آهات .. مع اللغة الألمانية !

5 يوليو , 2015

لست وحدي اُعاني من اللغة الألمانية، فالأديب الأمريكي الساخر مارك توين لم يفعل مثلي ولم يكتب مُجرد مقالة متواضعة عن مُعاناته عندما زار مدينة هايدلبرغ عام 1880 وحاول أن يدرس اللغة الألمانية، بل راح وألّف كُتيّباً سمّاه (اللغة الألمانية المُرعبة) دّون فيه مُعاناته، مؤكداً بالدلائل والبراهين على استحالة إتقان هذه اللغة بالنسبة للأجانب، فقد كتب في كتابه: “الأموات وحدهم يملكون الوقت الكافي لتعلّم هذه اللغة”، وهو القائل: “بإمكان إنسان موهوب أن يتعلم اللغة الإنجليزي في 30 ساعة، والفرنسية في 30 يومًا والألمانية في 30 عامًا”. ولعل مارك توين بالغ كثيراً، إلا أن في كلامه الكثير من الصحة.

عن نفسي.. فقد مكثتُ عاماً كاملاً من حياتي أدرسها، إلا أنها لا زالت ” تُعذبني” حتى يومنا هذا مع أنني بدأت رحلتي معها في أواخر عام 2009 في مدينة جوتنغن، ولستُ بحاجة إلى شجاعة كي أعترف لكم أنني لا زلت أعاني حتى اليوم من (ال التعريف) وحدها وكفى بها من معاناة. فهُناك لا يوجد ( أل ) كالعربية أو ( The كالإنجليزية) ولا حتى (هـ) كالعبرية، في الألمانية هُناك Der Die Das ! الحافلة مثلاً تُعتبر مُذكر أما السيّارة فهي بلا جنس والقطار مؤنث. لماذا؟  لا احد يُمكنه أن يفسّر هذا .. حتى شاعر الألمان غوتة، فاللغة الألمانية فيها قواعد كغيرها من لغات العالم، إلا أن الشواذ أكثر من القواعد غالباً. وبالمناسبة فـ ( أل ) التعريف تتغير بتغيّر الحالية الإعرابية، فعندما يكون الفاعل مذكراً يأخذ der وعندما يُنصب يأخذDen، عندما يُجر يأخذ dem وعندما يكون كالمضاف إليه يأخذ des. لهذا فإن الخيار الأفضل مع هكذا لُغة “مُرعبة” أن تختار أل التعريف على مزاجك وكفى

ليت ال التعريف وحدها هي المُشكلة، فمن سمع الدقيقة الأخيرة في أغنية فطوم فطومة لـ “غوار الطوشة” سمع غوار ينادي فطوم قائلاً: فطّوم إش ليبي دِش، ومعناها: فطّوم اُحبك!، والمعنى الحرفي: فطوم انا اُحب أنت، ولكن لو أراد غوّار أن يقول لحبيبته: لا أحبك، فسيُضيف على جُملته نشت (nicht) مما سيجعل المعنى الحرفي عجيباً: أنا اُحب انت لا، وقد يحتاج العقل العربي أياماً وليال ليعتاد على هكذا جُمل “مقلوبة” والورطة أن أداة النفي ليست وحدها التي تأتي في النهاية، فهناك جُملة تسمى بالجانبية لا يأتي الفعل فيها إلا في النهاية، بحيث تبدو الجملة غريبة وتُجبر السامع على السماع حتى النهاية كي يفهم المطلوب حقاً. وطبعاً هذا غير حكاية الأفعال القابلة للإنفصال وهي كثيرة كثيرة، ففعل schlagen  يعني ضرب، وعندما نُضيف vor قبلها سيصبح الفعل vorschlagen بمعنى اقترح أو رشّح لمنصب. فلو سمعت جُملة: أحمد schlägt سعيد، فسنفهم أنه ضربه ولكن لو صبرنا قليلاً على المتكلم ليقول  vor  في نهاية كلامه مثل : أحمد schlägt سعيد  vor . فإن المعنى سيُصبح أن احمد يُرشح سعيد لمنصب ما. وسواء فهمت الأمثلة أعلاه أو لم تفهم، فالمطلوب منك أن تفهم أن مارك توين لم يأت بكتابه من فراغ وكذلك مقالتي.

