

وطبعاً هذا ما تريده بالضبط وزارة المعارف اليهودية الاسرائيلية، تضليل الطالب العربي وتشبيعه بهكذا أفكار ومنهاج يعرض ” اليهود” على أنهم المجني عليهم والمظلومين . ولنتعاطف .. ولننسى … ولنتخدّر !

وبهذا تكون معلمة الموضوع وهي مربية الصف، الوسيلة التي تقوم بها إسرائيل بنفث  سمّها . وتصيب السهم نحونا .. نحن الطلاب !!

[ أنا .. وغيري؟ ]

نعم ، أنا افهم ما يحاك ضدي وكيف تكون اللعبة وأبصم قواعدها وأنا قرأت سياسة إسرائيل وتاريخها وأعرف ماذا تريد وكيف تصل إلى ما تريد والفضل لله .

وغيري؟ باقي زملائي في الصف ، الطلاب في جميع المدارس العربية ؟ الذين لم ينتبهوا لما يجري ولم يعلقوا .. وناقشوا المحتوى ..

وهم الذين لا يقرأون طيلة حياتهم سوى كتبهم الدراسية المقررة في المنهاج الذي وضعته وزارة المعارف  ” المضللة ”  ، كيف يفهمون وكيف يعون ؟ وكيف يصلون إلى أنّ هذا سمّ ويجب الإبتعاد !

وتمرّ الايام .. ولترى زملائي في الصف أصبحوا شباباً .. تجدهم في صفوف الخدمة المدنية قابعون .. وفي مقدمة ” جيش اسرائيل”  يقاتلون إخوانهم من بني جلدتهم .. وخلف الكواليس يمارسون التجسس في ” مخابرات اسرائيل”  .. هذا مصيرهم ليس الاّ !

وهل سأستطيع أنا حمايتهم أو إخبارهم بالصواب والخطأ وتوعيتهم؟؟  لنقل سأستطيع الإفادة داخل إطار صفي وفي حدود معارفي .. والباقي؟  فمن قرأ قد قرأ .. ومن فهم قد فهم .. ومن تسمم قد تسمم.

[ رينة ]

مسكينة رينة ، لقد هدم كنيسها الذي من حقها أن تتعبد فيه كسائر البشر .

مسكينة رينة ، لم يسمح لها بتعلم تاريخ أرضها ووطنها وأمتها طوال فترة إقامتها في روسيا .

مسكينة رينة ، كانوا يحتقرونها بسبب إسمها .. وتعامل معاملة الشواذ فقط لأنها يهودية !!

وقد اضطهدت ودفعت المال حتى تتنازل عن هويتها الروسية مقابل ” العودة ” إلى إسرائيل .

واخيراً .. عادت رينة لأرضها .. لوطنها .. لطبيعتها التي فطرت عليها.

[ أحمد ]

نشأ أحمد في قرية صغيرة قضاء حيفا تطل على البحر الأبيض المتوسط، قرية من أجلَّ قرى فلسطين، قرية سكنها أجداد أجداده من قبله. وأتى اليوم الذي أتت فيه العصابات لتهدم مسجد أحمد ولتقتل والده أمام ناظريه ولتهدم بيته ولتضرب امه ولتنكل بأخاه .. فلا صور .. ولا ذكريات .. ولا حكايات ليالي !

وهجّر أحمد مع عمه إلى مخيم من مخيمات اللجوء في لبنان..

واليوم ، وبعد مرور اثنان وستون عاماً.. أخيراً حصل أحمد على جائزة ” المتأمل المبدع ”  من ” خيمة ديوان مخيم شاتيلا ”  لكثرة ما تراه يحدق في الأفق علّه يرمق خيط أمل في  العودة إلى قريته ” أمّ الزينات ” !

[ موازين مختلّة ]

ويحك يا رينة، كتبت عن مبلغ بسيط تدفعينه لروسيا ونسيت أنّ اللوبي الصهويني هو من يحرّك إسم أمريكا والعالم كلّه !! ونسيت أنها من أغنى شعب في العالم !

ويحك يا أحمد ، فمكانك ليس في فلسطين، إنه مكان رينة.. اهلها ومن هم مثلها.. مهجرون مضطهدون في باقي دول العالم .

لقد فطنت رينة أنها مظلومة ولم تفطن إلى من ظلمت وماذا فعلت مقابل أن تجيئ إلى أرض ليست لها ولكنها .. ” أرض بلا شعب لشعب بلا أرض ” ! وأنها من ” شعب الله المختار ” ..

ولم تفطن إلى أنها بلا ماضٍ في هذه البلاد.. بلا تاريخ.. ولا حتى مستقبل ان شاء الله ..

