الإدماج الوظيفي

18 يناير , 2015

تحدثنا في المقال السابق عن ظاهرة التجوال الوظيفي في الجزائر، أين ظهر لنا ذلك التأثير السلبي لهذه الظاهرة على المستقبل المهني لخريجي الجامعات، أما في مقالنا لهذا اليوم، فسنتطرق إلى آلية معينة للتوظيف في الجزائر تسمى بالإدماج، وتخص تحديداً، عمال وموظفي عقود ما قبل التشغيل . و توضيحاً لمصطلح الإدماج الوظيفي، نقول بأنه عبارة عن آلية لإدماج الموظفين الذي يشغلون مناصب عمل في مؤسسات عمومية بموجب عقود محددة المدة، في مناصب عمل دائمة، و ذلك بعد مرور مدة معينة من الخدمة بصفة موظف متعاقد، و إلى غاية حدوث هذا الإدماج يكتسب هذا الموظف المتعاقد كافة الحقوق و يتحمل كافة الواجبات التي تقع على عاتق الموظف المنصب رسمياً في منصب عمله، و ترجع بداية استحداث هذه الآلية إلى سنة 2008، و كان الهدف منها هو إمتصاص أو التقليل من نسب البطالة في الجزائر، لاسيما لدى فئة خريجي الجامعات .

و من الناحية العملية، تشهد عملية إدماج الموظفين المتعاقدين من حملة الشهادات الجامعية في مختلف التخصصات بالجزائر وتيرة جد متسارعة، أسهمت بشكل كبير و إيجابي في تشغيل و تحسين وضعية العديد من خريجي الجامعات، الذين كانوا إلى وقت قريب أمام مستقبل مهني مجهول.

و إلى غاية كتابة هذه الأسطر، فإن المتتبع لما ورد أعلاه يرى في هذه الآلية نعمة تكرمت بها الدولة لخريجي الجامعات، انتشلت و أنقذت العديد من خريجي الجامعات من عالم البطالة و اليأس والضياع، لكن ما لا يعلمه الكثيرون، أن هذه الآلية في حد ذاتها قد مستها هي الأخرى أيادي البيروقراطية و المحسوبية التي تميز قطاع التوظيف في الجزائر، مثلما سبق لنا التطرق إليه في مقالنا السابق الموسوم بـ”التجوال الوظيفي”، كيف لا!؟ و نحن نجد بأن هذه الآلية التي أنشئت لفئة معينة من الشعب، و هم حملة الشهادات الجامعية، يستفيد منها أناس معينون دون غيرهم، كيف لا!؟ و قد استفادت من هذه الآلية دفعات معينة من خريجي الجامعات، دون غيرها من الدفعات الحديثة (توقف العمل بهذه الآلية على مستوى الإدارات العمومية ذات الطابع الإداري سنة 2012 ـ و اقتصر الأمر على المؤسسات ذات الطابع الاقتصادية)، و كل هذا يتنافى مع مبدأ دستوري هام، هو مبدأ تكافئ الفرص .

و من جهة أخرى، يظهر الجانب السلبي لهذه الآلية كذلك في مسابقات التوظيف، أين نجد بأن الموظف المتعاقد بموجب هذه الآلية، يتقدم على باقي المرشحين من خريجي الجامعات،بما يسمى بالخبرة الوظيفية، يحدث هذا في ظل الاعتماد الكلي على المسابقات على أساس الشهادة أو المؤهل، أين تلعب الخبرة الوظيفة دورًا هامًا في تحديد قائمة الناجحين حتى قبل دراسة الملفات، فإذا لم يتم إدماجها صراحة في مناصب العمل المفتوحة في هذه المسابقات، فإن خبرته الوظيفية المزعومة سترجح الكفة لصالحه في النهاية . و من الناحية العملية دائمًا، نجد بأنه لا أساس و لا صحة لهذه الخبرة الوظيفية بالنسبة لهؤلاء الموظفين المتعاقدين، فالموظف المتعاقد بموجب آلية عقود ما قبل التشغيل، و إن كان يحضر أساساً إلى مكان الوظيفة و يقوم بعمله على أكمل وجه، فإن الحجم الساعي للعمل الذي يقوم به، و إن قام بإتمامه فإنه لا يتجاوز الأربع ساعات في اليوم، و هي مدة غير كافية للتسليم بأن هذا الموظف قد اكتسب الخبرة الكافية التي تعطي له حق الأولوية في التوظيف أو الإدماج دون غيره من خريجي الجامعات، الذين من الممكن لهم أن يكتسبوا خبرات أكبر بمجرد الإطلاع و البحث في القوانين و المراجع ذات الصلة بالوظيفة محل المسابقة . ختاماً، يمكن لنا القول، بأن هذه الآلية و إن كان لها جانب إيجابي لا ينكره إلا جاحد، فإنها من جهة أخرى قد أسهمت بشكل كبير في تكريس اللامساواة بين خريجي الجامعات، لاسيما و أننا أمام حقوق تكفلها كافة الدساتير و المواثيق الدولية، و هي الحق في العمل و المساواة دون تفرقة بين جنس أو عرق و تكافئ الفرص و الحق في العيش الكريم، و بالتالي فإنه لا يمكن لنا إنفاذ هذه الحقوق في ظل وجود هذه الآليات الغير مكتملة الأركان، و الغير مدروسة .

طالب جامعى
جامعة الحاج لخضر باتنة

ماجستير قانون الملكية الفكرية



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

التعليقات تعليق واحد

جمال بن الطيب منذ 4 سنوات

برك الله فيك استاذنا هذا هو مشكل البلاد عدم المساواة

أضف تعليقك