وليست عندي مُشكلة في أن اعترف بأن دراسة اللغة الألمانية إستغرقت معي حوالي عاماً كاملاً حتى نجحتُ في امتحان اللغة. فقدت درست اللغة في 8 أشهر، ثم سافرت حوالي 6 ساعات إلى مدينة في أقصى شرق المانيا و”تشحشطت” ألف “شحشطة” كي أتقدم لإمتحان اللغة هناك، فقد أرعبني زُملائي من امتحان اللغة في مدينتنا، ورغم ذلك سقطت، ثم سافرت إلى مدينة أخرى بعيدة وسقطت سقوط فادح مرّة أخرى وكدت أفقد الأمل .. إلا أن المُحاولة الثالثة كانت من حظي وحصلتُ فيها على التقدير الأعلى ويُسمونه DSH 3 مع أنني لم أكن أحلم يوماً بهكذا علامة ولعلي لم أكن مسروراً بالعلامة بقدر سُروري بخلاصي من هذا الامتحان الذي كاد يلتهم كُل احلامي.

لا شك أن اللغة الألمانية ليست مستحيلة، فلا مُستحيل تحت الشمس، كما يقولون، فحتى اولئك الذين لا يفهمون شيئاً في المُحاضرات ويجلسون في أول بضعة أسابيع، أو حتى أول فصل أو فصلين كـ “الأطرش في الزفة”، فإن واقع الطُلاب يؤكد، أنه من جد وجد ومن سار على الدرب وصل، فالمسألة في الواقع ليست في تحدث الألمانية إنما في إتقانها، فيُمكن لأي إنسان بذكاء طبيعي أن يتحدث اللغة الألمانية المحكية (الأساسية) ليتدبر أمور حياته في ألمانيا خلال 3 أشهر ورُبما أقل، ولكن الإتقان قد يحتاج عاماً أو 30 عاماً كما في حالة صاحبنا “مارك توين”، وشخصياً أشك أن الواحد منّا معصوم عن الوقوع في مواقف مُحرجة حتى بعد سنوات، فقبل فترة كُنت في جلسة شبابية دينية في المسجد التُركي في المدينة وقدمت مُداخلة بسيطة بالألمانية. اخترت فيها كلماتي بعناية فائقة، وحاولت ألا ارتكب أي خطأ نحوي .. إلا انني وجدت الجميع يضحك مني في وسط الكلام ولم افهم السبب حتى انتهى الدرس. بعد ذلك فهمت أنني قُمت باستخدام كلمة (befriedigen) أي (يُرضي)، وهذا صحيح حسب القاموس، إلا ان أصدقائي شرحوا لي أن هكذا كلمة لا تُقال في هكذا مقام، وإن صح ذلك في القاموس، إلا أن كُل من سمعها فهم منها الإرضاء الجنسي، اليوم لا اتخيّل نفسي انسى هذه الكلمة واستخدامها الصحيح، فضحكات الشباب مني، لا زالت تُرافقني، كُلما فكرت بهذه اللغة المُرعبة!

في الختام.. عذراً على الإطالة، إلا أن هكذا لغة تستحق أن يُكتب عنها أكثر، فحتى كلمة عُذراً في اللغة الألمانية تستدعي الرُعب، فهي تتكون من 14 حرفاً وتُلفظ هكذا ( إينتشولديغنونغ ) وتُكتب (Entschuldigung) وهي مُجرد نموذج بسيط لعالم من الكلمات المُرعبة مثل كلمة Rindfleischetikettierungsüberwachungsaufgabenübertragungsgesetz  المكونة من 63 حرف، وقد تم استخدامها فعلاً في إحدى المحاكم الألمانية، ولكن وللأمانة ولعشاق التحديات، فإن دراسة اللغة الألمانية، وبالأخص في تحليل هكذا أمور معقدة، ستجعلكم تشعرون بالمتعة والدهشة لا محالة.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

التعليقات 2 تعليقان

أحمد الزيدي منذ سنتين

تعقيبي حول اللغة العربية للكاتب لا الألمانية! ذلك أنه أستعمل كلمة هكذا عدة مرات أستعمالا خاطئا ! أذ قال هكذا كلمة، هكذا لغة، وهكذا أمور معقدة…الخ. وكان الصواب أن يقول كلمة كهذه، لغة كهذه، وأمور معقدة كهذه. أنه وقع في الخطأ الشائع للأسف.

اسماء منذ سنتين

ممتاز ومرعب…. بس فيه شفافيه ومفهوم ..

أضف تعليقك