لأجلِكِ يا منسيَّةُ أكتبُ!

8 يناير , 2018

يزعجني منظر حروفك وهي غير منسقة وتستفزني مخارجك المبدلة والمشوهة، أقلب في المواقع لأجدهم يكتبون “إنشاء الله” فيسلبون حريتك يا نون (إن) في أن تظهري بدون شين تقيدك وتشبكك؛ ربما لأنهم لا يفقهون أن “إنشاء” هي كلمة من حروفك أيضًا تعكس معنى آخر غير الذي يقصدونه في هذا السياق، وربما لأنهم لا يهتمون أصلًا بطريقة عرضك وكتابتك.

 

ثم تخرم أذني جملة “المتوفِّي حديثًا” من إحدى القنوات مع أننا لو عقلناها لعلمنا أنه ما من متوفٍّ غير الله. ثم بعد ذلك تجد الشاب منا يستغرب لإخفاقه في اقتناص وظيفة بلغة ما مع أننا في الأصل لا نعرف كيف نعبر عن آرائنا أو نوصل أفكارنا بلغتنا الأم.. بلغة عربية فصيحة.

 

في الوقت الذي نبحث فيه جميعًا عن الدورات المعتمدة في اللغة الإنجليزية، وأسهل لغات البرمجة للتعلم وأمهر فنون التسويق والتواصل الاجتماعي لضمان منصب الأحلام، تجاهلنا أن نعي ما نقول ونفقه ما نكتب أولًا بلغتنا العربية. والمشكلة أنك عندما تخبر إحدى زملائك بخطورة ذلك، يهوِّن عليك الأمر مدعيًا أنه ليس كاتبًا صحافيًا ليتعلم اللغة العربية الصحيحة، ولا هو بمتقدم على وظيفة تدريس للنحو والصرف. دعك من ذلك إذًا، هل أتقنت اللغة الإنجليزية التي تبذل فيها نصف أموالك؟

 

تعترض طريقنا وتهيمن على مواقع تواصلنا كل يوم إعلانات عن مثل هذه الدورات ثم يتخرج المئات منها لينضموا إلى اتحاد الساخطين على اللغات، غير القادرين على توظيفها واستخدامها. بل الأدهى من ذلك عندما نتلفظ بالكلمات، تظهر العجائب؛ فلجهلنا بالمخارج الصحيحة لحروف اللغة العربية التي تحتوي على نظام صوتي يسع ما هو أدق من كل الحروف الإنجليزية، أصبحنا ننطق كلمة (think) على أنها (sink) رغم أن لكل منهما معنى لا يمت للآخر بصلة، ولو كنا على دراية بلغتنا لأدركنا أن مخرج ال(th) يشبه حرف الثاء، رابع حروف الألفبائية العربية!

 

ثم تأتي لغة الدعة والراحة “الفرانكو أراب” لتخبرك أنه لا حاجة لإرهاق ذهنك بتذكر القواعد النحوية الصحيحة أو التفريق بين الهمزات؛ فرسائلك ستصل مشفرة بحروف إنجليزية لا تعني شيئًا للأجنبي مختلطة بأرقام. ونتاجًا لهذا التشويش، ظهر كُتَّابٌ عرب جدد شوهوا معنى الكتابة والفكر الذي عكف على تشكيله عمالقة الأدب على مر العصور، فأصبحت كتاباتهم تثير شهوتنا نحن الشباب وتدفعنا للطيش بدلًا من أن تكون القراءة وسيلة لتهذيبنا، وأضحى الروائيون يكتبون باللغة العامية في روايات بأكملها، بحجة سهولة إيصال الفكرة وحث الشباب على اقتناء الكتب، ولو أنهم على فهم بلغتهم لاستطاعوا تخير الألفاظ السهلة العميقة التي استخدمها مَن قبلهم لإمتاعنا بالمعاني الجميلة.

ولكن، لحسن الحظ، تعد أفكار هذه الفئة من الكتاب ومقاصدهم من وراء ما يكتبون أحقر بكثير من أن تزين بحروف عربية أصيلة! كل هذا تسبب في استسهالنا وتهاوننا باللغة، فبدلا من تشجيعنا على تعلم اللغة العربية الصحيحة حتى نفهم أكبر قدر من الكتب التي نقرأها، أمسينا نقنع أنفسنا أنه لا داعي لذلك؛ فلدينا ما يكفي من الكتب العامية.

 

ثم ماذا؟ ثم هي النكسة اللغوية والنحوية ومن ثم الأخلاقية التي نعيشها. فنحن عندما ندرس أي لغة، لا نكتفي بظاهر القول من الألفاظ الشائعة والمفردات التي تساعد على الفهم والتواصل فحسب، وإنما نتعمق بقصد أو بدون قصد منا في عادات وثقافة هذه البلاد وتتحول اللغة من وسيلة للتفاهم إلى غاية بذاتها؛ فنسعى إلى تقليد الأفعال وتقمص الشخصيات وافتعال العادات وتبني الأخلاقيات، وما أبعد العادات الغربية عما تحمله العربية في قصصها وقرآنها من أخلاقيات وآداب. ولم يكن التعرف على العادات الغربية ومعايشتها عيبًا في حد ذاته، إنما تتجلى المعضلة عندما لا نملك مخرونًا سليمًا ومتأصلًا يجعلنا نميز بين مقبول ومعيب.

 

اللغة هي بوابة الإنسان إلى عالم العادات والتقاليد والأخلاقيات، ولكننا وللأسف ولدنا في مجتمع مشتت يهتم بظاهر الأمر من امتلاك لسان أجنبي يجيد النطق والحركات، دون تحمل تبعاته، وإلا فلماذا تحرص فرنسا كل الحرص على تعليم جميع علومها بلغتها الأم؟ ولماذا تقدس ألمانيا، رغم عنصريتها، كل أجنبي يتقن لغتها ويدرس بها؟ إنها قضية هُويَّة لا أكثر. إنها قضية حفاظ على شخصية وصيانة لها لا أقل. هنا أفهم قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين قال:

“تعلموا العربية؛ فإنها تثبت العقل، وتزيد في المروءة”.

 

أما حان الوقت لنتصالح مع من وفرت لنا سبل الطلب والكلام، مع أول من حركات ألسنتنا وشكلت كلمات وجمل تترجم احتياجاتنا ومشاعرنا وأحوالنا؟ مع لغتنا العربية؟

لا أعلن الحرب على اللغات الأجنبية، وإنما أدعو إلى التوازن، فبعد كل ساعة أقضيها في تعلم الإنجليزية، ألحقها بساعة لتعلم العربية. ولا أقول هنا أنه علينا استذكار دروس النحو والصرف وإنما الاستماع والقراءة وإحاطة أنفسنا بكتب للأدباء القدامى الذين أدَّبوا بأدبهم أجيالًا، وهجرت كتبهم في عصرنا هذا. ربما لا يوجد العديد من المصادر العصرية المتقنة لتعلم اللغة العربية، ولكنها تبقى مسؤوليتنا أن نوفر هذه السبل وأن نظهر هذه اللغة في صورة مقالات وكتابات ومبادرات لنخرجها من ظلمات الهجر إلى نور الاستعمال والتوظيف؛ فنحن بتخلينا عن هذه اللغة، نتخلى عن ذواتنا الحقيقية ونغدو نسخًا مكررة.

أيحق لنا بعد ذلك أن ندعي أننا لسنا بحاجة إلى لغتنا العربية؟



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

التعليقات تعليق واحد

د.حاتم الأنصاري منذ 8 شهور

أحسنت أحسن الله إليك!

أضف تعليقك