[ وحتى ياتي ذلك المستقبل.. هذا ما خططته على هامش النكبة .. وتصبحون على وطن ] ….
يحدث في مدرسة حكومية في الأراضي المحتلة
طالبة في الثاوية العامة



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

التعليقات 7 تعليقات

Tareq Altal
Tareq Altal منذ 6 سنوات

أتوقع أن السنة القادمة ستأخذون كتاب اسمه “وجهة النظر الأخرى ” تبين فيه أن الأرض هذه لليهود وبالأدلة وعلى الطالب الاختيار ……!!!!!1

أماليد عبدالله منذ 6 سنوات

رهف :
مستعجلون ونحلم فاقدين عزما ً لابد منه لبناء جسر يصل بينه وبين الحلم …!

أماليد عبدالله منذ 6 سنوات

حقا ً أفقدتني كلماتك حبر قلمي !!
لا أدري ماذا أقول ….
وليس بوسعي سوى أن أدعو لكم ..
أن يثبت الله أقدامكم وينصركم ..

شكرا صفاء ولا تبخلي علينا من روافد نهرك ..

Safaa Khateeb
Safaa Khateeb منذ 6 سنوات

السلام عليكم ،،
الآنسة أروى : ما يدور على ارضي هو الكثير الكثير وما كتبته في الاعلى ليس الاّ اقلّ القليل .
لم اضع الا! نقد للمناهج .. وهناك الكثير حول المناهج وحول الهوية وحول الاخلاق والمجتمع .. ممارسات تحاك ضدنا لتجهيلنا سياسياً ودينياً واخلاقياً ..

الآنسة حنين : اهلاً بك .. وهدفنا هو الافادة لكي يعلم الجميع ماذا يدور على الارض ؟

الآنسة رهف : أسوار القدس بانتظاركم جميعاً .. وامل اللقاء لن ينقطع !
ونحن دائمو الدعاء بأن يصلح الله الحال !

Rahaf Shama
Rahaf Shama منذ 6 سنوات

أحييك .. على صمودك ..
.. على الأمل الذي لم ولن ينفد بإذن الله من ضخات شرايينك ..
على سلاح رفعته أقوى من السيف .. ( قلمك )..
وعلى ما لا تنتظرين تحية عليه .. حبك إخلاصك .. لوطنك ..وبني وطنك ..

جميعنا نحن المسلمون تحت وطأة احتلال ما ..
لكن جسد فلسطين قد نال الإصاية الأعظم .. والضربات الأشد ..

واثقون معك ..
أن فلسطين ستنهض وستشفى وستبرء وستفتك بكل من يعضها وينهش لحمها ..
ولكن كما قال رسول الله : (( ولكنكم تستعجلون )) ..

كلماتك أوجعتنا .. وهزت فينا ما لم يكن غافيا ..وأسقتنا مزيدا من العزيمة لنكون معك .. ولتصطف أرواحنا معا على أسوار الأقصى تذود عنه ..

ابقي على تواصل معنا .. فأقلامنا .. ذوات نبض واحد ..

Haneen Odeh
Haneen Odeh منذ 6 سنوات

رائع جداً ياصفاء !!
شكرا على الإفادة ..

Arwa al tal
Arwa al tal منذ 6 سنوات

شياء من هذا القبيل تعتبر أكثر صدمة مما هو متوقع.. لأننا بالأصل لا نعرف أي شيء عما يدور في مدارس أراضي الثماني والأربعين أصلا.. فكيف اذا كان أولادنا هناك يتعرضون لنصوص من قبيل سؤال الهوية بالنسبة لمحتليهم، فماذا عن سؤال الهوية بالنسبة لهم، يا الله ،كأنه لا يهم، هم فقط يتلقون كل هذا الإضطراب، وعليهم قبوله، والتعيش معه . ربما اليوم إكتشفت أهمية موقع صوت الطلبة، بعد هذا المقال، فهناك احتلال فوقه احتلال فوقه احتلال، من فوقه احتلال آخر، وعن يمينه احتلال وعن شماله، احتلال لا يريد أن ينتهي، لكن بفضل الله هناك من طلابنا من يستعصي على كل أنواع الإحتلال مهما تكثفت، وهذاأكبر دليل على أننا في مجتمعاتنا العربية ومن داخل الصفوف لازلنا بخير ولا زلنا نملك وعينا،فنحن لذلك باذن الله بامثالك منتصرين لاريب .
بارك الله فيك على هذ ا المقال الرائع، والأهم هذه الوقفة الشجاعة على أرض الواقع .

أضف تعليقك