أحلام المعماري يحققها الإنشائي

6 أبريل , 2018

الهندسةُ بفروعِها العديدةِ لا تلتبسُ على أيٍّ منا؛ فهندسة الكهرباء وهندسة الحاسوب إلى هندسة الميكاترونكس تعبر عن الخُطة الدراسية لخمسِ سنوات أكاديمية أو على الأقل تغني صاحبها عن سؤال الشارع المعتاد “شو بتعمل يعني؟” على عكس الهندسة المعمارية والمدنية وخصوصًا بفرعها “الإنشائي” التي ترتبط ارتباطًا أصيلًا مع الهندسة المعمارية، إذ ما تبدأ بالتعارف على أحدهم حتى يبدأ السؤال عن تخصصك ومجال عملك المستقبلي، وإذا كنتَ مهندسًا إنشائيًّا ـ مدنيًّا ـ حضِّر نفسك لتباشر عملك في صياغة جواب يتناغم مع السائل؛ حتى تخرج من هذا السؤال دون إلصاق صفة “الطوبرجي” بك!

 

للهندسة المدنية فروع عدة منها: هندسة الإنشاءات العامة، وهندسة المياه والري، هندسة الطُّرق والجسور وغيرها من الفروع، وهنا سأسلط الضوء على هندسة الإنشاءات والاختلافات الجذرية بينها وبين الهندسة المعمارية، والتي تكمن في صميم اختصاص كل منهما، ولفهم عملهما سنُعيد قراءة العنوان “أحلام المعماري يحققها الإنشائي” ومن هنا يبدأ فهم طبيعة العمل.

 

المعماري هو المهندس الذي يبادر بوضع الفكرة الأساسية والخطوط الرئيسة لأي منشأة ـ بناء ـ وذلك بعد الاتفاق مع مالك المنشأة واحتياجاته منها ونوعها، سواء أكان سكنيًّا، أم تجاريًّا، أم صناعيًّا، أو غيره، يبدأ بوضع تصميم مبدئي بناءً على المعطيات التي بين يديه من حدود قطعة الأرض المنْوي إقامة البناء عليها، والتقرير الطوبوغرافي من المساحة، وما إلى ذلك من وضع فكرة عامة للتصميم، وهنا يختلف المعماريون بإبداعاتهم؛ فهذا يضع الشكل الْمُمِل المعتاد، وذاك يدرس المشروع بطريقة فيزيائية؛ لِيَسْتَغِلَّ موارد الشمس والرياح لتحتضن البناء، وذاك الذي يخلق تحفة فنية دون أن يهتم بالمساحات الضائعة، إلى ذلك المعماري الناجح الذي يُسخر جميع إبداعاته في البناء ليخرج تحفة فنية، مستغلًّا مصادر الطاقة الطبيعية بأقل التكاليف الممكنة، ومن هنا يبدأ المعماري برسم أحلامه، ونسج خياله عن طريق إسقاط المساحات، وتحديد أسوار البناء، ورفعه بشكل ثلاثي الأبعاد، وتحديد المساحات، وعمل كل منها، وهذا كله على الورق بناءً على معطيات الواقع؛ لذا هي رؤيا حقيقية أقرب منها إلى أضغاث الأحلام.

 

 

ما ينفك تجهيز العمل الورقي بشكل تفصلي حتى تبدأ المشاورات بين المهندس المعماري والإنشائي؛ فهذا العمل الورقي يريد أن يُسقط على أرض الواقع غيثًا سخيًّا لمستفيديه، فصاحب هذا الإسكان لا يحتاج لأن يبيع مكاتب بمقياس رسم 1:100 ولن يستطيع استخدام المكتب المرسوم ما لم يُرفع بأعمدة، ويسلح بسقف أمن، وهنا يأتي الإنشائي لكي يضع علمه وخبرته لتتناغم مع الفكرة التصميمية، ويفكر في استخدام أفضل التصاميم الإنشائية، من وضع أعمدة لا تؤذي الفكرة التصميمة للمعماري، ولا تعكر صفو المساحات الشاسعة، ويضع الجمل الإنشائية بعد حساب أحمال المنشأة نفسها، وأحمال من سيستخدمها، بما في ذلك الأثاث وغيره، يضع هذه الجمل بحساب يسدل الأمان على أعين مستخدميه، ويضع الأساسات ـ قواعد البناء ـ دون أن يرهق جيب المالك الحريص على أمواله، أما الإنشائي المميَّز فهو من يقيم بناء بمعاملات أمان عالية نسبيًّا وبأقل جهد وتكلفة ممكنة، متماشيًا مع التصميم المعماري العام.

 

وبعد إخراجه للمخططات الإنشائية التي تحوي تفصيلًا دقيقًا عن محاور الأعمدة المقترحة وسماكة الأسقف والجسور وأبعاد القواعد وسماكاتها وما إلى ذلك من تفصيل كل قضيب حديد سيوضع في البناء، يخرج إلى أرض الواقع؛ لينفذ هذه المخططات المعمارية والإنشائية على أكمل وجه ممكن ابتداءً من وضع الأساس إلى إخراج بناء ثلاثي الأبعاد كما حَلُم به مكمِّلُه المعماري.

 

ولكن كيف للعامة أن يتيَقنوا أن المهندس الإنشائي ليس ذلك الحِرَفِي الماهر الذي يرتب الخشب، ويرفعه قبل صب الباطون “الطوبرجي” وليس ذلك العامل القوي الذي يحمل قضيب الحديد بأبعاد تصل إلى 12 متر، وقبل هذه المقارنات كلها لا بُدَّ أن يتفهموا أن المهندس الإنشائي هو ذلك المهندس الذي صمم كل هذا، وهو جالس خلف حاسوبه المساعد، وهو ذلك الذي يسير بالواقع ليصل لأعلى معايير الجودة والسلامة، وهو الأمين على موارد المشروع جميعًا؛ لذا ليس كل من قال أنا إنشائي فكم منَّا طوبرجي دون الرُقي حتى لمهارة الطوبرجي.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك